العلم والسياسة فى مصر - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 24 يناير 2020 5:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

العلم والسياسة فى مصر

نشر فى : الإثنين 15 سبتمبر 2014 - 8:20 ص | آخر تحديث : الإثنين 15 سبتمبر 2014 - 8:20 ص

انشغل بعض المعلقين خلال الأسبوع الماضى بقيام الرئيس عبد الفتاح السيسى بتشكيل أمانة لمجلس علماء مصر، وإصداره قرارا جمهوريا باختصاصات هذا المجلس، وقد رحبوا بهذه الخطوة، واعتبروها دليلا على عزم الرئيس أن يستفيد بأفكار علماء مصر الذين اختارهم لعضوية هذا المجلس فيما يتخذ من سياسات، وما تزمع الحكومة تنفيذه من مشروعات التنمية.

والواقع أن هناك تاريخا لمحاولة الحكومة الاستفادة من جهود علماء مصر فى مشروعات التنمية وفى الإشارة على الحكومة بما ينبغى أن تتخذ من سياسات أو بتصويب بعض هذه السياسات، ورغم أنى لم أكن واحدا ممن تطلب منه الحكومة، أى حكومة فى مصر، المشورة، إلا أنى مررت بتجربة المبادرة بتقديم دراسات علمية لحكومات مصر فى عهد الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ليس سعيا لتولى منصب إدارى أو سياسى، ولكن لأنى كنت مسئولا عن أحد المراكز البحثية فى جامعة القاهرة، وإحدى الوظائف الأساسية لمثل هذه المراكز ليس فقط تبصير الرأى العام بنتائج سياسات الدولة، ولكن أيضا تقديم النصح لصانع القرار على أسس علمية تراعى أولا وأخيرا الصالح العام. وقد كانت لى تجربة محددة مع اثنين من رؤساء وزارات مصر فى ظل الرئيس الأسبق.

كانت التجربة الأولى مع حكومة الدكتور كمال الجنزورى وتحديدا فيما يتعلق بمشروع تنمية جنوب مصر المعروف بمشروع توشكى. وقد أخبرنى الدكتور على الدين هلال الذى كان عميدا لكلية الإقتصاد وقتها فى سنة 1998 أنه التقى بالدكتور الجنزورى الذى طلب منه أن تعد كلية الاقتصاد دراسة عن هذا المشروع، ولما كنت مديرا للمركز البحثى المؤهل للقيام بهذه الدراسة لأن وظيفة ذلك المركز ــ بحسب اسمه ــ مركز دراسات وبحوث الدول النامية ــ هى دراسة قضايا التنمية بكافة أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية فقد وقع الاختيار عليه للاضطلاع بهذه الدراسة. ولما كانت المعلومات المتوافرة عن هذا المشروع شحيحة للغاية فقد طلبت من عميد الكلية أن يسعى للحصول من رئيس الوزراء على ما يتوافر لدى الدولة من بيانات أو دراسات تكون أساسا لما يمكن أن يقوم به المركز. وبالفعل اتصل عميد الكلية بمكتب رئيس الوزراء الذى استجاب على الفور وأرسل له أربعة مجلدات ضخمة تحمل كلها العنوان الرسمى للمشروع، وهو تنمية جنوب الوادى، ولكن فرحى بالحصول على المجلدات الأربع لم يدم طويلا، بل حلت محله دهشة كبرى، فالمقصود فى هذه المجلدات بجنوب الوادى هو بالفعل جنوب الوادى بالمعنى الجغرافى أى محافظات سوهاج وقنا وأسوان، ولكن ليس فيه كلمة واحدة عن غرب وجنوب غرب الصحراء الغربية وهى المنطقة المقصودة بمشروع توشكى. وتساءلت مع زملائى كيف تقدم الدولة على مثل هذا المشروع الطموح دون أن تتوافر لها عنه دراسة واحدة؟، ودون أن يعرف مكتب رئيس الوزراء الفارق بين تنمية جنوب الصعيد وتنمية غرب وجنوب غرب الصحراء الغربية؟.

•••

تغلبنا على الدهشة الممزوجة بالسخرية وقررنا أن نبدأ الدراسة وفقا للخطوات العلمية المعهودة، جلسات استماع أولا مع أفضل خبراء مصر فى قضية المياه، ثم نخطط بعدها للمشروع البحثى. وبالفعل عقدنا الجلسة الأولى وتحدث فيها المرحوم الدكتور رشدى سعيد صاحب الدراسة الموسوعية عن نهر النيل الذى كان معارضا على طول الخط لهذا المشروع مفضلا تكثيف استخدام المياه فى وادى النيل والدلتا بحيث يرتفع العائد من كل متر مكعب من المياه أضعافا مضاعفة بتغيير التركيب المحصولى وترشيد استخدام مياه الرى. وكان المتحدث فى الجلسة التالية هو رئيس المركز القومى لدراسات المياه، وهو عالم فاضل ذو شهرة عالمية ويتسم بالنزاهة والشجاعة، والذى شرح لنا المشروع، ولكنه قال لنا إنه مشروع غير تقليدى، ولما سأله الحضور ما الذى يقصده بالمشروع غير التقليدى، قال إنه فى حالة المشروعات التقليدية تسبق الدراسات عملية صنع القرار، أما فى مشروع توشكى غير التقليدى، فالقرار يتخذ أولا ثم تعقبه الدراسات بعد ذلك!!.

