قبول الهيئات البحثية لأموال الحكومات الأجنبية - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 21 يناير 2021 7:07 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

قبول الهيئات البحثية لأموال الحكومات الأجنبية

نشر فى : الأربعاء 17 سبتمبر 2014 - 8:15 ص | آخر تحديث : الأربعاء 17 سبتمبر 2014 - 8:15 ص

نشرت مجلة ذا نيو ريبابليك الأمريكية مقالا تحليليا لرئيس مؤسسة بروكينجز، ستروب تالبوت، يعرض من خلاله رأيه فى قبول المراكز البحثية التمويل المقدم من الحكومات الأجنبية. كتب تالبوت يقول إن استطلاعات الرأى تظهر تراجع ثقة الأمريكيين فى المؤسسات الوطنية، خاصة تلك التى ترتبط بالحكومة، إلى أدنى مستوياتها. فليس من المستغرب أن تطرح التساؤلات حول مؤسسات الفكر والرأى، منذ نشأتها فى أوائل القرن الماضى، لأنها أيضا مؤسسات أمريكية. وكانت مؤسسة بروكينجز، التى عملت بها طوال السنوات الاثنتى عشرة الماضية، من بين عدة مؤسسات بحثية فى واشنطن، هدفا لانتقادات أولا من صحيفة نيويورك تايمز ثم من جون جوديز بسبب قبول التبرعات من حكومات أجنبية للمساعدة فى دعم عملها.

وهى قضية صالحة للنقاش، ليس فى وسائل الإعلام فحسب، ولكن بين العلماء ومديرى المؤسسات وكذلك داخل قطاع الأبحاث ككل. وتعتبر الأخلاقيات والقواعد التى ترشدنا فى جمع التبرعات وتضع حدودا لذلك، حاسمة لسلامة عملنا وسمعة مشروعنا، فضلا عن أهميتها الحيوية لمهمتنا.

•••

ويشير الكاتب إلى أن التعبير الأنسب لمهمة هذه المؤسسات بكلمة واحدة، هى «الحوكمة»؛ فكما أنه من المهم للغاية أن يترك أمر الحروب للعسكريين، ومهم جدا أن تترك أمور الحكم للمسئولين المنتخبين والمعينين. ونظرا لأن الحكم يدخل فى صميم جدول أعمال مراكز الأبحاث، تعتبر الطريقة التى تحكم بها هذه المراكز نفسها لا سيما من حيث ممارسات تمويلها من أكثر الموضوعات التى يحق للجمهور فهمها، والتدقيق فيها إن لزم الأمر. ولما كانت مراكز البحث أيضا تتعلق بالتأثير؛ بمعنى التأثير على المواطنين والقادة السياسيين، فعليها أن تكون أكثر التزاما بأن تكون صريحة بشأن الضمانات التى تتبعها ضد أى تصور لتأثير لا داعى له على عملها.

ولكنها بحاجة إلى دعم إنسانى. فعلى عكس المؤسسات التعليمية، ليس لديها طلابا يدفعون الرسوم الدراسية أو آباء وخريجين، يدفعون تبرعات من باب الامتنان. وعلى عكس المتاحف والأوركسترا السيمفونية، ليس لديها اشتراكات. ويحصل بعضها على تبرعات، ولكنها لا تغطى فى معظم الحالات سوى جزء فقط من التكاليف. ليس لديها سوى علماء، تتيح لهم خبراتهم تقديم حلول جديدة وجريئة وعملية للمشكلات الكبرى فى عصرنا، فضلا عن القدرة على التعامل مع صناع القرار والجمهور على حد سواء.

•••

ويرى الكاتب أن الجيد بالنسبة للمؤسسات الفكرية، أن هناك دعما لعملها الإنسانى. وأضاف قائلا: بالتأكيد كل قادة المنظمات غير الحكومية يتفقون على أن الدعم الجوهرى، التمويل «غير المقيد»، سيكون موضع الترحيب الأكبر. لكن الثقافة الخيرية تتغير. فعلى نحو متزايد، تركز الشركات، والجهات المانحة الخاصة، والمؤسسات التى نعتمد عليها، على مجالات محددة حيث إنها تريد أن ترى تقدما ملموسا أو تغييرا مقابل ما تدفعه. وهو مطلب شرعى على جانب العرض من علاقة التنمية، ولكنه يضع عبئا إضافيا على أمثالنا، من يمثلون جانب الطلب، من أجل ضمان أننا نمتلك القول للفصل فى المشروعات التى يتولاها علماؤنا والعمل الذى يقدمونه.

ويوضح الكاتب أن هذه القضية تمثل أساس التوتر بين ضرورتين ينبغى على كل مؤسسة فكرية تقريبا، التوفيق بينهما: حماية استقلالها، وفى نفس الوقت جمع الأموال للاستمرار فى نشاطها. ويعتبر المبدأ الأساسى بالنسبة للكثير من مراكز البحث ــ طلب وقبول الأموال من المانحين الذين يحترمون ويقبلون فكرة أن السلطة الوحيدة لاتخاذ القرارات فى المؤسسة البحثية هى مجلس إدارتها، وبشكل حاسم، علماؤها، الذين يحمى استقلالهم، الالتزام المؤسسى بالحرية الأكاديمية. وينبغى ألا تقبل المؤسسات الفكرية المنح المشروطة بتقديم التوصيات التى يرغبها المتبرع.

•••

ويستطرد تالبوت؛ بناء على هذا الأساس، كان رد عدد من نظرائى فى المؤسسات البحثية القائمة فى واشنطن على انتقادات صحيفتى نيويورك تايمز ونيو ريبابليك بشأن تلقينا الأموال من الحكومات الأجنبية. وأنا أرفض فرضية نيويورك تايمز («أن القوى الأجنبية تشترى النفوذ فى المؤسسات البحثية») وأنفى أيضا دقة واستنتاجات هذا المقال على حد سواء. كما أننى أختلف مع حجة جون جوديز أن التمويل الأجنبى للمؤسسات البحثية، بطبيعته، «مفسدة للديمقراطية الأمريكية.» ومن ثم، فإجابتى عن السؤال الذى أثاروه عما إذا كان ينبغى على الحكومات الأجنبية أن تمول مؤسسات البحث، هى: «نعم». وباعتبارنا منظمات غير حكومية، يجب علينا ألا نعمل لحساب حكومات. ولكن، فى اعتقادى، أنه من المناسب تماما بالنسبة لنا أن نعمل معها عندما يكون لدينا القدرة على المساهمة بالتحليل وطرح الحلول للقضايا التى تواجهها فى عالم السياسة.

وهناك عدد من المؤسسات البحثية، ومنها بروكينجز، تتجنب تعاقدات إعداد الأبحاث للحكومات، لأن ذلك ينطوى دائما تقريبا على إما مشاريع سرية أو تكون ملكا للحكومة، وهو ما يتعارض مع الالتزام بالشفافية. ويتم الاعتماد بدلا من ذلك على التبرعات من الأفراد والمؤسسات الخيرية، والشركات، والحكومات التى ليس لديها أى قيود أو شروط.

وتقدم الحكومة الأمريكية جزءا صغيرا جدا من تمويل بروكينجز، وحصرا فى شكل منح وإلى حد كبير فى دعم البحوث الصحية ووضع نماذج باستخدام الكمبيوتر، تساعد على التنبؤ بتفشى الأمراض المعدية. ويضيف الكاتب؛ ينصب جزء كبير من التمويل الذى نتلقاه من الحكومات الأجنبية على دعم الفعاليات التى يجتمع فيها الخبراء وممثلو المجتمع المدنى، ومسئولون من الولايات المتحدة وغيرها من الحكومات لمناقشة وتبادل الأفكار حول الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، ودعم العمل الميدانى لمراكز بروكينجز للأبحاث فى منطقتين من العالم: الشرق الأوسط وآسيا.

ويؤكد الكاتب ضرورة قيام المؤسسات البحثية بتقديم البحوث المفيدة للصالح العام: البحوث عالية الجودة، القائمة على التجريب، والمتعمقة ذات الصلة بالسياسات والتوصيات؛ وأن يقتصر عملها على ذلك. وهذه القدرة ذات قيمة كبيرة للحكومات، تماما كما هو الحال بالنسبة للقطاعين الخاص والخيرى. وإلى حد كبير، ترجع قيمة تلك الأفكار والخدمات إلى أنها تأتى من مصدر محايد مستقل.

•••

فى نهاية المقال أشار الكاتب إلى أنه خلال عمله بالحكومة لمدة ثمانى سنوات، استطاع أن يشهد بأن هناك سوقا لما تنتجه المؤسسات البحثية. وعلى المسئولين الحكوميين العمل بجدية لمواكبة الواجبات والتحديات والأزمات الحالية؛ لأنهم ببساطة لا يملكون الوقت من أجل التراجع خطوة إلى الوراء، وإعادة التفكير، والنظر إلى الأمام، واختبار السياسة فى مواجهة النقد البناء والآراء البديلة. ويرى أن أفضل صورة لمهنة الصحافة فى أفضل عالم للمؤسسات البحثية: تقديس الحقائق، وعدم الجمود العقائدى، والالتزام بمبدأ جيرسون الذى يرى أن توعية المواطنين بالغ الأهمية لصالح الديمقراطية. وقد ظهرت تلك السمات فى أبريل، عندما عقد قادة 56 مؤسسة بحثية فى أمريكا الشمالية مؤتمر «قمة» لمدة يوم ونصف فى واشنطن لبحث الأفكار والتحديات والفرص المشتركة. وركزت بعض المنظمات المشاركة على قضية واحدة، وغطى البعض الآخر مجموعة واسعة من القضايا؛ وربط البعض أنفسهم بإيديولوجية معينة أو منظور سياسى واحد، والبعض الآخر مثل بروكينجز غير حزبى، يتسم بالتعددية الفكرية، ويشجع التنافس المدنى للآراء. ومع ذلك، كان هناك درجة عالية من الإجماع على أن الاستقلالية تمثل جوهرة التاج فى الصحافة، التى يجب أن حمايتها.

واختتم تالبوت قائلا: فى الأسابيع الأخيرة، انتبهنا إلى أنه على جميع مؤسستنا إخضاع ممارساتها إلى نفس التقييم الدقيق المستمر الذى نطبقه على بقية مؤسسات الديمقراطية الأمريكية، إذا أردنا المحافظة على ثقة الرأى العام. ولا شك أننا سنجد فرصا لتحسين الأداء، وفى هذه الحالة سنكون المستفيدين؛ نحن والمجتمع الذى نخدمه.

التعليقات