قامُوس الصَّابرين - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
السبت 18 مايو 2024 7:40 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

قامُوس الصَّابرين

نشر فى : الجمعة 15 مارس 2024 - 7:25 م | آخر تحديث : الجمعة 15 مارس 2024 - 7:25 م
عرفتُ بين الأصدقاءِ والصديقاتِ من لا يُطيقُ صبرًا على أيّ شيء يقوم به. يبدأه ثم يُسارع الخطواتِ ولا ينفكُّ يقطع أشواطًا واسعةً حتى يُفسِد ما يفعل. المثالُ المُتكرر وصفاتُ الطعام التي تتطلَّب من صانعها أن يصبرَ، فإن لم يفعل؛ أحرقَ المُكونات أو أخرجها نيئةً ناقصة النُّضج. الطَّهوُ مَوهبةٌ والصَّبر هِبةٌ يفتقر إليها كثيرون.
• • •
الصَّابر هو الشَّخص القادر على الصُّمود في وَجه الشِدَّة، وتحمُّل المُنغِّصات والمساوئ بلا شكوى، فيما الصَّبور صيغةُ مُبالغة؛ تفيد أصالةَ الصفةِ وثباتها، أما الأسماء المُشتقَّة من الفِعل صَبَرَ فعديدة ومنها؛ صَابر وصَابرين وصَبري وصَابرة وغيرها.
• • •
قد تتضاءلُ المشاعر الحادةُ جراء التكيُّف مع الواقع المُؤسي والاعتياد عليه. تظل الأزمات في مُجملها حاضرة، لا تنفرج ولا تجد لها حلًا، لكن حمولنا تخفُّ رويدًا؛ إذ نحوّلها بصَبرِنا إلى حال مُزمِنة، والحقُّ أن الصَّبر ليس دائمًا بمفتاح الفَرج؛ فثمَّة ما يزداد تعقيدًا كلَّما مرَّ عليه الوقت، وثمَّة ما يزداد تكلسًا وجمودًا مع انفلات الزمن.
• • •
الصَّبر على المُرّ فعلٌ صعبٌ عسير؛ لكن أغلبنا يُجيده ويَبرع فيه، ويَجد لنفسه سُبُلَ التَّسرية والمُواساة، ويبتكر من الأعذار ما به يحمي كيانه؛ فمِن محاولة تجميل المَوقف، إلى إعلان العَجز عن تغييره، إلى الحديث عن الجزاء العظيم الذي ينتظر الصابرين، والذي يُرَدُّ في كثير الأحيان إلى المَوروث الدينيّ مُنتزَعًا من سياقه؛ ليصبح دعوة زائفة للاستسلام.
• • •
في مديح الصَّبر يأتي المأثور الشهير: صبرت ونُلت، والمراد من جمع الفعلين التأكيد على أن الصَّبر قد أوصل صاحبَه لما أراد، وأن الجائزة التي حصدها استحقَّت التأني والانتظار؛ رغم أن الكلمات لا تفصح بطبيعتها.
• • •
الصبَّار نبتةٌ خشِنَةٌ قويةٌ وغليظةٌ في آن، خاملة؛ نعم، لا تملك بهاء الورود ورونقها؛ نعم، لكنها تملك جلَّ مقومات البقاء وفي صمودها وسط القفر، وتحملها العطش الطويل؛ أبلغ دليل، وهي فوق بأسها هذا قادرة على دفع الأذى عن نفسها، فلأشواكها الحادة القاسية فعل السحر في إبعاد المعتدين، وكفّ أيدي الفضوليين والعابثين. من الناس من يشبه الصبار في بعض خصاله؛ يكفيه أقل القطر لينتعش وينمو، يحيى بما تيسر في بيئته ولا يتطلع إلى الوفرة والغزارة، يكتسبُ على المدى الطويل صلابةً نادرةً، ويتخلص من زوائد وزينات هي عند غيره ضرورة. من الناس أيضًا مَن لا يشبه الصبَّار؛ إلا في قدرته على الوَخز.
