لينين الرملي - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2020 2:56 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

لينين الرملي

نشر فى : الجمعة 21 فبراير 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الجمعة 21 فبراير 2020 - 8:10 م

فى التسعينيات من القرن الماضى كُنت عميدا لكلية اللاهوت «المعهد الذى يُدَرس اللاهوت (الفقه)»، وبدأت تقليدا جديدا أنه فى كل عام كنت أختار فيلما أو مسرحية هادفة أرى أنها ستضيف لطلبة الكلية قيمة إنسانية ما توسع مداركهم، وأدعو الطلبة لحضورها وأذهب معهم مع بعض أعضاء هيئة التدريس الذين يعضدون مثل هذا الاتجاه، وبعد العرض نتقابل مع البطل والمؤلف وندعوهما لندوة بالكلية للحوار مع الطلبة والأساتذة، وذلك حتى نضيف نوعا من الثقافة العامة لرجل الدين، مؤكدين أن الفن الهادف بطريق مباشر أو غير مباشر يقدم رسالة تحتوى على مبادئ وقيم إنسانية وإلهية يمكن تطبيقها عمليا فى الحياة اليومية. فى ذلك الوقت كانت تُعرض مسرحية «وجهة نظر» من تأليف لينين الرملى وبطولة الممثل المثقف محمد صبحى، بعد نهاية المسرحية التقيت بهما ودعوتهما لندوة داخل الكلية لمناقشة العرض، وفى اليوم المحدد حضر لينين الرملى واعتذر محمد صبحى على فم لينين الرملى.

كنت أقود الندوة، وقدمت لينين لأن أسرته من محافظة المنيا (بلدياتى) لكنه ولد فى القاهرة عام 1945 وكانت أهم الأسئلة من الطلبة عن فلسفته فى الحياة، فقال «الحرية ضرورة إنسانية» وتفسيره لتلك الجملة أن الإنسان بلا حرية ليس إنسانا، وحياته ليست حياة بالمعنى الحقيقى للحياة. وسئل عن سر الاسم «لينين» قال: إن والدى كان مثقفا اشتراكيا فسمانى لينين لذلك اتُّهمت بالشيوعية وحكى عن المشكلات التى جرها عليه الاسم (لينين) فى المدرسة وقد تعرض لموقف وهو تلميذ ابتدائى من مدرسه إذ سأله عن ديانته فأجاب «أنا مسلم» فطلب منه المدرس أن يقرأ الفاتحة حتى يتأكد من ديانته لكنه بدأها ولم يستطع استكمالها، فتركه المدرس وتأكد من ديانته من إدارة المدرسة.

***
عندما سئل عن فكره من خلف مسرحية «وجهة نظر» قال: أردت أن أميز بين فَقد البصر وفَقد البصيرة وتحدث عن «العمى الاعتبارى» وهو الإنسان مفتوح العينين لكنه يسير مع القطيع دون أسئلة مغمض العينين والقلب، حكى أنه كتب فى مذكراته وهو ابن 12 سنة «أريد أن أكون كاتبا مسرحيا». وقد كانت من أهم مسرحياته «وجهة نظر» و«انتهى الدرس يا غبى» والأخيرة تحكى عن متخلف عقليا يُشفى بعقار جديد ثم ينتكس بعد ذلك. وعندما كان ضمن تعليقى الأخير على الندوة رجاء ألا يؤلف مسرحية أو أى عمل فنى كوميدى آخر يتناول فيه ذوى الاحتياجات الخاصة لأن الأطفال والكبار يسخرون منهم وهذا يؤذى مشاعرهم وأكيد يعطيهم الإحساس بالدونية، قال: أعدك إنى لن أتناول فى مسرحياتى القادمة شخصيات من ذوى الاحتياجات الخاصة. تناول الغذاء معنا وكان سعيدا جدا مع التلاميذ وعندما سأل عن عدم ارتدائهم زيا مميزا لهم كرجال دين كانت الإجابة إن عقيدتهم امتداد للإصلاح الدينى فى القرن السادس عشر فى أوروبا والذى رفض وجود طبقة كهنوتية أعلى تتميز بلباس مختلف عن شعب الكنيسة يقيم حاجزا بينهم وبين من يخدمونهم، انبهر بالفكرة.

لقد ترك لينين لنا نموذجا متميزا فى كيف يكون المبدع متواضعا، لطيفا، نموذجا للمثقف الواعى بذاته ومجتمعه. بلا شك كان لينين الرملى له حضوره الخاص، واعتزاز كبير بنفسه وفكره فى منتهى القوة والوضوح. من أوائل مسرحياته وربما تكون الأولى «انتهى الدرس يا غبى» وأراد المنتج الممول أن يسند البطولة لمحمد عوض الذى كان أعظم نجوم الكوميديا المشهورين فى ذلك الوقت لكن محمد عوض أراد أن يغير الفصل الثالث والأخير وضغط منتج المسرحية ومحمد صبحى على لينين لكنه رفض تماما تغيير حرف واحد مما كتبه.. وعلق النقاد على هذا الموقف قائلين «لينين المؤلف الذى رفض خيانة وجهة نظره». وكان الحل هو أن يلعب محمد صبحى الدور الأول بدلا من محمد عوض، ومنذ ذلك الوقت أصبح صبحى والرملى لا يفترقان، فى البداية افتقدت المسرحية للجمهور فكان منتج المسرحية يتوجه للمقاهى المحيطة ويغرى روادها بالحضور المجانى، ومن يستمر حتى نهاية الفصل الأول يمنحه (واحد شاي) مجانا، إلا أن المسرحية نجحت بعد أسبوعين نجاحا باهرا وكانت كامل العدد لعدة أسابيع. من أهم مسرحياته والتى صاحبت معى دفعة أخرى من الخريجين «أهلا يا بكوات» بطولة حسين فهمى وعزت العلايلى وعُرضت على المسرح القومى (مسرح الدولة) فى النصف الثانى من تسعينات القرن الماضى وملخصها أن سقطت قنبلة على مصر فعاد الزمن بها إلى عصر المماليك، وإذ بنا على طول المسرحية نرى التخلف الذى وصلت إليه مصر فى عهد مبارك من أمية وسيطرة التطرف الدينى والفقر وسلطة بعض احهزة الامن الفاسدة... إلخ كصورة طبق الأصل من عصر المماليك أى قبل أكثر من مائتى عام..

***
أستطيع القول إن جميع مؤلفات الرملى بلا استثناء هادفة وقوية. من أقوى الأفلام كان «الإرهابى» لعادل إمام و«البداية» لجميل راتب وأحمد زكى والتى تحكى عن سقوط طائرة فى مكان ما، حيث استطاع جميل راتب أن يسيطر على الجماعة بدهائه وشخصيته القوية وقد صنعت منه الجماعة المحيطة به ديكتاتورا، من هنا كان يتحدث لينين عن أن الديكتاتور لا يولد ديكتاتورا لكن الشعب والمحيطين به هم الذين يصنعونه.

لقد استطاع لينين الرملى أن يجمع فى أعماله بين المتعة الفكرية والسخرية وذلك بحرفية متميزة، لقد اتسمت نصوص لينين سواء أكانت سينمائية أو مسرحية أو تلفزيونية، بالبساطة والعمق والعفوية. علق أحد الصحفيين فى رثائه أنه: «كتب كوميديا بلغت حد البكاء كما بلغ البكاء فيها حد الضحك فقد أصبحت السخرية من مصير الإنسان فى عالم موحش كاذب وكئيب مزيجا من الاثنين معا». وقال آخر «استطاع لينين الرملى بسلاسة فى الرؤية والطرح أن يجمع بين المتعة والفرجة فى نصوصه المسرحية المؤثرة بحرفتيه العالية وفضائها الكوميدى المعجون بهموم الإنسان وقضايا الواقع والحياة» وهو ما تجسد بشكل لافت فى العديد من أعماله والتى لا يزال صداها يتردد فى الوجدان ومنها: تخاريف، وسك على بناتك وغيرهما.

كتب الناقد الفنى طارق الشناوى: سألت سمير غانم عن الإفيهات التى يقدمها فى أعماله، قال لى: كُلها من تأليفى والكاتب آخر من يعلم، باستثناء كاتب واحد فقط لا أجرؤ أن أضيف له حرفا واحدا هو لينين الرملى.. لقد اعترف ملك الارتجال بأنه فى مسلسل «حكاية ميزو» تأليف لينين الرملى لم يستطع إضافة جملة واحدة، لأن لينين يكتب كل التفاصيل، حتى المناطق التى تحتاج للارتجال، فكان يكتب بأستاذية لتبدو ارتجالية وينهى الشناوى رثاءه بالقول «لينين الرملى صفحة خالدة فى تاريخنا الدرامى».

لينين الرملى هو نموذج للإنسان المصرى الذى حقق ذاته فى تخصصه، وصنع مدرسة له ولنظرائه تُسمى باسمه هى «مدرسة عدم مساومة الإنسان على قناعاته». إنه من هؤلاء البشر الذين لا يساومون على قناعاتهم ويتعبون فى بداياتهم ويصارعون مع الفساد سواء كانوا فنانين أم أدباء أم صحفيين، أم رجال دين، أو سياسيين... إنهم هم الذين يصنعون التاريخ فى مواقعهم ويبقون فى ذاكرة الناس مهما طال الزمن، فالمبدعون لا يرحلون لكنهم فقط يغيرون العنوان.

إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات