توزيع الدخول فى مصر - مدحت نافع - بوابة الشروق
الجمعة 12 يوليه 2024 1:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

توزيع الدخول فى مصر

نشر فى : الإثنين 17 يونيو 2024 - 6:35 م | آخر تحديث : الإثنين 17 يونيو 2024 - 6:35 م

منذ أيام، كتبت تغريدة عن الفجوة المتزايدة بين الأغنياء و«المستورين» فى مصر، والتى تتجلّى بوضوح فى قدرة بعض الأثرياء على شراء وحدات سكنية تربو قيمة، إحداها على 100 مليون جنيه! بينما يكافح الملايين من أجل رفع الحد الأدنى للأجور إلى 6 آلاف جنيه فى الشهر. انتشرت التغريدة بصورة كبيرة، وأثارت العديد من التساؤلات. من هذه التساؤلات: هل مصر من الدول التى يساء فيها توزيع الدخول وفقًا للمقاييس العلمية؟.. وإذا كان هذا السؤال يبدو بسيطًا فى سياق هذه القضية، فإنه أبعد ما يكون عن هذا على أرض الواقع!

أهم مؤشر يُستند إليه فى تقييم درجة عدالة توزيع الدخول، هو معامل «جينى» الشهير، الذى يعتمد على بيانات بحوث الدخل والإنفاق للأسر، والذى تتراوح قيمته بين الصفر والواحد. كلما اقتربت قيمة المعامل من الصفر، كانت الدولة أكثر عدالة فى توزيع الدخول بين سكانها، والعكس بالطبع كلما اقتربت القيمة من الواحد الصحيح. وإذا كانت قيمة هذا المؤشر بالنسبة لمصر تشير إلى 31,5% عام 2017، وهو أحدث بيان متاح على موقع البنك الدولى. وإذا كانت بيانات معامل جينى الخاصة بمصر قد تراوحت بين قيمتى 29,8% (عام 2012) و32,8% عام 1999 خلال الفترة بين عامى 1990 و2017.. فهذا يضع مصر ضمن أكثر الدول عدالة فى توزيع الدخول. لكن المفارقة التى ذكرتها فى بداية المقال، والتى تتعلّق بأسعار العقارات السكنية، لها دلالة مهمة فى تصحيح بيانات ذلك المؤشر.
• • •
تحت عنوان ترجمته: «التقليل من عدم المساواة فى مصر: أدلة من أسعار المنازل» نشر «كريستوف لاكنر» وآخرون تحليلًا فى 11 أغسطس 2016، أكدوا خلاله أن الدراسات الاستقصائية لدخل الأسر تقلل من أهمية التفاوت فى الدخول، لأنها تفشل فى رصد «الدخول الأعلى». ويتمثل أحد الحلول الشائعة لتصحيح ذلك التحيّز، فى الجمع بين مسوح الأسر، والبيانات المستمدة من سجلات ضريبة الدخل. لكن الوصول إلى تلك السجلات أمر غاية فى الصعوبة، فى مصر وغيرها من الدول النامية. وقد رأى الباحثون أن البيانات المتعلقة بأسعار العقارات السكنية، يمكن استخدامها لتقدير الحد الأعلى لتوزيع الدخل.

لذا فقد تم تجميع قاعدة بيانات أسعار المنازل من قوائم العقارات المتاحة فى الإعلانات المنشورة، وتم تقدير العلاقة بين سعر المنزل ودخل الأسرة باستخدام المسح الأسرى. وبتوظيف تلك الطريقة، ارتفع معامل «جينى» للمناطق الحضرية فى مصر من رقم مستند إلى المسح قدره 36%، ما يشير إلى أن بلدنا هى واحدة من أكثر دول العالم مساواة فى التوزيع، إلى 47% أى أنها فى مركز متوسط بين الدول.. كانت تلك النتيجة مؤسسة على بيانات البنك الدولى المتاحة عن مصر للعام 2009 (لاحظ الانخفاض الكبير فى الدخول الحقيقية، والارتفاع الكبير فى أسعار الوحدات السكنية منذ ذلك التاريخ).

يتفق هذا الطرح مع ما ذهب إليه ألفاريدو وبيكيتى (2014)، إذ أكدا أن مسح الأسرة يقلل من تقدير عدم المساواة، حيث يعجز عن رصد وتسجيل أعلى الدخول، إما بسبب عدم استجابة الأغنياء للمسوح، أو عدم الإبلاغ عن دخولهم أو لكلا السببين. وقد رأى أتكينسون وآخرون (2011) أن أحد الحلول الشائعة لهذه المشكلة هو تقدير الحد الأعلى لتوزيع الدخل من بيانات سجل ضريبة الدخل، ثم تقدير الباقى (عادة ما يكون بنسبة 99%) من توزيع الدخل باستخدام مسح الدخل والإنفاق للأسر. وفى السابق، قام هلاسنى وفيرمى (2013) بتقدير عدم المساواة فى مصر من خلال وضع نماذج واضحة لعدم الاستجابة بين الأسر ذات الدخل الأعلى، لإعادة تقدير المشاهدات المتاحة من المسوح. ولم يسفر ذلك عن تصحيح معنوى، ربما لأن نهجهما لا يستخدم مصدرًا خارجيًا للبيانات. فإذا كانت المشكلة الرئيسية هى أن الأسر ذات الدخل المرتفع ببساطة غائبة عن مسح الأسر، فلن يتمكّن أى تعديل/ يعتمد فقط على المسح، من حل التحيز فى تقديرات عدم المساواة.

لكنه من الإنصاف، قبل الجزم بتغير موقع مصر من خريطة توزيع الدخول حول العالم بعد تصحيح قيمة معامل «جينى» باستخدام المنهجية المذكورة، أن نلجأ إلى تصحيح بيانات سائر الدول باستخدام السجلات الضريبية متى توافرت (لأنها الأكثر دقة) أو باستخدام أسعار المنازل، كما حدث مع مصر. على سبيل المثال، عندما يتم الجمع بين المسوحات الأسرية وبيانات ضريبة الدخل، يرتفع معامل جينى للولايات المتحدة فى عام 2006 من 59% إلى 62% (ألفاريدو، 2011)، وفى كولومبيا فى عام 2010 من 55% إلى 59% (ألفاريدو ولوندونيو فيليز 2013).

تعددت محاولات تقدير التضخم الكبير فى أسعار العقارات خلال السنوات الماضية، خاصة قبل وفى اعقاب كل تخفيض للعملة الوطنية، نتيجة لتفضيل العقار كمخزن للقيمة شأنه شأن الذهب والدولار. بعض الدراسات اعتمدت على المؤشرات الفرعية للتضخم العام، والبعض لجأ إلى تركيب مؤشرات سعرية، ودراسة المتغيرات المؤثرة فى أسعار العقارات.. لكن تظل غالبية تلك التقديرات قائمة على مسوح محدودة، وبيانات الأسعار المتاحة على منصات عقارية، والتى يغلب عليها الطابع التجارى المتحيز.
• • •
على أية حال تتوافر أحدث بيانات بحوث الدخل والإنفاق للأسرة للعام 2019/2020، وليس ثمة مسح، متاح على موقع الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بعد هذا التاريخ. وتختلف درجة التغطية والاستجابة فى البحوث الحديثة عن بحث عام 2009 (على سبيل المثال) الذى اعتبرته عدة دراسات، أفضل من معظم البحوث المتاحة على مستوى العالم من حيث التغطية ونسبة الاستجابة. وإذا أمكن تعديل بيانات أحدث المسوح بأسعار المنازل، فإن الفترة منذ عام 2020 وحتى 2024 لن تكون متاحة، وهى الفترة التى شهدت تقلبات عنيفة فى مختلف وجوه النشاط الاقتصادى، وشهدت تخفيض سعر الصرف الرسمى بشكل كبير فى كل من مارس وديسمبر 2022 ويناير 2023 ومارس 2024.. تلك التخفيضات كانت محفّزة لمزيد من التراجع فى الدخول الحقيقية، ومزيد من التضخم فى أسعار العقارات، والتى اتجه البعض إلى تسعيرها بالدولار الأمريكى للمحافظة على إيرادات البيع، فى ظل التضخم الجامح وتقلبات سعر الصرف فى السوق السوداء.

