ذاكرة المهن الغاربة (2) - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 29 سبتمبر 2022 4:18 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

إلى أي مدى راض عن تعاقد الأهلي مع السويسري مارسيل كولر؟

ذاكرة المهن الغاربة (2)

نشر فى : السبت 16 يوليه 2022 - 7:30 م | آخر تحديث : السبت 16 يوليه 2022 - 7:30 م

... أستكمل هنا ما بدأت تسجيله فى الأسبوع الماضى، عن حرفٍ غاربة تذكرتها عفو الخاطر. طرقتُ باب الحنين فانفتح:
6) سجّاد القصاقيص: أمى كانت خياطة شاطرة جدا، كل ملابس الشتاء مثل البيجامات وغيرها، كانت تفصلها، وتفصل أيضا ملابس أختى وملابسها هى المنزلية، وكانت تشترى الأقمشة بنفسها، أما بقايا تلك الأقمشة، فتصنع منها شرائط ملونة، ثم تلفها فى شكل كرات (جمع كرة) ضخمة، كانت تسميها «الكوراريّة»، اسم دلع تقريبا، وكنت أظن أن هذه الكرات العملاقة للركل، أو للركض خلفها، حتى عرفت أنها تأخذ تلك «الكوراريّات» لصانع سجاجيد القصاقيص.
ما زلت أذكر تلك الحوانيت الضيقة للغاية فى فرشوط، والتى أرى فى داخلها عدة أنوال، ورجل جالس على الأرض، يستقبل الكرات الملونة، ثم يعيدها إلينا بعد أيام سجادة ملونة جميلة، وإن كانت عقد القصاقيص واضحة المعالم فيها.
كنا نفرش تلك السجاجيد فى أماكن داخلية، مثل البلكونات، بينما نستخدم السجاجيد العجمى فى الصالة، وفى حجرة الضيوف.
فى أمسيات الصيف، نجلس على سجاجيد القصاقيص نأكل الذرة والترمس وحب العزيز فى البلكونات، ويمكن أيضا أن نشرب الشاى والقهوة، والأخيرة لم يكن يحلو عملها إلا باستخدام «السبرتاية الصغيرة».
ظلت سجاجيد القصاقيص تحتمل استضافتنا وبهدلة المكان بكل محبة.
كانت أمى قد منحتها وجودا جميلا، وحياة أخرى، فى شكل سجادة، وكانت القصاقيص ممتنة جدا لذلك.
ترى السجادة فى المرايا ألوانها الجميلة، فتبتسم فى صمت.
(7) عصّارات القصب: فى قرى الصعيد، من يمتلك عصارة قصب يكون حتما من الأثرياء، وليس المقصود هنا محلات بيع عصير القصب، ولكن عصارة القصب هى مصنع صغير، يستفاد فيه بكل منتجات قصب السكر، حيث يتم عمل العسل الأسود، وحلوى الجلاّب اللذيذة، التى تباع على شكل أقماع، أما مُصاصة القصب، فتباع أيضا للمشترين، حيث تستخدم كوقود للأفران الطينية القديمة، التى تنتج الخبز والفطير، وتسوى فيها كل أنواع الأطعمة.
زرت يوما وأنا صغير واحدة من تلك العصارات: مكان واسع تتجاور فى ساحته الدنان، وهى أوعية ضخمة، أعتقد أنها مصنوعة من النحاس، وبعد عصر القصب، يوضع السائل فى هذه الدنان، وتوقد النيران أسفلها، بعد وقت معين، يتغير لون السائل إلى الأسود، ويظهر العسل، لا أتذكر مع الأسف طريقة صنع حلوى الجلاب، ولكى كنت مدمنا على أكلها، هى سكر القصب، لونها يميل إلى الإخضرار، هناك باعة فى القاهرة يبيعونها هذه الأيام على عربات اليد، ولكن ليس فى كل الأماكن والأحياء، وهى تباع عادة مع الدوم.
(8) لاعبو النار والنائمون فوق المسامير: من بين كل الحواة الذين كانوا يطوفون فى شوارع شبرا فى بداية السبعينيات، كنت مفتونا بلاعبى النار، وبالنائمين فوق المسامير.
لاعب النار، وأحيانا لاعبة النار، يكون معه كوز من الجاز، يأخذ منه رشفة، ثم ينفث منه، فتندلع النار، أما النائم على المسامير، فيخلع قميصه، ثم يتمدد فوق لوح خشبى عليه مسامير مسنونة الحواف، وقد يقوم زميله بالسير فوق جسده الممدد فوق المسامير، فيصفق الجمهور، ونصفق نحن الناظرين من البلكونات.
يلم الحواة ما تيسر من قروش من مشاهديهم فى الشارع، وننزل لهم بعض النقود من البلكونات عن طريق السبتْ، وتكون معهم غالبا آلة ترومبيت، لزوم الموسيقى التصويرية المصاحبة للعرض.
عدت إلى القاهرة بعد سنوات طويلة، فلم أجد حتى اليوم نائما واحدا على المسامير فى الشوارع، ولكنى التقيت بأكثر من شخص من لاعبى النار، أحدهما فى وسط البلد، وآخرين فى القلعة، فكأنى قد لقيت طفولتى من جديد، أحبهم كثيرا، هؤلاء الذين ينتزعون رزقهم بالنار والمسمار، أراهم من فنانى سيرك الحياة الكبار.
(9) الغسّالة: قبل ظهور الغسالات الكهربائية، كانت الأمهات تغسلن ملابس الأسرة كلها بأنفسهن، مستخدمات صابون الغسيل، والزهرة، والبوتاس، والأومو والسافو والرابسو، وهى مساحيق التنظيف الشهيرة فى السبعينيات، فإذا سمحت الميزانية، تقوم بهذه المهمة غسالة بشرية محترفة، تأتى فى يوم محدد، تضع الطسوت (جمع طست أو طشت) على الأرض، وتملأ الماء وتغليه، ثم تقوم بغسيل كل الملابس، فى يوم مشهود، يطلق عليه «يوم الغسيل».
كانت تقوم بهذه المهمة فى بيتنا فى شبرا الست أم مكرم، وهى صعيدية فى منتصف العمر، بيضاء اللون تغطى رأسها بالطرحة، تجلس أمام طست الغسيل، تضع الملابس المتسخة أولا فى صفيحة مليئة بالمياه، تغليها وتضيف الزهرة والبوتاس، تقلّبها بعصا خاصة يطلقون عليها عصاية الغليّة، ثم تغسل كل قطعة على يديها بمسحوق سافو، تخرج الملابس بيضاء ناصعة وكأنها جديدة.
(10) الحلاق المتنقل: هذه النوعية من الحلاقين رأيتها فى العسيرات، قرية أبى الصعيدية، وهؤلاء لا دكان لهم، وإنما لديهم فقط عدة الحلاقة من أمواس، ووعاء فخار للصابون، وماكينات حلاقة قديمة، وبعض الفوط فى شنطة صغيرة رثة للغاية، وقد يكون معهم أيضا حزام جلدى مهترئ لسنّ الأمواس الطويلة، أما مكان الحلاقة فهو متغير حسب الظروف، فقد يكون فى الشارع، أو فى الحقل، أو على عتبة الدار.
كنت طفلا عندما رأيت لأول مرة رجلا يحلق ذقن الزبون فى شوارع العسيرات بالموس الطويل، فذهبت إلى أبى هاتفا: «الحق يا بابا.. واحد بيقطع واحد بالسكين فى الشارع»، انزعج جدا، ولكن أولاد عماتى أخبروا أبى ضاحكين أننى شاهدت توا حلاقا متجولا، يحلق ذقن زبون كيفما اتفق، فوقع أبى من الضحك، كان يستملح المواقف الطريفة ويرويها، فأخذ يشرح لى حقيقة ما شاهدت!
هذا الحلاق المتجول، كانوا يسندون إليه أحيانًا مهامَّ طبية خطيرة للغاية، مثل ختان الذكور والإناث، وكذلك خلع الأسنان، مما يفسر كثيرا من كوارث الطفولة لدى العشرات من الضحايا، وهكذا تحقق رأيى فيه كجزار للبشر. ليته اقتصر على حلق الذقون، بدلًا من تقطيع الناس بالسكين!

التعليقات