بَيْنَ بَيْن - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 6 يوليه 2020 10:19 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

بَيْنَ بَيْن

نشر فى : الخميس 16 أبريل 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 16 أبريل 2020 - 9:40 م

ياله من مقال صعب تحايلتُ على كتابته بكل الطرق الممكنة، وفي النهاية كانت هذه السطور. مثلي مثل كثير من الناس حول العالم في هذه الأيام الصعبة لا أتمتع بالاستقرار وتتغير حالتي النفسية بين يوم وآخر بل وبين ساعة وأخرى في نفس اليوم، أتماسكُ حيناً لأن هناك أحبة في تلك البلاد البعيدة يستحقون دعمي وأتداعى حيناً آخر لأنه لا شيء يهم. أكتب مرة مقالاً موجعاً عن هذا العالم القاسي الذي يتنكر للمسنين وفقاً لأسبقيات العلاج، ثم أُثني بمقال متفائل عن نساء كثيرات يعجنّ العيش والأمل ويعطين الحياة فرصة، وأخيراً يأتي هذا المقال ليتأرجح بين الحدين في منطقة البَيْن بَيْن. مثل قطعة كبيرة من الإسفنج أروح أمتص الأخبار والإشاعات والتحذيرات والأدعية والخرافات التي تنهال عليّ من كل صوب وأتركها جميعاً تتفاعل في داخلي وتُشكل انفعالاتي اليومية على راحتها وكيفما أتفق. أعتمد على العالم الافتراضي بالكثافة الممكنة، أدرّس.. أجتمع.. أدردش.. ألوّح عبر شاشات مختلفة الأحجام، وأُستَدرَج أكثر فأكثر لأنسلخ عن الواقع وأكاد ألغي كل الحدود الفاصلة بين الحقيقة والوهم، فإذا بي أتأنق قبل سهرة افتراضية جماعية مع الموسيقي الشجية لعمر خيرت، وأقلد حركات مدرب رياضي لا أعرفه ويصحح لي أدائي إذا لزم الأمر، وأحزم حقيبتي للطيران لأي بلد شئت بلا تأشيرة تحت شعار خليك بالبيت. وعندما تحين اللحظة الموعودة ونحتفل جميعاً بقتل الوحش فلست متأكدة بالضبط من أنني سأكون جاهزة لرحلة العودة من الخيال إلى الواقع، فمن قال إن الوحش لن يكون بألف رأس كما كانت الوحوش في الأساطير اليونانية القديمة كلما قطعت لها رأساً ظهرت أخرى، ومن قال إني لن أستمرئ العيش في الخيال لأنه أسهل وأهجر الواقع عن عمد ومع سبق الإصرار والترصد؟ جزء من نفسي يتغير.
***
وبينما ألغي المسافة الجغرافية بيني وبين أناس لا أعرفهم وأتوحد مع أهالي ووهان ولومبارديا ومدريد وباريس وكولونيا ونيويورك وغيرها، أُخلي بيني وبين دائرتي الصغيرة الضيقة مسافة اجتماعية.. ألامس الأحفاد بالكاد وأباعد بين زياراتهم فتنقصني شوفتهم كما يقول أهل الشام، أختصر أنشطة اللعب المشترك معهم وأتنازل كرهاً عن كثيرٍ من الأوقات الممتعة. قبل ظهور الوحش كان مصطلح المسافة الاجتماعية مصطلحاً غير ودود فيه جفوة وكُلفة وله إيحاءات تمييزية، فأنت تبتعد اجتماعياً عن شخص تتصور أنه "في مستوى أدنى" منك في الأصل أو الثروة أو التعليم، وعندما قام الاتحاد السوڤيتي على أنقاض روسيا القيصرية وغمرت العالم موجة الاشتراكية ساد النفور من التباعد الاجتماعي باعتباره الوجه الآخر للتمايز الطبقي، وتعالت الأصوات الداعية لأن تتزوج بنت الباشا من ابن العامل أو ابن الفلاح تأكيدًا على قيمة المساواة بين البشر وعلى أن العالم تغير. الآن وبعد مرور قرن وأكثر على قيام الاتحاد السوڤيتي تأتينا من الصين إحدى معاقل الشيوعية السابقة الدعوة لأن نتباعد ونحافظ على المسافة فيما بيننا. ظهر الوحش، فإذا بمصطلح التباعد ينتقل من مجال الطب إلى مجال الاجتماع مع فارق جوهري وخطير بين هذين الاستخدامين، فالاستخدام الأول كان يخص المرضى وكان محدوداً بفترة زمنية مؤقتة هي فترة حضانة المرض، أما الاستخدام الثاني فهو مشاع لأن الكل قد يكون مصاباً بكورونا أو معرضاً للإصابة بها، ثم إنه ممتد لمدى زمني لا يعلمه إلا الله فهناك من يقول سنة وهناك من يقول أكثر، لكن حتي بعد أن نصل إلى المدي الزمني الأقصى هل سنختصر المسافة الاجتماعية بيننا وبين الآخرين ونعود إلى مرحلة ما قبل ميلاد الوحش؟ لا أظن فالقلق سيد الموقف، وكما شككتُ في قدرتنا على الرجوع من عالم الخيال والكيبورد إلى عالم الواقع أشككُ في أننا سنعود لنتفاعل ونتحاور ونتلامس كما كنا.
***
يضحكني شر البلية عندما أتخيل الشاعر الرقيق مرسي جميل عزيز يعيش في أيامنا هذه ويتأمل كلام رائعته "ألف ليلة وليلة" خصوصاً ذلك المقطع الذي يقول فيه "يا رب تفضل حلاوة سلام أول لقا في إيدينا"، وأفكر أنه غالبًا كان سيضطر لتغيير هذا المقطع التزاماً بالتعليمات الصحية الحالية، فالسلام بالإيد لم يعد يَحدُث وإن هو حدث على سبيل السهو فلن نحرص على استمرار حلاوته في إيدينا، بالعكس فإننا سنتوتر جداً وسنزيل أثره ونطمسه ونمحوه بكل المنظفات الممكنة من أول الماء والصابون والليمون وحتى الكلور والديتول مروراً بكولونيا ٥٥٥! عموماً مرسي جميل عزيز لن يكون وحده في هذا الموقف المحرج فتراثنا الشعري والغنائي كله يُعظّم السلام والسلامات، وسيحتاج الأمر إلى إبداعات شعرية أو شعورية جديدة للتعبير عن رومانسية أول سلام بالإيد بعد مصرع الوحش. نقطة نظام.. كان الشاعر الكبير فؤاد حداد بعيد النظر في إحدى حلقات برنامج المسحراتي قبل خمسين عاماً عندما قام برثاء "الابتسامة اللي أحلى من السلام بالإيد" وكأنه كان يحسب حساب مفاجآت المستقبل. هذا خلط للهزل بالجد، واستيلاد الفكاهة من رحم الخوف فأبكي وأضحك.
***
ماذا أيضاً سوف يتغير فينا بعد انقشاع الغُمة بل قل ماذا سيتبقى منا بعد أن تنقشع؟ سؤال صعب لأن الوحش خلط كل الأوراق وأخرج من طبائعنا أسوأها وأحسنها في الوقت نفسه، وسوف يُضطر الضدان لأن يتعايشا معاً، لكن ليس بالضبط كما كانا يتعايشان معاً منذ بدء الخليقة، فالخير صار أسطع والشر صار أقبح والبشر صارت تفصلهم عن نقطة الوسط مسافة اجتماعية معتبرة.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات