شهادة محمود جامع على عصره.. تاريخ يتحرك - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 5:43 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

شهادة محمود جامع على عصره.. تاريخ يتحرك

نشر فى : الجمعة 18 يناير 2019 - 8:35 م | آخر تحديث : الجمعة 18 يناير 2019 - 8:35 م

توفى منذ أيام الدكتور محمود جامع عن حياة حافلة، فقد كانت حياته ثرية للغاية إنسانيا وسياسيا وتاريخيا، فقد عاصر عهد الملك فاروق وناصر والسادات وبداية عصر مبارك، ثم شهد وهو فى الظل عهود ثورة 25 يناير وما تلاها.
حياة جامع الإنسانية لا تقل ثراء عن حياته التاريخية والسياسية، فقد كان والده قاضيا مات له ثلاثة أولاد فى يوم واحد تقريبا، فقد أصيب د. جامع فى أوائل الأربعينيات مع ثلاثة من إخوته بالحصبة واشتد عليهم المرض ولم تكن المضادات الحيوية والعلاجات قد تطورت مثل اليوم فمات ثلاثة منهم واحدا وراء الآخر فى ساعات قليلة، وعاش الرابع وهو بطل قصتنا اليوم.
وقد صدم د. جامع بعدها بفترة بسيطة بمرض سنده ووالده ثم وفاته، وكل ذلك أصاب والدته بحالة حزن عنيفة أفقدتها قدرتها على تحمل هذا العبء الكبير فوجد د. جامع نفسه أمام امتحان عسير وهو فى المرحلة الثانوية، فإذا بشخصيته القيادية والإدارية تلمع ويتحمل المسئولية بجداره، ويجمع بين دراسته للطب فى القصر العينى ومسئولية أسرته وأرضه ومتابعة أشقائه الذين خرجهم فى أفضل الكليات وأصبح بعضهم أساتذة فى الطب مثل أ.د. أحمد جامع أستاذ الأنف والأذن وغيره، وهؤلاء ظلوا يحملون له الجميل حتى اليوم وكانوا يقبلون يده فى حياته.
كانت بداية معرفته بالرئيس السادات حينما كان الأخير هاربا أيام قضية مقتل أمين عثمان، فآواه جد محمود جامع وأكرمه وأحسن وفادته فترة.
وكان د. جامع قد دخل الإخوان فى الأربعينيات فقبض عليه 1954 فذهبت والدته إلى السادات الذى أصبح عضوا بمجلس قيادة الثورة فتوسط للإفراج عنه ونجحت وساطته وأفرج عنه.
وعرض عليه السادات بعد ذلك الانضمام للاتحاد الاشتراكى فدخله كما دخله كثير من الإخوان الذين تركوا التنظيم، ثم توثقت صلته بالسادات حينما كان نائبا للرئيس ومرض عدة أشهر بجلطة فى القلب فى قريته ميت أبو الكوم وطلب من جامع أن يكون معه ليخفف عنه عناء الوحدة والمرض لأن كليهما كانا يتفقان فى أمور كثيرة وبينهما كيمياء لا تخطِئُها العين.
اصطحبه السادات معه فى بعض رحلاته وأسر إليه كثيرا بمكنونات نفسه وخاصة وهو نائب رئيس، فقد سافر معه إلى سوريا وكان معهم ياسر عرفات وحسن صبرى الخولى، وبالقرب من هضبة الجولان قاله له السادات: «يا محمود الجيش السورى فى الجولان يوم 5 يونيه 1967 لم يطلق طلقة واحدة على الإسرائيليين والجولان بيعت لهم مقابل 10 ملايين دولار» وقال له: «تعرف يا محمود.. اليهود أرحم من البعث».
وحينما كتب جامع هذه الكلمات هاجت عليه الدنيا، وكذبوه، ولكن أنيس منصور وقتها أيده فى ذلك بل زاد على ذلك أن الملك فيصل كان يرى ذلك.
وكان جامع يردد أن «الدهاء والذكاء هما مفتاح شخصية السادات فقد كان يستطيع أن يصبر طويلا على فريسته حتى تسقط وحدها»
أما علاقته بالشيخ الشعراوى فقد بدأت فى الأربعينيات حينما كان طالبا فى طنطا الثانوية ويخرج فى مظاهرات الطلاب، وكان الشعراوى يخطب فيهم خطبا حماسية ملتهبة، فقبض على د. جامع مع مجموعة من الطلاب، فذهب الشعراوى إلى رموز الوفد فى القاهرة وأحضر للطلاب مكرم عبيد باشا الذى ترافع عنهم مرافعة رائعة بالفصحى واستشهد فيها بآيات قرآنية كثيرة فلما أفرج عنهم من سراى المحكمة حملوا مكرم عبيد على أعناقهم وهم يهتفون «يحيا الشيخ مكرم».
