والإصلاح الاقتصادى مستمر... ثلاث برامج متتالية مع الصندوق! - ماجدة شاهين - بوابة الشروق
الثلاثاء 20 أكتوبر 2020 4:03 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

والإصلاح الاقتصادى مستمر... ثلاث برامج متتالية مع الصندوق!

نشر فى : الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 8:30 م | آخر تحديث : الثلاثاء 16 يونيو 2020 - 8:30 م

حتى لا نحكم مسبقا على الحكومة بالتآمر علينا مع صندوق النقد الدولى بعد إبرامها ثلاث برامج متتالية معه، لا سيما فى ضوء ما نعرفه من جنوح الصندوق إلى ربط ما يقدمه من قروض بشروط مجحفة كثيرا ما تعانى منها طبقات الشعب البسيطة أكثر من غيرها، يتعين علينا أولا وقبل إصدار حكمنا أن نعرف ما قصة هذا الرضا السامى بين مصر والصندوق. فقد عقدت مصر ثلاث برامج متنوعة مع الصندوق لكل منها الهدف الخاص بها، فمنها ما يستهدف الإصلاح الهيكلى ومواصلته وأخرى معالجة الحالة الطارئة لجائحة الكورونا. ويقوم الصندوق بمراقبة تنفيذ هذه البرامج عن كثب، وهو ما سوف نتناوله تباعا.
وبداءة، فإن مباركة صندوق النقد الدولى لبرنامج الإصلاح الاقتصادى لأية دولة بمثابة شيك ضمان وشرط ضرورى وكاف للارتقاء بمصداقية الدولة وتمكينها من جذب الاستثمار والتمويل الأجنبى على الصعيدين الدولى والإقليمى. كما أن صندوق النقد الدولى، فى عالم ما بعد الكورونا، يتطلع إلى مساعدة الدول لتخطى هذه المحنة والإبقاء على دوران عجلة الاقتصاد الدولى. وعليه، فقد قام بخفض مستوى المشروطية بالنسبة لبعض القروض الطارئة وقام بتيسير إجراءات الاقتراض على نحو غير مسبوق فى الآونة الأخيرة. وحصول مصر وحدها على هذه القروض الثلاثة خلال فترة وجيزة يمثل فى الواقع دليلا قاطعا على ثقة الصندوق فى مصداقية الاقتصاد المصرى.
هذا، وشرعت قصة العلاقة الجديدة بين مصر والصندوق قرب نهاية عام 2016 عندما وافق المجلس التنفيذى لصندوق النقد الدولى على تقديم مساعدة مالية لمصر بنحو 12 مليار دولار أمريكى على مدى ثلاث سنوات (1916ــ1919) إنفاذا لبرنامج إصلاح متكامل للمؤشرات الاقتصادية الكلية. ويُعرف هذا القرض بالتمويل الموسع المعنى بتصحيح الاختلالات الخارجية والداخلية الكبيرة. ولا يقدم الصندوق هذا التمويل دفعة واحدة والذى يتوقع معه تنفيذ مجموعة من الإجراءات يتم الاتفاق عليها مسبقا على المدى الزمنى للبرنامج. ويتم مراجعة التنفيذ من قبل الصندوق على أساس ربع سنوى تصرف الأموال بموجبها. وتتعثر عادة برامج صندوق النقد الدولى بسبب فشل هذه المراجعات. وعلى هذا الأساس فشلت البرامج السابقة لمصر مع الصندوق ولم تكتمل، غير أن هذه المرة وعلى عكس المرات السابقة أثبتت مصر عزيمة ومثابرة على الالتزام وإنهاء البرنامج بنجاح مشهود. وقام الصندوق بإجراء مراجعة كل ستة أشهر تقريبا كان آخرها فى يوليو 2019 وحصلت مصر بموجبها على القسط الأخير للقرض.
وظهرت علامات القوة على الاقتصاد المصرى واستقرار المؤشرات الاقتصادية الكلية وتحولها الإيجابى وتقليل عجز الموازنة والديون الحكومية وخلق فرص عمل، وخاصة للنساء والشباب، وكانت مصر على استعداد للانطلاق إلى مرحلة جديدة من النمو والتنمية، وجاء برنامج الإصلاح بتغييرات غير مسبوقة متضمنا وبصفة أساسية تغيير العقلية ذاتها للسلطة والشعب معا، مدركين أن الإصلاحات الاقتصادية لن يُكتب لها النجاح إذا ما اكتفت بإصلاحات جزئية هنا وهناك أو مسكنات موقوتة. كما أدركت السلطة أن الإصلاح الاقتصادى أسلوب حياة متكامل يستهدف تغييرات جوهرية فى الاقتصاد واقتلاع أوجه القصور من جذورها. فكان مثلا اقتناع البنك المركزى بتعويم الجنيه تحولا جذريا فى طريقة التفكير، كما حرصت الحكومة على تعزيز شبكات الأمان الاجتماعى لحماية أضعف الفئات فى المجتمع أثناء عملية التكيف الهيكلى من خلال إنفاق 1٪ إضافية من الناتج المحلى الإجمالى على دعم الغذاء والتحويلات النقدية للفئات المهمشة، وهو الأمر الذى ساعد على استكمال برنامج الإصلاح لنهايته.
***
وجاء فيروس كورونا ليشل ويبطل تقدم مصر على مسار الإصلاح، وأدى الإغلاق العالمى إلى اضطراب شديد للاقتصاد القومى وجاء تأثيره سلبا على نجاح إصلاح المؤشرات الكلية الذى حققته مصر بشق الأنفس. لقد تسببت الجائحة فى تعطيل حياة الناس وسبل عيشهم وظروفهم الاقتصادية فى مصر بشكل كبير. وكادت تنجح لولا الإصرار الذى أظهرته مصر والتصميم على إنهاء ما بدأته من إصلاحات اقتصادية صارمة. وأيقنت مصر أنه من الضرورة التصدى لتدهور الاقتصاد والتوجه ابتداء إلى سد حاجتها العاجلة والملحة فى قطاعى الصحة والتموين والحماية الاجتماعية ودعم القطاعات الأكثر تأثرا والفئات الضعيفة والاحتفاظ بمستوى الأسعار.
ولجأت مصر مرة أخرى إلى الصندوق للاستفادة من المساعدات الطارئة أو ما يطلق عليه أداة التمويل السريع التى يقدمها الصندوق إبان الجائحة والتى وصل عدد الدول المستفيدة منها من بين دول متقدمة ونامية وأقل نموا إلى أكثر من 60 دولة. ولم تواجه مصر أية صعوبات فى حصولها فى 11 مايو 2020 وبموافقة المجلس التنفيذى للصندوق على مبلغ قدره 2,772 مليار دولار لتلبية احتياجات ميزان المدفوعات العاجلة والناشئة عن تفشى الوباء.
غير أن هذه المساعدات الطارئة كانت محدودة ولهدف محدد وهو مواجهة العجز المتفاقم لسد الاحتياجات الأساسية للدولة. وكان على مصر التفكير جديا فى سرعة استعادة نشاطها الاقتصادى ووضعه على المسار الصحيح. فعلى الرغم من عدم القضاء على الجائحة، فقد اضطرت مصر مثلها فى ذلك مثل غيرها من الدول وبسبب الوضع الاقتصادى المتدهور فى البلاد إلى العمل على عودة الحياة إلى طبيعتها واستئناف برنامج الإصلاح الهيكلى وتحديث المؤسسات ومواءمتها مع التطور والتطبيق الرقمى والميكنة الاقتصادية. ويستهدف مواصلة برنامج الإصلاح فى مرحلته الثانية العمل على إدماج القطاع الخاص وتنشيط دوره فى تحقيق نموا أكبر وأكثر شمولا وخلق فرص عمل جديدة. وكان على مصر الالتجاء مرة أخرى إلى الصندوق. ويظل صندوق النقد الدولى منخرطا بشكل وثيق مع الحكومة المصرية والبنك المركزى لعدم الرغبة فى تراجع النجاح الذى سبق أن حققته مصر فى إطار البرنامج الأول. ويبقى الصندوق على استعداد لتقديم المزيد من الدعم، حسب الحاجة، لاستمرار مصر فى مشوارها الذى اختارته وحريصة على إنهائه، بما أثبتته من جدية وانضباط فى التزاماتها.
***
ويجئ برنامج ترتيبات الدعم الاحتياطى لوضع مصر مرة أخرى على المسار الصحيح للإصلاح الاقتصادى والمؤسسى. ففى 5 يونيو 2020 تم الاتفاق على المستوى الفنى بين المسئولين من الجانبين على البرنامج الثالث والمعروف بالترتيبات الاحتياطية قدره 5,2 مليار دولار أمريكى لمدة 12 شهرا. ويبقى على المجلس التنفيذى لصندوق النقد الدولى تدارس الطلب المصرى واتخاذ القرار بناء على تقرير البعثة الفنية التى زارت القاهرة أخيرا وأجرت مفاوضاتها على أعلى مستوى بوزارة المالية والبنك المركزى. ومن المتوقع أن ينظر فى طلب مصر إيجابيا فى الأسابيع المقبلة، لما نجحت فيه مصر من تسجيل سجل حافل بسياسات مؤشرات الاقتصاد الكلى المناسبة.
ومن شأن برنامج ترتيبات الدعم الاحتياطى تهيئة مصر لمواصلة الإصلاح الاقتصادى المؤسسى والمساعدة فى الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلى، وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعى، ودعم الإصلاحات من أجل تحفيز النمو الكامل بقيادة القطاع الخاص وخلق فرص عمل. وسيكون التمويل من شركاء مصر الدوليين حاسما لدعم أهداف الإصلاح الرئيسية وضمان نجاح الإصلاح لضمان استقرار الاقتصاد الكلى والانتعاش الاقتصادى القوى. فمن شأن البرنامج الثالث أن يحمى المكاسب التى حققتها مصر على مدى السنوات الثلاث الماضية ويضع البلاد على قدم وساق استعدادا للنمو الشامل والدائم. ومن المتوقع أن يحفز الترتيب أيضا المزيد من الدعم المالى الثنائى والمتعدد الأطراف على نحو ما سبق ذكره.
وبعد إثبات حصول مصر على ثلاث برامج متتالية من الصندوق عن جدارة وأهلية اقتصادها والوفاء بالتزاماتها، يبقى التأكيد على أن شروط الاقتراض تتم بالاتفاق مع المسئولين فى مصر، الذين اكتسبوا خبرة فى تعاملهم مع الصندوق وإقرارهم أن تطبق برامجه وفقا لقدراتنا على التنفيذ والسداد. وعليه، فإن الصندوق أصبح يوفر المرونة اللازمة من حيث المبالغ للإقراض وتوقيت الصرف متراجعا تماما عن صيته المعروف فى السابق بعدم التهاون والتفريط فى المشروطية.

ماجدة شاهين مساعد وزير الخارجية للعلاقات الاقتصادية الدولية (سابقاً)
التعليقات