شجرة الحياة - داليا شمس - بوابة الشروق
الإثنين 22 يوليه 2024 11:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

شجرة الحياة

نشر فى : السبت 15 يونيو 2024 - 5:50 م | آخر تحديث : السبت 15 يونيو 2024 - 5:50 م

سألت نفسى «ماذا ستفعلين لو كنت شجرة؟»، فكانت الإجابة على الفور: «سأختبئ. سأنبت فوق قمة جبل لا يستطيع بلوغها إنسان، حيث لا ترانى سوى السماء والنجوم والغيوم والشمس والقمر، فالمصريون الجدد أصابهم ضرب من الجنون، يزيلون الأشجار فى عز الحر دون مراعاة وظيفتها البيئية»، مع العلم أن متوسط نصيب الفرد من المساحات الخضراء فى مصر 17 سنتيمترًا، رغم أن منظمة الصحة العالمية وضعت معايير تقضى بأن يكون الحد الأدنى للمساحة الخضراء المتاحة للفرد فى المناطق الحضرية هو 9 أمتار مربعة.
أين هذه الأيام بتلك التى وصف فيها هيرودوت مصر خلال القرن الخامس قبل الميلاد بأنها «غابة من الجميز»، نظرًا لانتشاره فى جميع ربوعها؟ إذ عرف المصرى القديم أهمية الأشجار منذ الأزل وصورها على جدران المقابر والمعابد وجعل لها قدسيتها فارتبطت بعض أنواعها بآلهة بعينها. أطلق مثلًا على حتحور، ربة الحب والموسيقى والغناء والرقص، «سيدة الجميز» الأم الكونية التى تطعم أرواح الصالحين، والصفصاف الذى زين الترع والمصارف ارتبط بأوزير (أوزيريس) الذى يرمز للموت والبعث، و«رع» بنبات اللوتس لأن الزهرة تضم فى قلبها دائرة صفراء اللون تشبه قرص الشمس الذى يمثله، وشجرة السنط اقترنت بإيزيس التى تحمل عرش مصر فوق رأسها لتحميه.. وبسبب الأهمية الدنيوية والدينية لشجرة السنط نُقش على مقبرة شخص غير معروف ينتمى للأسرة الثالثة، محفوظة فى متحف تورونتو، «مشرف شجرة السنط»، وهو لقب نادر وجدناه أيضًا مسجلًا على لوحة حجرية فى متحف التحرير بالقاهرة تحمل رقم 1607، وتعود إلى الدولة القديمة. كما وردت رسالة فى متون الأهرام، وهو أقدم نص دينى دونه الإنسان على الإطلاق، موجهة إلى شجرة الجميز: «التحيات لك يا شجرة الجميز، يا من تحتضنين الأرباب، والتى تحتها تحتمى آلهة السماء السفلى».
• • •
وجود الأشجار فى الحضارات العريقة يعنى إمكانية الحياة فى المكان الذى ينمو فيه الأخضر، فالشجرة ترمز للتوازن والتآلف، للاستقرار والاستدامة، وهى مبادئ رئيسية لإقامة الحضارة، لذا اعتبرت معظم الشعوب القديمة أن الأشجار تصور العلاقة الترابطية بين جميع أشكال الحياة على كوكبنا، ومن هنا نشأت الأساطير حول «شجرة الحياة» التى تمنح الخلود، تعلو أغصانها فتجمع بين ماديات الأرض وروحانيات السماء.
فى بلاد فارس كانت هناك «شجرة العالم» الضخمة التى تحمل كل أنواع البذور، وأسطورة شجرتى الماشى والماشيان اللتين تعتبران أصل كل شيء حى على الأرض. وفى الأساطير الإسكندنافية كانت الأشجار التى تعطى الخلود لمن يأكلها هى أشجار التفاح، فى مقابل شجرة الخوخ فى الحضارة الطاوية الصينية. وفى مدينة أريحا، بالجزء الشرقى من الضفة الغربية، تم الكشف عن أكبر لوحة فسيفساء متصلة تصور «شجرة الحياة» على أرضية حمام قصر الخليفة الأموى هشام بن عبد الملك الذى أقامه للاستجمام خلال فصل الشتاء، شجرة ذات حجم كبير بأوراقها الخضراء وثمارها وإلى يسارها غزال يقوم أسد