وقد أدار المركز مشروعا بحثيا حول هذا الموضوع وعقد مؤتمرا لعرض نتائج المساهمات العديدة فى هذا المشروع الذى شارك فيه أساتذة وخبراء فى كافة المجالات التى يغطيها مشروع توشكى وكان من بينهم خبراء فى المياه والتربة والتركيبة المحصولية والثروة المعدنية والاجتماع، وكان ختام المؤتمر جلسة شارك فيها رئيس البنك الأهلى وواحد من أهم رجال الأعمال فى مصر فى ذلك الوقت. لاحظوا أن تمويل المشروع كان يفترض أن تساهم الدولة بنفقة البنية الأساسية بما يعادل خمس تكلفة المشروع على أن يساهم القطاع الخاص المصرى بأربعة أخماس الاستثمارات المطلوبة، وكان رأى الاثنين أن الأمل معقود على استقدام استثمارات أجنبية!! بعبارة أخرى القطاع الخاص فى مصر ليس متحمسا للمشاركة فى هذا المشروع. وقد نشرنا كتاب المؤتمر، وكان به تحفظات عديدة على المشروع من حيث مدى توافر المياه الجوفية لفترة طويلة، وصعوبة التربة وقسوة المناخ، والتقدير المسرف فى التفاؤل لعدد المواطنين الذين يمكن أن يجتذبهم المشروع وقدر بخمسة ملايين يعيشون فى سبع عشرة مدينة والقرى المحيطة بها. وقد ردت وزارة الزراعة بطريقة غير مباشرة على هذه الانتقادات، ولكنى لم أندهش عندما توقف العمل فى المشروع فى عهد مبارك فقد أثبت تعثر المشروع صحة الانتقادات التى وجهت له فى مشروعنا البحثى.

والتجربة الثانية تتعلق برد فعل رئيس وزراء سابق فى مصر على التقرير الدورى الذى كان يصدره المركز تحت عنوان تقرير التنمية الشاملة فى مصر، والذى انتقدت مقدمته وفصوله فى عدده الثانى ما كانت تنشره الصحافة عن إنجازات التنمية فى مصر. وقد نشرت جريدة الحياة مقدمة التقرير التى كنت كتبتها ولخصت فيها هذه الإنتقادات. ثار رئيس الوزراء على التقرير، وأبلغ وزير التعليم العالى فى ذلك الوقت وهو الدكتور مفيد شهاب والذى نقل هذه الرسالة إلى رئيس جامعة القاهرة وأضاف أن تحليل التقرير غير صحيح وأن بياناته ليست دقيقة. وعندما أخبرنى بذلك رئيس الجامعة أبلغته باستعدادى للجلوس مع من يختاره رئيس الوزراء لمناقشة ما يعترض عليه فى التقرير. وكان من المفروض أن ألتقى بوزير التخطيط لمناقشة ما جاء فى التقرير. لم يعقد هذا الاجتماع لسبب بسيط هو أن الأرقام التى استندنا إليها كانت هى نفس الأرقام الحكومية ولكننا استخرجنا منها ما كانت الحكومة لا تود الإفصاح عنه.

الاستنتاج الذى أخرج به من هذه التجربة هو أن حكومات مصر ليست جادة فى الاستماع لصوت علمى مستقل، وأنها تريد من مراكز الأبحاث أن تسبح بحمدها وأن تشيد بما تدعيه من إنجازاتها، وإذا كانت الحكومة تسعى حقا لمعرفة رأى علماء مصر فيما تفعل، فهى لا تحتاج للجوء لمن يعيش منهم خارج مصر وله مشاغله واهتماماته وليس لديه الوقت ليستغرق فى كتابة تقارير عن المشروعات القومية الكبرى، هذا إذا كان متخصصا اصلا فى هذه المسائل. أمامنا تجربة المجالس القومية المتخصصة التى نص عليها دستور 1971 ولا يوجد لها ذكر فى دستورى 2012 أو 2014، وتغطى تقاريرها الجادة والرصينة العديد من مجالات السياسة العامة فى مصر، وهناك فى أكاديمية البحث العلمى والجامعات المصرية علماء وأساتذة يحظون بالتقدير الدولى إذا كان ذلك هو معيار التقييم، وفضلوا العمل فى مصر رغم كل صعوبات العمل الأكاديمى وليست كلها صعوبات مادية.

•••

الدولة فى مصر اتخذت قرارها بالفعل فيما يتعلق بما يسمى المشروعات القومية الكبرى دون أن تستشير أيا من العديد من المؤسسات العلمية التى تذخر بها مصر، وكان يمكن أن يكون لها رأى فيما يثار حول هذه المشروعات من تساؤلات، ولكنها تحب أن تسمع صدى صوتها، أو من يشيد بحكمة كل ما تتخذه من قرارات.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات