الخميس 23 مايو 2019 1:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما مدى رضاك عن الدراما الرمضانية للموسم الجاري؟

«من غير عنوان»..!

نشر فى : الخميس 18 أبريل 2019 - 10:30 م | آخر تحديث : الخميس 18 أبريل 2019 - 10:30 م

ابتدع كمال الملاخ منذ نحو ستين عاما عنوانا للصفحة التى كان يحررها على الغلاف الأخير لجريدة «الأهرام»، هو (من غير عنوان). لست أدرى لماذا اختار هذا عنوانا، أَهُوَ نوعٌ من محاولة (تجنب الحرج) فى حال اختيار عنوان آخر، أم هو انعكاس ليقينٍ بأن عدم وضع عنوان ما، كافٍ للدلالة على ما قد تحتويه عناوين كثيرة. وأميل إلى التفسير الأخير، فإنى على سبيل المثال قد حرْت جوابا عن سؤال الحال الراهن فى الوطن العربى، ووجدتنى عاجزا عن اختيار عنوان له، فأردت أن يكون «من غير عنوان»..!

والحق أنى كنت تفكرت فى عنوانات عديدة، فقد جعلت أميل إلى العنوان التالى (دراما عربية..) قياسا على عنوان الكتاب العمدة القديم نسبيا الذى كان ألفه الاقتصادى السويدى حائز جائزة نوبل فى علم الاقتصاد (جونار ميردال): الدراما الآسيوية Asian Drama وكنت أظن أنه من الممكن أن أضع من بعده عنوانا فرعيا مشتقا من أسماء بعض شرائط السينما الأجنبية ــ والعربية أيضا: (الوطن العربى فوق سطح صفيح ساخن)..! فها هى الأحداث تترى متزامنة فى أقطار عربية عدة، وكأنها على اتفاق، ولكنها تجرى بدون اتفاق: السودان، الجزائر، ليبيا وكذلك سوريا، وقد نضيف العراق، وربما لبنان..!

***
بدأ مسلسل الأحداث «الساخنة» الراهنة فى السودان ثم الجزائر وتم تداول (العدوى) بينهما. وسَرَت عدوى التمرد أخيرا من الجزائر (إذ نجحت الانتفاضة الشعبية فى فرض استقالة رأس النظام) إلى السودان حيث وصلت الانتفاضة الشعبية إلى ذروتها بفرض عزل رأس النظام أيضا يوم الخميس 11 إبريل 2019. ولما تواصلت انتفاضة السودان رفضا لتولى «العسكر» زمام السلطة السياسة العليا، إذا بانتفاضة الجزائر تتوجس خشية يوم الجمعة 12 إبريل من موقف الجيش إزاء تطبيق مواد الدستور (المادة 102 أو هى مع المادتين رقمَىْ 7، 8). وإذا بالبلديْن العربيين يتبادلان العدوى، وكأنهما فى سباق « تمردى» لم تتبين معالمه لأول وهلة.

ولكنى كنت فكرت فى عنوان أكثر (تفلتا) من سابقه: (شاطرٌ ومشطورٌ وبينهما طازج) وذلك قصدا إلى المقابلة مع القوْلة التى صارت نوعا من المثل على الحذلقة اللغوية بمناسبة محاولة ترجمة الكلمة الأجنبية الشائعة (ساندوتيش)..! ولذلك وجدت من الأنسب أن أضيف إلى العنوان (المتفلت) عنوانا رصينا تشتم منه رائحة الأكاديميا لأقول: (العسكريتاريا مقابل الاسلام السياسى، وبينهما الليبرالى..) أو أستبدله على هذا النحو. وقصدت من العنوان «الرصين» أن السلطة السياسية فى البلدان العربية طوال مرحلة ما بعد الاستقلال، أو فيما بعد الاستعمار، كما يقولون: Post – Colonialism أخذت تتقاذفها، بالتبادل إلى حد كبير، وبشكل عام جدا وعريض، فئتان أساسيتان، فى أغلب الدول العربية، وخاصة النافذة منها (باستثناء بلدان الخليج ولها وضع خاص بمعنى ما): العسكريون أو رجال الجيش أو القوات المسلحة من جانب، وقوى «الإسلام السياسى» على تنوعها من جانب آخر. وأنه فى حالات (الاستراحة..!) بين الدورتين «العسكريتارية» و«الإسلاموية» يأتى «اللييراليون» الداعون إلى توسيع هوامش الحريات على اختلافها؛ وحين يختلفون يأتى أحد الطرفين السابقين لإعادة الميزان إلى استقامته الأولى، حيث الكفتان المتأرجحتان لكل من: الحكم العسكرى أو «شبه العسكرى» أو القائم على عصب عسكرى وإن لم يكن عسكريا بالمعنى المحدد، من جانب أول، وحكم الإسلامويين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، من جانب ثان.

ولكنى وجدت أن العنوان السابق: (العسكريتاريا مقابل الإسلام السياسى وبينهما الليبرالى) ربما ليس وافيا بالغرض. فأحيانا يكون «الليبرالى» مختلطا بالمسحة العسكرية، أو هو عسكرى وقد أخذ ثوبا ليبراليا (متخفيا)، بينما هو يتبنى ما يقال له (أجندة) ــ جدول أعمال ــ أبرز بنوده تبنى منهج الاقتصاد المفتوح (أو المنفتح من ــ «الانفتاح») فى جهة أولى، والتعامل الحر «المفتوح»، لم لا نقول «التبعى» تجاه الغرب عموما والولايات المتحدة الأمريكية خصوصا، فى جهة أخرى.
***
ولما كنت أرى أن نموذج «الليبرالية المتخفية» أو العسكريتارية المختلطة بالليبرالية الانفتاحية التابعة، يجد كماله، إلى حد بعيد، فى نموذج الرئيس المصرى الأسبق أنور السادات (1971 ــ 1981) فلذلك فكرت أن أعدل العنوان كما يلى: (العسكريتاريا مقابل الإسلام السياسى وبينهما أنور..!).. وكدت أميل إلى تعديل الاسم الأخير إلى اسم أكثر شيوعا أو شهرة ليجرى العنوان فى شقه الأخير (..«وبينهما السادات..!»). ثم إنى لما رجعت بالبصر إلى تجربتنا العربية ( بما فيها المصرية)، خلال المرحلة من ثورة 23 يوليو 1952 حتى وفاة الرئيس جمال عبدالناصر (28 سبتمبر 1970) وجدت أن مصر خصوصا، وعديد البلدان العربية المتحررة آنئذ عموما، قد تبنت نهجا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا قائما على التوجه ( شبه الاشتراكى..) ــ إنْ صح التعبير، أو (اليسارى..) تجاوزا، فى بعض الأحيان ــ ناحية التنمية والتصنيع والعدالة الاجتماعية والسعى إلى مقاومة إسرائيل والاستقلال عن الغرب وأمريكا، والصداقة مع القوة الدولية الأخرى (الاتحاد السوفيتى فى ذلك الوقت). ولذلك ارتأيت أنه قد يكون من الأوفق أن أضيف كلمة واحدة إلى العنوان المعدل ليصير هكذا: (العسكريتاريا مقابل الإسلام السياسى وبينهما أنور السادات غالبا..) أى ليس دائما.. وحينما تعمقت فى الأمر أكثر من ذلك، وأنا بين اليقظة والمنام، فى لحظة من لحظات «الاستيحاء الذهنى من قوة الوعى والوعى الباطن معا، ارتأيت أنْ أطور الفكرة السابقة باتجاه استعارة بلاغية من التراث الشعبى للألعاب المسلية، فوجدتنى أقول: وجدتها..! وإذا بكلمتين تلمعان فى خاطرى: (عسكر وحرامية)، بينما ينظر «الليبرالى» شذرا من ثقب الباب الواسع، وينظر (الاشتراكى) أو (اليسارى) من نتوء صغير فى النافذة..!. فأين الشعب..؟ يبرز الشعب إلى واجهة الأحداث حين يطفح الكيل ويبلغ السيل الزبى، كما يقال، وقد ينتفض» ــ أو «يثور» ــ أو «يهب» ــ فتكون من ذلك «انتفاضة» أو «ثورة» أو «هبة شعبية» ــ حسب ميول المتحدث أو المفكر. ويكتشف «الشعب» أن لعبة السلطة المثلثة بين «العسكريتارى» و «الإسلاموى» و«الليبرالوى» بصفة أساسية، إنما هى لعبة غير ذات موضوع اجتماعيا ومستقبليا، فإذا بذلك الشعب أو الجمهور ينطبق عليه ما جال بخاطرى، على النحو التالى ــ وإن يكنْ بالتعبير تزيد وتفلت وشىء من «السوقية» المستكرهة نخبويا: (.. إذ يهتف الجمهور من مقاعد المتفرجين زاعقا: «سيما أَوَنْطَه.. هاتوا فلوسنا»). هذه صيحة الاحتجاج «الجمهورى» من بلوغ اللعبة نقطة «التوقف»، وإن شئت فقلْ: الإفلاس، حين تقتصر لعبة السلطة على توزيع المغانم على أطرافها، وتحويل «المغارم» إلى الجمهور فى المقاعد الخلفية للمسرح. وحينها يصرخ الجمهور داعيا إلى استعادة (الفلوس) التى دفعها سلفا، من أصحاب «دار الخيالة»، نظرا لرداءة (الفيلم)..!

ولكن التمثيل اللغوى والبيانى للعبة لا يتوقف عند هذا الحد، إذ تتحول «دار السينما» إلى «مسرح العرائس»؛ وهنا تكون الأنظمة السياسية فى الوطن العربى محاطة بــ (اثنين + واحد). وأما الاثنان فهما: الدولتان ــ الأمتان التركية والإيرانية. وأما الواحد المترصد على القرب من كوة غير بعيدة فهو ــ أو هى ــ إسرائيل.

أما خلفية المسرح البانورامية فإنها تعج بأصابع تحرك العرائس ــ أو أغلبها ــ على أرضية المسرح، وهى أصابع «اللاعبين الكبار» يتصدرهم الغرب بالقيادة الأمريكية، وفى مواجهتهم واقفا يتلمظ كل من «الروسى» و«الصينى» وغيرهما. وبذلك تكون هناك ثلاثة طبقات أو صفوف من «اللاعبين ــ الفاعلين» على مسرح الأحداث الدراماتيكى العربى العتيد: لاعبون فاعلون كبار وخاصة من الجانب الغربى ــ الأمريكى، ثم لاعبون متوسطون تتفاوت أدوارهم وأقدارهم، اثنان منهما بمثابة إخوة فى التاريخ والحضارة وهما الترك والفرس، وواحد غاصب دخيل، وهو معروف. ثم صف ثالث من اللاعبين الفاعلين (الصغار)، أو الأقل شأنا إن شئت، وهم اللاعبون الفاعلون المحليون.. ويسار يتحين الفرصة إنْ لاحت، فى حياء وخَفَر.

فكيف نكسر «الحلقة المفرغة» أو «الدائرة الشريرة ــ الخبيثة»..؟ هذا سؤال الوقت.

محمد عبدالشفيع عيسى  استاذ في معهد التخطيط القومي _القاهرة
التعليقات