بافتراسه، فى إشارة لمفاهيم الحرب والسلام. أما فى مصر، فقد رأينا شجرة ترمز إلى حياة الإنسان والمراحل العمرية المختلفة التى يمر بها، فى مقبرة «خنو محوتب» وهو حاكم من الأسرة الثانية عشرة، وذلك من خلال خمسة طيور تقف على شجرة الحياة، أربعة منها تمثل الطفولة والبلوغ والشباب والشيخوخة وتنظر فى اتجاه شروق الشمس أى الحياة، فى حين ينظر الخامس باتجاه الغرب أى الموت. وفى موقع آخر تخيلوا شجرة الحياة وقد كتبت على أوراقها أسماء البشر، وكلما سقطت ورقة انتهت حياة ذلك الإنسان، لذا قيل إن رمسيس الثانى بعث رسله إلى تلك الشجرة ليكتبوا اسمه على العديد من الأوراق كى يخدع الموت ويتمتع بالحياة، فالفرعون لا يريد أن يموت.
• • •
المصريون مثلهم مثل الشعوب القديمة علقوا أغصانًا دائمة الخضرة على الأبواب والنوافذ للاعتقاد السائد أن الخضرة من شأنها أن تبعد الأشباح والأرواح الشريرة والسحر والمرض، لكنهم أيضًا نشروا أساطيرهم الخاصة بالأشجار حول العالم ونقلوها إلى حضارات مجاورة، كما حدث بالنسبة لقصة شجرة الميلاد، فهذه الأخيرة ارتبطت بعادة فرعونية ثم انتقلت من مصر إلى سوريا والعراق وعبرت البحر الأبيض المتوسط لتظهر فى أعياد الرومان، ومن هنا جاءت فكرة شجرة الكريسماس الخضراء للاحتفال بعيد ميلاد المسيح عليه السلام. شجرة الكريسماس، ما هى إلا شجرة أوزير الذى قتله أخوه ست ثم ردت إليه الحياة ثانية وأصبح شجرة خضراء وارفة، فقد تغلب على الموت من خلال التحول إلى حالة مغايرة من الوجود، وفى اليوم الأول من شهر كيهك، رابع أشهر التقويم المصرى، حين تنحسر مياه الفيضان فتعود الخضرة إلى الأرض، اعتاد المصريون القدماء الخروج للاحتفال بأوزير وبالحياة المتجددة.
يقف العظماء منهم أمام معبد أبيدوس، شمالى الأقصر، ويأتون بأكثر الأشجار اخضرارًا ويزرعونها فى الساحة المكتظة بالرجال والنساء والأطفال، يلقى الناس بطلباتهم وأمنياتهم مكتوبة على الشقافات والبرديات تحت شجرة المعبود أوزير فيحققها لهم الكهنة قدر الإمكان فى صورة هدايا وعطايا. الأمنيات كثيرة مثلما الفقراء والضعفاء الذين صاروا لا يجدون حتى ظل الأشجار.
• • •
الأساطير تسمح للأشجار والكائنات المختلفة بأن تتحول إلى شكل آخر من أشكال الوجود لكى تنجو بنفسها مثلما فعل أوزير، لكن مع الأسف هذا أمر غير وارد فى الواقع المر الذى نعرفه. لا يمكننا العيش فى أجسام غير أجسامنا أو تقمص أرواح آخرين، فنحن أناس عاديون، لا يتمتعون بقوة خارقة ولا بملكات خاصة. نعيش ونموت كما كتبت لنا الأيام. نجد أحيانًا فى حكايات ونصوص الأقدمين ما يمثلنا أو يمس مشاعرنا وهو ما حدث خلال رحلة بحثى عن «أشجار الحياة» التى نقتلعها. وقعت خلال مطالعتى لكتاب «متون الأهرام»، بترجمته الرائعة لشريف الصيفى، على نص فريد دونه مواطن مصرى فى بداية القرن الثانى الميلادى يعكس فزعه على موروثه الثقافى وهو يراه يتفتت تدريجيًا، قائلًا: «يا مصر، يا مصر الحبيبة! لن يبقى ما يشهد فى القرون المقبلة على عباداتك سوى الأساطير والحكايات (...) سيستوطنك السكوثيون أو الهندوس أو واحد آخر شبيه بهما (...) لن يتركوا مصر، وعندئذ ستترك الآلهة أرض المصريين هاربة إلى السماء وستموت هوية المصريين».

التعليقات