الأربعاء 26 يونيو 2019 1:02 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل أقنعك أداء المنتخب المصري في مباراته الأولى بكأس الأمم الأفريقية؟

رمضان كريم أم هابى رمضان!

نشر فى : الثلاثاء 21 مايو 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 مايو 2019 - 10:55 م

رمضان شهر الصوم، والصوم ركن من أركان الإسلام الخمسة، وهو ليس بدعة من الديانة الإسلامية، ولكنه فريضة فى كل الديانات السابقة عليه، كما فى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم، لعلكم تتقون»، كما أن الصوم ليس الإمساك عن الطعام والشراب ومعاشرة الأزواج فقط، ولكن مفهومه فى الإسلام أوسع من ذلك، فهو يتضمن الانقطاع عن الكلام فيما لا يفيد، فالغيبة والنميمة من مفسدات الصيام، فضلا عن أن الصوم لا يخص فقط المخلوقات البشرية، ولكن الأرض تصوم أيضا، والتى منها التراب المكون الأساسى للإنسان، فالمزارع يعلم أن الأرض لا بد من الامتناع عن رويها بالمياه لفترة من الزمن حتى تقوى وتُبشر بمحصول زراعى وفير!.

ومما لاشك فيه أن الصوم مشقة على الإنسان، لما فيه من حرمان، يهدف لتقويم سلوكياته، ولتربية نوازعه، ولتقوية إرادته، ولتهذيب أخلاقياته، وليُعلمه الاقتصاد فى حياته، فلا للبذخ والإسراف، فالنِعَم لا تدوم، كما أنه ليس شهرا للنوم والكسل، ولا للهو والمرح، ولا لكل ما يقال عنه «سلى صيامك». الصيام فيه تجديد للجسد وللروح، من فوائده الصحية طرد كل ما هو فاسد فى الجسم، ومن الناحية الفكرية، يمنح للإنسان فرصة عمل قطيعة مؤقتة مع الماضى، ليراجع ويحاسب نفسه، وهذا كله نجده فى أيام الاعتكاف ــ الأيام الأخيرة من رمضان، وبالنسبة لى شخصيا أجد فيه تجديدا للفكر، أمتنع فيه عن التفكير وليس التفكر فى ملكوت الله سبحانه، أمتنع عن الإنتاج الفكرى والذهنى، خاصة إذا صادف فصل الصيف حيث فيه الإجازات السنوية التى تريح الإنسان من مشقة أعمال عام كامل.

هكذا كنت أنوى الانقطاع عن العمل الفكرى بكل أشكاله فى هذا الشهر الفضيل، ولأننى أعرف ما فيه من مشقة، فأستقبله بالخشوع وبالتقوى، وليس بالتهليل وكأنه عيد الفطر الذى نكسر فيه الحرمان عن كل ما هو محلل لنا!، إلا أن بعض الظواهر اللغوية الجديدة والغريبة علينا استفزتنى على الكتابة، ومن أهم هذه المظاهر أن أغلب الشعب المصرى أصبح يستقبل كل حدث جاد وهام يتعلق بحاضره وبمستقبله وبمصيره بالرقص والزمر، وبإقامة الأفراح وليالى الملاح! وهذا واضح فى كل مناسبة سياسية أو دينية دون التفريق بين الجد والهزل، فكله فى ميزان واحد!

***
هذه الظاهرة التى رأيت أنها تستحق منا الدراسة، خَلطت المتضادات بعضها ببعض: خلطت الثابت بالمتغير، كتدخل الدين فى السياسة، والسياسة فى الدين؛ وخلطت الجد بالهزل، كاستفتاءات أو انتخابات سياسية جادة يُقترع عليها بالرقص والزمر؛ وخلطت الخشوع بالعصيان، كاحتفالنا بشهر رمضان المعظم ببعض المسلسلات الهزيلة، وبالإعلانات المُترفة، وبالبرامج «الرامزية» المليئة بالإسفاف، وبالأفلام المثيرة للغرائز؛ وخلطت الاقتصاد بالإسراف، كالمبالغة فى شراء المواد الغذائية، والتبذير فى وجبات الإفطار، والزينة المستهلكة للكهرباء فيما لا داعى له، والتى أكثرها مسروق من عواميد الإنارة فى الشوارع، فخلطت بين الحلال والحرام؛ كما خلطت العمل الجاد باللهو والكسل، كالسهر طوال الليل والنوم طوال النهار؛ وخلطت الضوضاء بالسكينة التى تتطلبها الروحانيات والعبادات، فهذا كله فيه نسخ لمفاهيم شهر رمضان الذى أُنزل فيه القرآن، وفيها أيضا تعارض مع الغرض الأساسى من الصيام كما فى قوله تعالى «لعلكم تتقون»!