• • •
الجَّملُ بدورِه عنوانٌ للصَّبر والتأني، يتهادى في مِشيته كأنه لن يصلَ أبدًا إلى مَقصده؛ لكنه إن نَفَضَ حُلمَه هذا، تحوَّل إلى سَهمٍ مُنطلِق، ولا غرابة أن تشتهر المناطقُ الصحراويَّة بسباقات الهَجَن ومنافساتها الضارية. خلفَ المظهر الوديع والخطو البطيء للدابَّة الضخمة؛ تكمُن شراسةٌ حقيقيَّة، فعضَّةُ الجَّمل مُميتة ما نحَّى مُسالمَته جانبًا، والخُفُّ الثقيل قادر على سَحق ما يطأ ببساطة متناهية، ولعلَّ في قولة "اتق شرَّ الحليم إذا غَضبَ" أدقَّ توصيف لثورةِ الجَّمل.
• • •
إذا تعجل المرء النتيجة قيل "اصبر على رزقك يجيئك"، والتخصيص هنا يؤكد المراد؛ فالرِزق في عرف غالب الناس لصاحبه وحده، قد كتب له دونًا عن الآخرين، لا يزاحمه فيه أحد ولا يسبقه إليه؛ ومن ثم لا حاجة به للقلق أو التلهُّف.
• • •
في فيلم "الوزير جاي"؛ مات صابر أفندي أيوب قبل أن يهنأ برفع قيمة معاشه وضم مدة خدمته الإضافية. مات بعد صبر طويل، ولو انتفض في الوقت المناسب وسعى لانتزاع حقه في حزم وعزم؛ لتبدلت ولا شك الحال. القصة للساخر العتيد أحمد رجب وبطولة الكبيرين وحيد سيف وأسامة عباس، وقد عرض الفيلم في منتصف الثمانينيات تقريبًا.
• • •
أيوب النبيّ هو رمز الصبر على مر العصور، طال ابتلاؤه زمنًا وزالت عنه مباهج الحياة كافة، لكنه لم ييأس ولم يفقد صفاء سريرته؛ وإذ قابل المكاره هادئ البال ساكن الخاطر، فقد ضُرِبَ به المثل. في الصبر لين ومرونة وسِعة صدر؛ لكنه لا يجوز إلا مع ما يعجز المرء أمامه عجزًا كاملًا مبينًا؛ فإن كان بيده إصلاح أمره وتقاعس؛ صار صبره ذميمًا.
• • •
يُوصَف قليلُ الصَّبر بأن خلقه ضيق، وكثيرًا ما يُقال: "صبرك بالله" حثًّا على التحلّي بالهدوء والحكمة، والتروي إزاء ما يجري، أما إذا احتدم النقاش بين اثنين؛ قال أحدهما في سياق التهديد والوعيد: "صبرك عليّ"، والقصد المضمر في السياق أنه يستعد لفعل انتقامي؛ لكنه يحتاج وقتًا للإعداد والتدبير.
• • •
عرضت الشاشة الصغيرة مسلسل "صابر يا عم صابر" في نهاية الثمانينيات تقريبًا، بطولة فريد شوقي وكريمة مختار، وتحكي القصة عن عم صابر الذي يعمل سائقًا لدى أحد الوزراء، لكنه يعاني من "الارتفاع الجنوني" للأسعار، ويضطر للبحث عن عمل إضافي. الجنون هنا نسبيّ، أما الصبر فخطٌ طويلٌ ممتد؛ لا ينقطع منذ حضارتنا القديمة وإلى يومنا هذا.
• • •
"يا مستعجل عطلك الله" قد يبدو إقحام الربّ في المسألة غريبًا؛ لكنه يمثل في الحقيقة نوعًا من المواساة والحث على الرضاء والقبول -كعادتنا إزاء نواكبنا وخطوبنا- فالعطلة لا تعود لخلل بشري كان بالإمكان تداركه؛ إنما هي بمقتضى القول المأثور فعلٌ إلهيٌّ لا ينبغي الاعتراض عليه ولا يجوز الندم بشأنه.
بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات