أزمة البحث عن (منافس) - سامح فوزي - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 9:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

أزمة البحث عن (منافس)

نشر فى : الأحد 15 فبراير 2009 - 9:55 م | آخر تحديث : الأحد 15 فبراير 2009 - 9:55 م

 من يتأمل ما آلت إليه الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية)، وشقيقاتها في تونس وسوريا من تراجع يعتريه الحزن علي ضياع إحدى فرص التحول الديمقراطي في المجتمع المصري خاصة، والمجتمع العربي عامة.

فقد بدأت حركة (كفاية) فتية، زاعقة، اختارت أن يكون الشارع هو المجال الحيوي بالنسبة لها، في رد فعل لنظام حزبي غير فعال تعمل فيه الأحزاب خلف الجدران. لا تعرف شيئا عما يموج به المجتمع من تحولات، ولا يعرف المجتمع ما يجري داخل هذه الأحزاب، ولا حتي أسماء الكثير منها. ولكن ما أن توارت الأضواء عن كفاية حتى بدأ التيبس يدب في أطرافها، وتحولت إلي إحدى الفعاليات السياسية التي تعاني من أمراض الأحزاب، من تفسخ، وتنازع علي الزعامة، وإتهامات بالعمالة والخيانة عند الاختلاف، وأخيرا حالة من حالات "الغضب العشوائي" بتسلم قيادة راديكالية مقاليد السلطة فيها، تراهن علي تحالف قومي إسلامي، لم يعد لليسار مكان فيه.

وما حدث في الواقع لا يمثل مفاجأة. فقد توقع كثيرون أن حركات التغيير الديمقراطي في المحيط العربي التي نشأت ما بين عامي 2004 و2005 سوف تزبل، وتتراجع سريعا. بدأت هذه الحركات، وفي مقدمتها حركة (كفاية) في أجواء دعاوي أمريكية بإصلاح ودمقرطة المنطقة العربية. وربما كان هناك رهان في البداية أن تكرر هذه الحركات ما قامت به حركات التغيير الديمقراطي في أوربا الشرقية، من صربيا إلي أوكرانيا مرورا بجورجيا. ولكن سرعان ما تبدد هذا الاعتقاد، خاصة بعد أن ظهر واضحا أن الأوضاع السيوسيو-ثقافية مختلفة بين أوربا الشرقية من ناحية، والمنطقة العربية من ناحية أخري.

حركات التغيير الديمقراطي في أوربا الشرقية لم يكن لديها تساؤلات هاجسية عن العلاقة بين الدين والدولة، فهي نشأت في مجتمعات علمانية، استفادت من البني الصناعية والتعليمية التي أرستها الأنظمة الشيوعية، وتحولت في السنوات الأخيرة منذ تفكك الاتحاد السوفيتي إلي أنظمة مهجنة- وفق تعبير عالم السياسة الأمريكي لاري دايموند- تجمع بين بعض سمات الأنظمة السلطوية وبعض سمات الأنظمة الديمقراطية في آن واحد مما سمح بوجود مساحات للحركة السياسية، أدت في النهاية إلي حدوث تحول ديمقراطي سلمي في إطار ما سمي بالموجة الرابعة للتحول الديمقراطي.

كانت لدي هذه المجتمعات عشية التحول الديمقراطي قضاء مستقل، وإعلام خاص، وتحالف عريض يجمع عناصر نافذة في جهاز الدولة، وأحزاب سياسية، ورجال دين، ورجال أعمال، وقيادات سياسية لديها مصداقية لم تتلوث بتهم الفساد والقهر السياسي، وقواعد انتخابية تكفل حدا أدني من النزاهة. عبأت قواها علي مدار سنوات، مستفيدة من زخم التأييد الشبابي لها، والقدرة علي الحشد الجماهيري، وما أن آتت اللحظة الانتخابية حتى استطاعت أن تحرز الفوز، وخرجت الجماهير إلي الشارع بمئات الآلاف لحماية صوتها الانتخابي من السرقة. كل ذلك جعل الأنظمة القمعية تتهاوي سريعا بعد أن تبين لها أن استخدام القمع الأمني مستحيل، خاصة في ظل تراجع الأجهزة الأمنية عن الدخول في صدام مفتوح مع جماهير هادرة، يراقب المجتمع الدولي تحركها، ويقدم لها الدعم معنويا ولوجستيا، ويغل يد الأنظمة الحاكمة عن اللجوء إلي السلاح في مواجهتها.

