حقوق الإنسان: قضية جادة - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 5 مارس 2021 10:12 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

حقوق الإنسان: قضية جادة

نشر فى : الخميس 18 يونيو 2015 - 10:50 ص | آخر تحديث : الخميس 18 يونيو 2015 - 10:50 ص

ربما يشعر أعضاء الوفد الإعلامى المصرى الذى رافق الرئيس السيسى فى رحلته إلى برلين أنهم أحرزوا نصرا مبينا، وصلوا إلى لقاء رئيسة حزب الخضر متأخرين عن موعدهم بنصف الساعة، ومع ذلك علت أصواتهم، وبعضهم لم يكن مسموحا له أصلا بالحديث باعتبارهم مجرد مراقب للقاء، متهمين السياسية الألمانية القديرة بعدم العدالة، كما زاد من سعادتهم أن الرئيس لم يقابل رئيس البرلمان الألمانى الذى كان قد انتقد سجل حقوق الإنسان فى مصر. ولاشك أنهم لم يقيموا وزنا لا لتصريحات المستشارة الألمانية إنجيلا ميركل ووزير خارجيتها وسفيرها فى القاهرة، فهم بحسب هؤلاء الإعلاميين المصريين إما أنهم لا يعرفون حقيقة الأوضاع فى مصر، أو أنهم أسرى الدعاية المضادة للإخوان المسلمين.

والواقع أن إعلامنا، وهو يرسم هذه الصورة لموقف الساسة والرأى العام الألمانى من قضية حقوق الإنسان فى مصر، لا يضلل الرأى العام المصرى فحسب، بل إنه لا يخدم صانع القرار الذى يفترض أن يقدم له هذا الإعلام صورة صادقة ليس عن أسباب هذا الموقف من الإعلام الغربى، ولكن عن حقيقة أوضاع حقوق الإنسان فى مصر. الموقف الألمانى تكرر صداه فى صحف دولية مؤثرة مثل الفاينانشيال تايمز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست، كما لم يكن هذا الموقف بعيدا عما جاء فى تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان «هيومان رايتس ووتش».

•••

واقع حقوق الإنسان فى مصر هو جدير باهتمام الرأى العام فى مصر، لأنه هو المعنى فى المحل الأول بأوضاعها. احترام حقوق الإنسان يعنى احترام كرامة البشر بدون تمييز، وإذا كنا نحرص على كرامة البشر فى مصر، فإننا يجب أن نتأكد من أن كرامة المصريين مصونة فى بلادهم. فهل هذا صحيح؟

حتى يستريح هؤلاء الساخرون من حديث حقوق الإنسان فى مصر، ويسمونها استهزاء «حكوك الإنسان» نحن لا نقصد بالحديث عن حقوق الإنسان أن يفلت الذين سفكوا دماء المصريين من العقاب، وألا نتجاهل تضحيات رجال الشرطة والقوات المسلحة الذين ندين لهم بما نشعر به من أمان نسبى، كما لا نتغاضى عن دماء مئات من المصريين سقطوا ضحايا لهذه الأعمال الإرهابية، ولكن علينا أن نحدد موقفنا بصراحة من الالتزامات الدولية التى تتحملها حكومتنا، كما تتحملها معظم حكومات العالم، وإذا كانت ردودنا بالسلب على بعض الأسئلة التى يثيرها هذا المقال، فقد يسهم ذلك فى تحديد الأرضية التى نقف عليها عندما نتحدث عن حقوق الإنسان.

والسؤال الأول الذى علينا أن نجيب عليه إذا كنا جادين حقا فى احترام حقوق الإنسان فى مصر هو هل يعنى احترامنا لهذه الحقوق أن المصريين جميعا يستحقون التمتع بهذه الحقوق أم أن المقصود بها فقط من يجاهرون بالولاء للنظام القائم، أما غيرهم من المصريين فليس لهم أن يتمتعوا بهذه الحقوق؟ غيرهم هذه لا تنصرف إلى الإخوان المسلمين فقط ولكنها تمتد إلى نشطاء من غير الإخوان، بل وتمتد أساسا إلى مواطنين عاديين تثبت ملاحظات وتقارير عديدة أنهم قد ألقى بهم فى السجون لا لجرم اقترفوه، ولكن لأن تلك ممارسات شرطتنا منذ زمن بعيد تعتقل أو تسجن على سبيل الاحتياط من لا ناقة لهم ولا جمل لعلهم قد يفيدون بعد ذلك فى إلقاء تهم لم يرتكبوها عليهم، حتى يغلق الملف ويفلت المجرم الحقيقى بل وقد يلقون أشد العقوبة لأنه يجب ألا تظهر أجهزة الشرطة وكأنها عاجزة عن اكتشاف المجرم الحقيقى.