توثقت مع الأيام علاقة جامع والشعراوى، وسافرا مرارا معا إلى الحج والعمرة ورحلات متفرقة وفى إحدى هذه الرحلات كان الشعراوى يوزع صررا من النقود كلما طاف بالبيت مرة امتثالا لقوله تعالى: «فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً» وقد يعطى الرجل الواحد عدة مرات، وفى مرة أعاد رجل الصرة قائلا: «أنا سفير ليبيا فى المملكة وأخذت الصرة بركة ولكنى لا أحتاج إليها».
وحكى لى جامع عن سر سوء العلاقة بين الشعراوى وجيهان السادات، فقد دعَتْه لمحاضرة بعض سيدات نوادى الروتارى فى نهار رمضان فوجد معظمهن يدخن أمامه ويرتدين ملابس لا تليق بجلال الشهر ولا المحاضرة الدينية فغضب الشعراوى وغادر القاعة دون إعطاء المحاضرة قائلا لجيهان السادات: «الاتفاق لم يكن هكذا» وقال بعدها لجامع: «يا واد يا محمود حسيت إنى اتقرطست» أى خدعت «ودمى غلى وفار» وبعدها غضبت جيهان عليه غضبا شديدا حتى اقتلعته من الوزارة، وكان الشعراوى سعيدا بخلعه منها.
وعن تلغراف الشعراوى للسادات ردا على كلمة الأخير عن الشيخ المحلاوى «مرمى مثل الكلب فى الزنزانة» فرد عليه: «الأزهر لا يخرج كلابا ولكنه يخرج علماء ودعاة».
وتحدث عن صراع جيهان السادات مع مبارك حينما كان نائبا للرئيس، وأنها أرادت عزله وتعيين منصور حسن مكانه وبدأ السادات ذلك بالقرار الشهير 119 الذى حول بريد الرئاسة من النائب مبارك إلى منصور حسن، فاعتكف مبارك فى المنزل وقدم استقالته، ولكن السادات استرضاه بعد أن علم بغضب بعض قادة الجيش لذلك، وألغى القرار وعزل منصور حسن، ويومها حمل مبارك القرار قائلا لمنصور حسن: «لا تلعب بالنار حتى لا تحرقك».
أما شهادته التاريخية عن تزوير الانتخابات فى التاريخ المصرى فقال: «تزوير الانتخابات معروف فى كل عصور مصر ولكنه كانت فى العصر الملكى على نطاق ضيق جدا لقوة الأحزاب المتنافسة وتداولها للسلطة فحينما يأتى للسلطة سيحاكم من زور من قبل ويفضحه وكذلك لقوة الصحافة المصرية وحريتها، ولكن مع بداية ثورة يوليو وظهور موضة 99% فى الانتخابات والاستفتاءات أصبح التزوير فجا ومنظما وبلا حدود وأصبح البرلمان يسير بالريموت كنترول، والعمل السياسى مجرد ارتزاق فقط.
وقد شهد د. جامع بنفسه كيفية إنتاج وإخراج وتنفيذ عمليات التزوير فى الانتخابات وحكى قصة ترشيح الصحفى الشهير رشاد الشبراباخومى الذى ترشح للبرلمان ضد فتحى المدبولى «أمين عام الاتحاد الاشتراكى فى محافظة المنوفية» ولما ظهرت النتيجة لم يحصل الشبراباخومى على صوت واحد على الرغم من حب الناس جميعا له فذهب إلى المحافظ ورئيس لجنة الانتخابات ومفتش الداخلية قائلا لهم: «أين صوتى أنا يا ولاد الكلب، ولا صوت واحد فى الصندوق الذى صوتت فيه أسرتى، نفرض أن عائلتى كلها تكرهنى ولم تعطنى صوتها.. قلنا ماشى.. ونفرض أن أشقائى كلهم حرمتهم من الميراث فلم يعطونى صوتهم.. قلنا ماشى، ونفرض أن زوجتى لا تحبنى وتعشق غيرى، فلم تعطنى صوتها.. قلنا ماشى.. طيب فين صوتى أنا الذى وضعته فى الصندوق بنفسى، صوتى يا ولاد الكلب راح فين «كان يقول ذلك بمنتهى الانفعال، والجميع ساكتون وكأن على رءوسهم الطير».
وكان جامع يحكى القصة للسادات حينما كان نائبا فيضحك كثيرا ويقول: والله لاحكيها لعبدالناصر.
هذه القصص وغيرها حكاهالى بنفسه وكتبتها فى عدة حوارات فى حياته ونشرت بعضها وقرأها بنفسه عدة مرات، وفى الأسبوع القادم نستكمل شهادته على عصور أربعة من تاريخ مصر.

التعليقات