لم يكن الحال كذلك بالنسبة لحركة كفاية. فقد بدأت بتحالف ضم يسارا وقوميين وإسلاميين، سعت من خلاله إلي الربط الكلاسيكي بين المسألة الديمقراطية وبين مواجهة ما سمي بالتحالف الصهيو-أمريكي، كما ظهر في بيانها التأسيسي.

هنا وقعت كفاية في خطأ استراتيجي، فقد أعادت انتاج المقولات الخاصة بالانظمة العربية التي تؤجل الديمقراطية حتى تحرر الأرض العربية المحتلة. ولا يوجد إرتباط حقيقي بين الأمرين، فلم يكن يوما إهدار حريات المواطن العربي سبيلا لتحرير القدس أو الجولان أو الضفة الغربية، ولم تكن الديمقراطية شرطا لازما لمقاومة الاحتلال.

علي أية حال، فقد بدأت كفاية بتحالف أثبت فشله في مراحل سابقة، لم تجب خلاله عن الأسئلة الإشكالية التي تتعلق بشكل النظام السياسي، أو العلاقة بين الدين والدولة، أو مستقبل الهندسة السياسية في ظل وجود بديل إسلامي في نظام شبه علماني. لم تنجح كفاية في بناء تحالفات انتخابية، ولم ترق إلي المستوي الذي تشكل فيه منافسة حقيقية أمام صندوق انتخاب تحاصره الاتهامات بغياب النزاهة الكاملة. حدث ذلك، في الوقت الذي استطاع فيه النظام الحاكم توسيع قاعدة المؤيدين له من شرائح التكنوقراط، والأقباط، والمهنيين، ورجال الأعمال. وشعرت قيادات احزاب المعارضة، رغم ضعفها الواضح، بتهديد من كفاية، فكان النظام أقرب لها. وما أن أتت الانتخابات الرئاسية ثم البرلمانية عام 2005م حتى خفت بريق كفاية، بعد أن قررت المقاطعة، وبذلك خرجت من المشهد. وكان شعارها "لا للتمديد ولا للتوريث"، عنوانا مبكرا علي فشلها بعد أن رغبت في تغيير رأس النظام الحاكم بمظاهرات لم تتجاوز بضع مئات من الوجوه المألوفة في الفعاليات الاحتجاجية منذ سنوات.

بالطبع لا أحد ينكر أن كفاية حركت مياه راكدة في الحياة السياسية. ساعدت المواطن علي الاحتجاج، والتظاهر، والاعتصام. لكنها لم تصمد أمام نيران النظام، والنيران الصديقة. تهاوت سريعا، مخلفة ورائها خبرة فشل إحدي الحركات التغيير في المنطقة العربية. راهن عليها القوميون والإسلاميون، من منهم له الغلبة؟ وآلت في النهاية- بعد أن تراجعت- إلي العناصر الراديكالية علي الجانبين نتيجة تسرب العناصر اليسارية منها بعد أن شعرت أن التيار السائد فيها يمضي عكس الاتجاه. ضعفت كفاية، وظلت أحزاب المعارضة علي ضعفها، وتراجع بشدة أداء، وربما مصداقية الإخوان المسلمين. باختصار المشهد السياسي مكشوف، والحزب الوطني ليس بحاجة إلي جهد يبذله قبل الانتخابات البرلمانية عام 2010، والانتخابات الرئاسية عام 2011، بل علي العكس، فإن معضلته الآن هي في البحث عن شريك معارض، قادر علي إضفاء صورة المنافسة علي الانتخابات.

سامح فوزي  كاتب وناشط مدني
التعليقات