ومضات جغرافية فى لوحات محمود سعيد! - عاطف معتمد - بوابة الشروق
السبت 22 يونيو 2024 3:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

ومضات جغرافية فى لوحات محمود سعيد!

نشر فى : الثلاثاء 21 مايو 2024 - 6:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 21 مايو 2024 - 8:00 م

تشهد الجغرافيا الثقافية اهتماما باللوحات الفنية لمعرفة التغيرات البيئية والاجتماعية التى حدثت عبر السنين. وفى المقال الحالى سأطبق هذا المنهج على اثنين من أجمل لوحات الفنان المصرى العالمى محمود سعيد (1897-1964).

يمكن فى حالة محمود سعيد تصديق الرأى القائل بأن الإبداع ــ ولا سيما الفنى ــ لا يتحصل إلا بيسر العيش، وثروة آمنة، ومكانة اجتماعية مرموقة، وتعليم فى مدارس الشرق والغرب، وأسفار فى الشمال والجنوب.

وربما يجادل البعض بالقول إن الإبداع لا يعرف طبقة اجتماعية وأن فقراء كثر بزغوا من رحم الفقر، ولا اعتراض على ذلك.. إلا فى حالة محمود سعيد!

فريشة هذا الفنان قامت فى الأساس على الانتماء لأسرة ثرية ذات نفوذ، ثم تلقى تعليمه فى فرنسا، ثم السفر والترحال والسياحة والاكتشاف، كما كان فى بيته الثرى الرفيع خدم من سيدات حبشيات ونوبيات ومصريات، صور كثير منهن، فى زيهن التقليدى أو عراة، كاشفا عما يقوله بعض الفنانين من أنه لا يمكن الاعتراف بالفنان إلا إذا أتقن تصوير الجسد عاريا، مستعرضا تكورات النهدين وانحناءات البطن وانسياب الساقين.

•الكرنفال المبهج فى «بنات بحرى»

 

تعرف اللوحة المرفقة باسم «فى المدينة» وقد رسمها محمود سعيد فى عام 1937. والمدينة المقصودة هنا هى الإسكندرية. ولم يكن الفنان فى حاجة لأن يعطى الاسم كاملا لأن الناظر عارف لا محالة أن المشهد فى الإسكندرية لا فى القاهرة أو أية مدينة عالمية أخرى.

أما اسم «بنات بحرى» فهو الاسم الشائع للجزء الأوسط من اللوحة الذى يبين ثلاث فتيات فى الزى الشعبى لتلك الفترة.

و«بحرى» هنا هو ذلك الشطر من مدينة الإسكندرية القريب من الجمرك وميناء صيد الأسماك وبه كل المعاملات التجارية والدولية والنشاط الأهلى أو البلدى.

غير بعيد عن مشهد اللوحة يجب أن نقابل مصب ترعة المحمودية التى اندثرت اليوم، وعلى مرمى حجر الميناء الشرقى وحى الجمرك، وحى القناصل الشهير باسم المنشية.

إذا قلنا «بحرى» فنحن نقصد الإسكندرية البطلمية التى أسسها الإسكندر الأكبر، فالإسكندر هو الذى أمر هنا بمد جسر برى (هيبتاستاديون) بين المدينة وجزيرة فاروس لتحاكى الموانئ الفينيقية واليونانية.

لو زرت هذه المنطقة اليوم فلن تجد فيها ذلك المشهد الكرنفالى البهيج.

لقد حشد الفنان المبدع كل الألوان النابضة فى صورة واحدة. ويمكن تقسيم اللوحة بصريا إلى عدة مشاهد:

- بائع العرقسوس الذى يحمل ملامح أسوانية أو نوبية، وقد أعطاه الفنان ملامح وسطية ما بين جدية العمل وسماحة البيع والشراء.

- رجل يمتطى حمارا ويحمل طفلا معلقة عيناه ببائع العرقسوس. تشبه ملامح الرجل نسخة بالكربون من ملامح إخناتون فى بعض تصاويره فى تل العمارنة فى المنيا. يجلس الرجل على هيئة غريبة تناسب جلوس السيدات لا الرجال، وقد زين رأس حماره بعلامة خمسة وخميسة اتقاء لعيون الحاسدين.

- ثلاث فاتنات رشيقات هيفاوات، يتصدرن الصورة فى أزياء شعبية مزركشة تجمع تلك الفتنة المتناقضة التى تمسك بالاحتشام من ناحية وإظهار المفاتن من ناحية أخرى، وتزاوج ذلك السحر الشرقى لدى المرأة التى تبدى تمنعا وانصرافا بعيون حوراء بينما كل شىء يقول إنها تنتظر الثناء والإطراء والإعجاب.

- كومبارس من بعض نساء يحملن أوانى المياه الفخارية لحمل الماء العذب ربما من مكان قريب من ترعة المحمودية أو مصدر مركزى لمياه الشرب.

- تلال مرتفعة فى خلفية الصورة اختفت اليوم تماما من الإسكندرية وكانت عالية بمناسيب 30 مترا قبل أن تهدمها المحاجر وتسوى بها الأرض وتصبح الإسكندرية اليوم «مسطحة» شكلا ومضمونا.