ونجد من أهم ملامح نسخ المفاهيم فى اللغة، والتى ظهرت فى وسائل التواصل الاجتماعى ــ كالفيسبوك وتويتر، تعبيرات جديدة للتهنئة بالشهر الكريم، لم نكن نسمع عنها من قبل، فمن المعروف أن كل مناسبة دينية أو اجتماعية أو غيرها لها ما يناسبها من التعبيرات، فتهنئة شهر رمضان معروفة منذ قديم الأزل: «رمضان كريم»، والرد عليها: «الله أكرم» أو «صيام مقبول»، وليس كما يقول دعاة النسخ والتغريب عندما يكتبون باللغة الإنجليزية happy Ramadan، وبالفرنسية joyeux Ramadan!، وترجمة كلاهما رمضان «سعيد»، مع العلم بأن اللفظين الفرنسى والإنجليزى يستعملان للتعبير عن الفرحة فى الأعياد التى فيها اللعب والمرح مثل أعياد الميلاد، وعيد ميلاد المسيح فقط، وعليه يجب أن يُنقل تعبير رمضان كريم كما هو Ramadan Karim لأى لغة أخرى، وهو ما يسمى بالتعريب وبالتعجيم، فهذه تدخل ضمن المصطلحات «المصكوكة» التى لا يمكن ترجمتها، لأنها تُعبر عن مفاهيم خاصة مقترنة بمعتقدات دينية وحضارية معينة.

وفى المقابل، ظهرت منذ عدة سنين موجات لأسلمة الحياة السياسة والاجتماعية، بدأت بدخول تعبيرات غير معتادين عليها، كان الهدف منها إلغاء كل ما هو مرتبط بحضارتنا المصرية والعربية، فأُلغيت تحية «صباح الخير»، و«مساء الخير»، وحلت محلها «السلام عليكم» باعتبارها تحية «الإسلام»، مع العلم بأن «صباح ومساء الخير» لا يتعارضان مع مفاهيم الإسلام، بل فيهما تفصيل زمنى، وليس معنى ذلك أننى ضد تحية «السلام عليكم»، ولكننى ضد أن تكون هى التحية المفروضة بين المسلمين، ودونها هو من غير الإسلام أو ما بين الكفار!

***
ولأن كل شىء «اصطناعى» هو غير مفهوم، وبالتالى يصبح عبثيا، فمنذ نحو عشرة سنين ظهر تعبير جديد: «اللهم بلغنا رمضان»، ويُروج له قبل رمضان بستة أشهر! وفى الحقيقة لم أفهم ما المقصود به بالضبط، ولماذا لم يقولوا «اللهم بلغنا ذى الحجة»، والحج ركن من أركان الإسلام مثل الصيام! أو اللهم بلغنا «شوال»! وهو عيد للفرحة، وانتهاء لمشقة الصيام والحرمان من مُحللات الحياة الدنيا، هذا التعبير ذكرنى أيضا ــ مع موجة التدين «المظهرى» التى اكتسحت ثقافتنا فى سبعينيات القرن الماضى ــ بالمسميات الجديدة التى أطلقت على المحال التجارية، فرأينا على سبيل المثال «السوبر ماركت الإسلامى»، و«الصيدلانية الإسلامية»، فكان أول استفسار لى: هل هذه المنشآت تبيع أغذية وأدوية لها علاقة بالدين الإسلامى، أو أنها ستوزع بضائعها صدقة على الزبائن؟!

وفى السنين القليلة الماضية دخل علينا تعبير جديد لم أكن شخصيا أفهم معناه، وهو الدعاء للمريض «اللهم اشفه شفاء لا يغادر سقما»، والمعتاد لدينا نحن المصريين أن نقول: «ألف سلامة»، أو «ربنا يشفيه»، وبهذا أصبح للدعاء صبغة دينية إسلامية، وهكذا حسرنا الدعاء للمريض المسلم فقط!

وتعتبر هذه الظاهرة اللغوية الجديدة مسخا لعادات وتقاليد المصريين، لقد بدأ «الإسلاميون» باستخدام تعبيرات فى الحياة الاجتماعية مثل: «اللهم بلغنا رمضان»، و«شفاء لا يغادره سقما»، و«اللهم اجعله فى ميزان حسناتك»، و«اللهم اجعلنا من أهل الجنة» (ومضمونها: اللهم أجعل الآخرين من أهل النار)؛ وفى الحياة السياسة: «غزوة الصناديق»، وجمعة «الغضب»، وجمعة «التطهير»، وجمعة «الصمود»، «وسحرة فرعون»، هذه كلها شعارات ذات مضامين دينية، المقصود بها محاولة صريحة لإقحام الدين فى الحياة الاجتماعية تمهيدا لتمكين الإسلام السياسى، واعتبار 25 يناير ثورة إسلامية، أو ثورة «الإخوان»!، وأما «التُغَريبيون» فهم يحاولون الدفاع عن أنفسهم بتعريب مصطلحات ومفاهيم غربية، وإقحامها فى حياتنا اليومية، وهذا فيه مسخ لكل ما هو دينى، واستحداث أعياد بمفاهيم غربية كعيد «الهالوين» و«الفالنتين»... إلخ.

وهكذا يتبين لنا من بين التعبيرات السابقة المتناقضة فى مدلولاتها حالة الاستقطاب التى يمر بها شعبنا المصرى الطيب الذى لم يعرف فى تاريخه تطرفا أو عداء للآخر! فهى حالة تعكس الاضطراب النفسى التى نمر به، نظرا للتغيرات السريعة التى حدثت أخيرا، ونظرا للصراع بين الأصوليين من جهة، والتغريبيين من جهة أخرى، وتكشف أيضا عن صراعات المجتمع الداخلية التى يعانى منها الجميع!
وختاما رمضان كريم وصيام مقبول للجميع.

أكرم السيسى أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض
التعليقات