التفاوت الحديث فى توزيع الدخول والثروات فى مصر، يأتى مصحوبا بتدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى بشكل كبير. ولأن الاقتصاد المصرى اقتصاد ريعى، فإن توزيع الأراضى وتخصيصها، والعوامل المرتبطة بسياسة المشاركة بين الدولة والمشروعات الخاصة فى مجالات الاستثمار العقارى، وتراخيص استغلال المناجم والمحاجر ومختلف الثروات الطبيعية.. إلى غير ذلك من أنشطة تتحكم فيها الدولة، تسهم بشكل فعّال فى توزيع الثروات بين المواطنين. لذا فاتباع الدولة سياسة صارمة للتخارج من النشاط الاقتصاد، والاكتفاء بالدور التنظيمى الذى يتم حوكمته على نحو أفضل، مع ضمان استقلالية جهة التنظيم متى تواجدت الدولة فى السوق.. كلها عوامل تساعد على تمكين القطاع الخاص «المسئول» و«المحاسب» والخاضع للضرائب التصاعدية وضرائب الثروة (عند اللزوم) والضرائب المرتبطة بالأرباح الاستثنائية مثل windfall taxes.. وهو ما يحقق توزيعًا أفضل للثروات، وعدم تركّزها فى يد قلة تتمتّع بامتيازات خاصة.

كذلك يساعد فتح الأسواق ومنح حوافز للإنتاج، على التحوّل التدريجى للاقتصاد من الاعتماد على ريع الأرض، والتحويلات، ورسوم المرور عبر قناة السويس، واستغلال الثروات الطبيعية والأراضى.. إلى الاعتماد على الإنتاج الزراعى والصناعى والخدمى.. وإلى تحقيق قيمة مضافة تصلح منتجاتها للتصدير بأسعار تنافسية، وللإحلال محل الواردات، خاصة من السلع تامة الصنع.
• • •
الحديث فى موضوع عدالة التوزيع يطول ويتشعّب، خاصة مع إهمال معظم الاقتصاديين لأهمية التوزيع لصالح الاهتمام المفرط بالنمو ونظرياته. ويظن البعض أن تحقيق التوزيع العادل للدخول يتطلّب مزيدًا من تدخل الدولة فى النشاط الاقتصادى، ويرجّح كفة الفكر الاشتراكى على ما سواه من المدارس الفكرية فى الاقتصاد. لكن الواقع المصرى المعاصر، يؤكد خلاف ذلك، كما أسلفنا من إيضاح تزايد دور الدولة فى النشاط الاقتصادى، وارتباط هذا بتراجع فى عدالة التوزيع، الذى يعتبر من أكبر تجلياته التفاوت الكبير فى أسعار المتر مربع السكنى، والذى يصعب على المنتمين «نظريًا» إلى الطبقة المتوسطة توفير ثمنه فى بعض الأحياء والمناطق الجديدة. لكن الدولة التى تتبنّى اقتصاد السوق المنضبط، المراقَب، والخاضع للنظم الضريبية العادلة، والدعم الموجّه الرشيد، هى وحدها التى يمكن أن تتساقط فيها ثمار النمو المتراكم، على نحو أقل تفاوتًا فى التوزيع.

مدحت نافع خبير الاقتصاد وأستاذ التمويل
التعليقات