- الميناء البحرى وفيه مراكب متواضعة للصيد ملأت أشرعتها البيضاء رياح شمالية.

واللوحة صورة ديناميكية عامرة بالحركة، الكل يتحرك فى اتجاهات مغايرة ليصنع ذلك التدفق فى الصورة، والألوان الحارة أو الساخنة أضفت بعدا ثالثا للطاقة المنبعثة من الأجساد والأرواح.

إن مرور ما يقرب من 90 سنة على هذه اللوحة يجعلها ــ وفقا لزملائنا فى المدرسة الجغرافية الفرنسية ــ مادة أرشيفية لا تقل أهمية عن الوثيقة والخريطة القديمة للتعرف على الماضى الذى تغير جذريا اليوم. صحيح أن هذا عمل فنى وليس خريطة علمية، وفيه رؤية الفنان الذاتية، لكنها تبقى محتفظة بما لا يمكن التعرف عليه إلا منها دون سواها.

 (2) راعية العلمين

قبل عدة سنوات، بيعت اللوحة المرفقة للفنان المصرى محمود سعيد (1897-1964) بمبلغ يقترب من مليون دولار. تحمل اللوحة عنوانا باللغة الفرنسية «Bergère à Alamein» وهو عنوان متوقع لأن «راعية العلمين» هى بطلة المشهد، تمتطى بشكل استعراضى حمارا رشيقا، وترنو إلى الأفق واثقة ممشوقة القوام، فى اتساق مع بيئة الصحراء الساحلية.

واللوحة التى بين أيدينا عن «راعية العلمين» ذات أهمية بيئية وثقافية، أخذا فى الاعتبار التغيرات التى دخلت على مشهد الأرض فى منطقة العلمين. وقد قرأت  فى اللوحة أربعة ملامح:

    •   ثلاثة رعاة، شيخ بثياب بيضاء فى الطرف الأيمن، وخلفه راعية تمثل دور الكومبارس، ثم بطلة اللوحة بثياب بهى يجمع بين الأحمر المزركش والأسود الوقور. وإذا سألنا سكان منطقة العلمين حاليا عن صورة هذه المرأة لوقعوا فى حيرة. فالقبيلة هنا تضم نساء وفتيات من جذور مختلفة، معظمها من قبائل هاجرت من شبه الجزيرة العربية قبل نحو ألف سنة، وبعضها أمازيغى جاء من الشمال الغربى لإفريقيا، وبعضها أفريقى قح جاء مع تجارة الرقيق. وبالتالى تسمح ملامح الفتاة بجدال أنثروبولوجى حول الأصول التى تنتمى إليها. ومن المستبعد أن يكون محمود سعيد قد صور الفتاة تصويرا استشراقيا فى الملامح، وإن كانت الهيئة الاستشراقية حاضرة فى طبيعة جلوس الفتاة على حمارها الرشيق.

    •   فى منتصف الصورة مسطح مائى ضحل تمثله فى الجغرافيا الطبيعية بحيرة مريوط، أو بالأدق الذراع الأقصى للبحيرة ناحية الغرب. ولأن محمود سعيد رسم هذه اللوحة فى عام 1959 فقد كانت بيئة نهر النيل والميزانية المائية لبحيرات شمال الدلتا ــ ومن بينها مريوط ــ مختلفة عن وضعها المنكمش حاليا بعد بناء السدود والإفراط فى الرى والزراعة وكثافة السكان. على شواطئ هذه البحيرة صور سعيد تصويرا دقيقا التربة «اللومية» وهى تربة بنية تجمع بين الطمى والرمل، كما نثر هنا وهناك بعض حشائش موسمية أشهرها فى الإقليم المثنان والرطريط، وعلى هذه الحشائش ترعى بضع عنزات، وفى الأفق نخلتان على أطراف الرمل والطين.

    •   خلف ذراع بحيرة مريوط __ــ وكنطاق فاصل عن البحر المتوسط ــ تمتد سلسلة من الكثبان الرملية البيضاء التى وصف الرحالة بياضها عبر العصور بمسمى «بياض الثلج» كما وصفوا ملمسها «المرمل» بمسمى «الرمال البطروخية» فى تذكرة بملمس بطروخ السمك. هذه الغرود الرملية كانت فى ذلك الزمن تعطى مشهدا ساحرا لا نظير له فى العالم وقد أتت عليها جرافات القرى السياحية فى العقود الأخيرة وسوتها بالأرض لتقيم القلاع الخرسانية فى قرية مارينا وما حولها.

    •   البحر المتوسط، وقد مثله سعيد على غير هيئة الحقيقة المائجة الهائجة، فجعله بحرا هادئا، بل إنه حين وضع مركبا للدلالة على الصيد الشراعى البدائى بدت الصورة وكأنه يصور بحر النيل. ولا يمكن القول هنا إن فى ذلك تصويرا مغايرا للطبيعة، بقدر ما فيه من رؤى فنية تتجاوز فكرة الواقعية التصويرية.

عاطف معتمد الدكتور عاطف معتمد
التعليقات