أما عن الحقوق المدنية والسياسية فالسؤال الجدير بالإجابة هو عن مدى توافر الإرادة السياسية فى احترام هذه الحقوق، وأبدأ بأهمها والذى حرم كل المواطنين من ممارسته لأسباب يجدر بصانع القرار فى مصر أن يوضحها وهو الحق فى المشاركة السياسية بانتخاب من يمثلون الشعب ويمارسون باسمه الرقابة على الحكومة بل ويشاركونها الرأى عند صنع السياسات. لا يوجد برلمان فى مصر على الرغم من أن موعد انتخاب هذا البرلمان، وهو التزام على السلطة العامة بموجب خارطة الطريق، قد مضى أجله منذ ستة شهور، ولا يبدو أن هناك أى استعدادات جادة لعقد هذه الانتخابات، وتؤكد التصريحات بأن هذه الانتخابات سوف تتم قبل نهاية العام أنه لا توجد نية حقيقية لإجرائها، فما الذى يحول دون إجرائها فى سبتمبر أو أكتوبر أو حتى نوفمبر 2015. وخصوصا مع النص الدستورى بضرورة إنعقاد الدورة الأولى لمجلس الشعب المنتخب فى شهر نوفمبر، وهو ما يعنى ضرورة إجرائها قبل هذا التاريخ. ومما يوحى بعدم توافر الإرادة السياسية هو كثرة الحديث عن ضرورة الاصطفاف الوطنى وتوحد كل الأحزاب فى جبهة واحدة على الرغم من أن منطق الانتخابات التعددية هو التنافس الحزبى، وترك الاختيار النهائى للناخب الذى يقرر أى الأحزاب أجدر بنيل صوته بناء على برامجها.

ولنا أن نتساءل عن مدى صحة التقارير المتناثرة عن انتهاك حق الحياة للمشاركين فى المظاهرات أو من قضوا نحبهم فى السجون، وعن احترام الحق فى الحرية بمعنى ألا يحبس مواطن ويقضى فى الحبس شهورا وسنوات دون توجيه تهمة ودون تقديمه للمحاكمة. تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية تشير إلى أن عدد من ألقى القبض عليهم منذ صيف سنة 2013 يتجاوز الأربعين ألفا، والتقرير الوحيد الذى صدر منذ أكثر من سنة من وزارة الداخلية ينزل بهذا العدد إلى نحو ثمانية آلاف. فما هو عدد هؤلاء المحبوسين احتياطيا؟ ومتى تتم تصفية أوضاعهم؟ ألا يستحق الرأى العام فى مصر أن يعرف الحقيقة عن أوضاعهم سواء من كانوا منهم طلابا عرفنا أن مائة منهم قد أدوا امتحاناتهم فى السجون، ومنهم آخرون كثيرون لا يعرفون لماذا ألقى القبض عليهم؟

أولا نشعر بالأسف أن نطاق حرية التعبيرعن الرأى قد ضاق فى السنة الأخيرة كثيرا حتى بالمقارنة بما كان عليه الحال على عهد مبارك قبل ثورة يناير. اختفى اسم علاء الأسوانى من على صفحات المصرى اليوم، وغابت وجوه معروفة بتميزها المهنى من على شاشات التليفزيون مثل يسرى فودة ودينا عبدالرحمن ولم تحتمل بعض الأجهزة عودة ريم ماجد ببرنامج عن المرأة فاختفت بعد حلقتين، وكانت النتيجة هى أن مشاهدى هذه القنوات قاطعوا برامجها الحوارية، ولم يبق من مقدمى هذه البرامج سوى من يجيدون إحكام الحوار واختيار الضيوف حتى لا يصدر عنهم ما يتصورون أنه قد لا يلقى الارتياح ممن يقبضون على زمام السلطة. وتصدر المشهد الإعلامى من قضت محكمة بسجنه عامين لخروجه على آداب الحوار فى برنامجه، ولقى المكافأة بصورة له وهو يصاحب الرئيس فى رحلة ألمانيا الأخيرة وتنشر الصحف صورته بابتسامته الواسعة مع الرئيس.

•••

حديث حقوق الإنسان فى مصر حديث يطول، هو بالفعل يثير الشجون، ولا يسمح هذا المقال ولا السياق الذى يجرى فيه بتناول كل أبعاده، ولكنه يجب أن يكون موضوعا لاهتمام الرأى العام فى مصر قبل أن يكون موضوعا لتعليق صحف ومنظمات دولية ومصدر إحراج لرئيس الجمهورية عند زياراته الخارجية. ولكن لا ينتهى هذا الحديث دون توجيه السؤال لمن يحيطون بالرئيس: هل يتصورون أن تجاهل ما يجرى فى حقوق الإنسان فى مصر يمكن أن يسهم فى تدعيم شرعية نظام الحكم؟ ألم يكن تجاهل مثل هذه الانتهاكات سببا لقيام الثورة التى أطاحت بمبارك أم أنهم يتصورون أنه بوضع الإخوان المسلمين فى السجون يضمنون لنظام الحكم الاستمرار إلى الأبد أيا كانت صعوبات انتعاش الاقتصاد والتخلص من الفقر والبطالة واغتراب قطاعات واسعة من الشباب والمثقفين.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات