من ميدان التحرير(12) - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 9:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

من ميدان التحرير(12)

نشر فى : السبت 19 فبراير 2011 - 9:24 ص | آخر تحديث : السبت 19 فبراير 2011 - 9:24 ص

 الثورات الديمقراطية لا تنتقم، بل تتسامح. الثورات الديمقراطية لا تضيع طاقتها العظيمة فى التطهر من الماضى، بل توظفها لبناء المجتمع الجديد لضمان عدم عودة الماضى الكريه بظلمه وسلطويته وقمعه.

أكتب هذا ونحن فى مصر نمر اليوم بمرحلة انتقالية دقيقة للغاية تحدد بها أسس وملامح النظام السياسى الجديد بعد إسقاط مبارك، ونحتاج بها للكثير من العمل الجماعى والتفصيلى لبناء مصر الديمقراطية المدنية، مصر العدالة الاجتماعية. لا أريد لنا أن نضيع طاقة الثورة فى إعداد قوائم سوداء بأسماء الفاسدين والمنافقين والمنتفعين ومنتهكى حقوق الإنسان أو فى تعقب هؤلاء فى مقار عملهم وترويعهم وتهديد أمنهم الشخصى. فالتعقب الشخصى ليس من أخلاق ثورتنا السلمية العظيمة، كما أنه يبعدنا عن الترجمة المؤسسية للمطلب الشعبى المشروع القاضى بتشكيل لجان تحقيق حكومية ــ غير حكومية لمحاسبة الفاسدين واستعادة ما سرقوه من أموال الشعب (بقدر الإمكان) ومحاسبة المجرمين الذين تورطوا فى أعمال القتل والعنف ضد المصريين وإنزال العقاب القانونى بهم على ما ارتكبوه.

لا تفيد كثيرا المطاردة الشخصية لشلة منتفعى ومنافقى النظام البائد إن فى المصالح الحكومية والنقابات المهنية والاتحادات العمالية أو فى مؤسسات الإعلام الرسمى، بل الأهم هو استبدالهم مؤسسيا بقيادات جديدة نزيهة ووطنية، إن بانعقاد جمعيات عمومية طارئة لانتخاب مجالس إدارات مؤقتة بالمصالح الحكومية وبالنقابات والاتحادات (خاصة بعد أن قضت المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون النقابات) أو بتوجيه المطالب الجماعية والسلمية بتغيير المنافقين والفاسدين بمؤسسات الإعلام الرسمى للجهات الحكومية المسئولة والمتابعة معها إلى أن يصار للتغيير. أريد لنا جميعا وبعد أن أفسدتنا الصيغة السلطوية بانفراديتها واستعلائها أن نعول على الآليات المؤسسية للعمل العام، فهى فقط القادرة على صناعة الديمقراطية وضمان حكم القانون.

ذات الفكرة المؤسسية والتركيز على بناء مصر الجديدة ينبغى أيضا إعطاؤهما الأولوية حين النظر إلى قوى المعارضة الحزبية وغير الحزبية وتقييم دورها فى المرحلة الانتقالية الراهنة.

يعلم القطاع الأكبر من المصريين أن معظم هذه القوى تم دمجها فى صيغة نظام مبارك السلطوية وأنها تكالبت على مكاسب محدودة وتخلت عن التبنى الفعال للمطالب الوطنية، أحيانا لحسابات قياداتها الشخصية. على الرغم من ذلك، لا يمكن بناء ديمقراطية مدنية دون أحزاب وكيانات منظمة، ومن ثم لابد من تفعيل وتنشيط القائم منها وتطويره بإيجابية من الداخل.

يستطيع شباب الوفد والتجمع وشباب الإخوان أن يحدثوا تغييرات حقيقية بكياناتهم إن على مستوى العمل المؤسسى وبناء الديمقراطية الداخلية وتدوير النخب، أو فى ما خص الانفتاح على بعضهم البعض دون حواجز أيديولوجية.

كذلك ينبغى على المجموعات المختلفة من حركات شبابية ومنظمات مدنية وتجمعات لمواطنات ومواطنين من مختلف القطاعات العمرية والاجتماعية العمل وبسرعة على الانتظام فى كيانات جديدة يمكن أن تشكل بدايات لأحزاب سياسية، وتعطى بذلك ثورة المواطنين التعبير المؤسسى عنها فى الحياة السياسية. إن نجحنا فى المهمتين؛ أى إصلاح الأحزاب القائمة وتكوين أحزاب جديدة، سنكون بعد المرحلة الانتقالية أمام حياة سياسية تعددية تتنافس بها كيانات متنوعة ولا يحتكرها فصيل بعينه.

لذا أرجو أن يقرر المجلس الأعلى للقوات المسلحة وبسرعة إطلاق حرية تكوين الأحزاب والمنظمات المدنية وإلغاء قوانين الأحزاب سيئة السمعة، ثم إلغاء حالة الطوارئ قبل الانتخابات بوقت يكفى لأن تنشط الأحزاب، قديمها وجديدها، لبناء قواعدها الشعبية والتواصل مع المواطنين حول برامجها ومقترحات السياسات العامة التى تتبناها.

عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات