الرحيل الثانى لأسامة الباز - أحمد الصاوى - بوابة الشروق
الخميس 2 مايو 2024 10:52 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الرحيل الثانى لأسامة الباز

نشر فى : الأحد 15 سبتمبر 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 15 سبتمبر 2013 - 8:00 ص

رحل أسامة الباز مرتين

واحدة أمس الأول حين فاضت روحه وصعدت إلى بارئها.

والثانية قبل سنوات طويلة، 15 عاما وأكثر قليلا، حين تحول من مستشار يصنع السياسات إلى مستشار لا يستشار.

حين رحل فى المرة الأولى، وجرى تجنيبه، وإخراجه من الصورة، كان خروجه يؤذن برحيل نظام فقد عقله قبل أن يفقد بعد ذلك كثيرًا من اعتباره وهيبته، وفى النهاية سلطانه.

الأنظمة مثل البشر، لها أجساد لكل عضو فيها مهمة، وذهنية كالمشاعر الانسانية تحدد الانحيازات وتبنى الخصومات، وتختار طرائق الحياة، ومثلما يحتاج المرء إلى عقله ليفكر ويده ليبنى بها أو يبطش، تحتاج الأنظمة.

كان مبارك.. على الأقل فى نصفه الأول «ديكتاتورًا كفئًا»، بنى استقراره على مقعد الحكم، على كفاءات شتى اجتذبها من كل مكان ومشرب، أدخلها حظيرته، أمن نفسه بها ومنها، استخدم أفكارها ومشروعاتها كما يريد، لأنها أفكار فى النهاية جيدة الصنع.  

ترنح نظام مبارك أول ما ترنح حين بدأ يفقد عقله، ظن لوهلة أنه قادر على استبدال عقله بعقل جديد أكثر شبابا وأقرب رحما، ولما كان الفارق مذهلًا فى الكفاءة بين جيل يمثله أسامة الباز، وجيل يمثله جمال مبارك وأحمد عز، لم يكن أمام النظام حل سوى تعطيل العقل وتشغيل اليد لتبطش، ظنا منه أنها تحمى وتصون، فيما كان البطش بالتوازى مع الفساد يسيران بتضامن مرتب لإسقاط النظام كله.

كان مبارك فى مرحلة من زمنه قويا عاقلا، حتى فساد حكمه كان فى أحيان فساد كفء «محبوك جيدا»، وممارساته السلبية كانت تجد غطاء سياسيا وقانونيا مصنوعا بمهارة رجال أكفاء ومهنيين فى أعمالهم، حتى إن كان لديك ملاحظات أخلاقية على استغلال هذه الكفاءة فى غير موضعها المستحق، لكنه انتهى بلا خيار سوى العنف الممنهج، وبلا مشروع سوى الفساد الفج، وبلا عقول كفؤة ترشد هذا الجموح أو تحسن شكله وتخفف آثاره. 

تعطيل العقل يؤدى بك إلى استخدام القوة، وقوة بلا عقل هى بطش أحمق، قد يجلب أثرا سريعا ومكسبا عاجلا، لكنه لا يؤمن مستقبلا، ولا يبنى غدا.

أقصى مبارك الكفاءة ومضى..

فإذا به يترك وطنا مجرفًا من العقول، والقابضون فيه على الجمر تعوزهم التجربة والخبرة، فسقط من جاءوا بعده فى ذات الانحياز الى الأقرب رحما والأكثر ثقة، لجأوا إلى السيطرة الفجة أو الاعتماد على مؤسسات البطش، غابت الكفاءات أو غيبت، وصارت شاشة التليفزيون هى المستشار.

أمسك صانع القرار فور الإطاحة بمبارك فى يده ريموت كنترول، وتجول مركزا خياراته فى نخبة تليفزيونية، منها من هم أكثر ظهورا، ومنها من هم أعلى صوتا، وترك لهم مجال تأسيس وطن ما بعد مبارك، فجاء تأسيسا مهتزا تغلب فيه الهوى على الكفاءة والجموح على العقل، فانهار فى أول اختبار، لأنه ابتدأ من حيث انتهى مبارك، وليس من حيث بدأ. 

الأوطان تبنيها الكفاءات وترشد مسيرتها العقول وتنهض بها المهنية.. لا القوة تصلح وحدها أو تكفى، ولا الثقة، ولا حتى الصوت العالى والحضور التليفزيونى.

رحم الله أسامة الباز.

أحمد الصاوى كاتب صحفي
التعليقات