فى قلب الفضاء الرقمى الذى بشّر ذات يوم بتوسيع دوائر الحوار وتحرير تدفق المعرفة، تتشكل اليوم أنماط مغايرة من التفاعل، أقرب إلى «اقتصاد خفى» لإنتاج الكراهية وتدويرها. فالمشاهد اليومية على منصات التراشق الاجتماعى لا تعكس دائمًا اختلافًا طبيعيًا فى الرأى بقدر ما تكشف عن هندسة متعمدة للاستقطاب، تُدار عبر شبكات حسابات منسقة، وخوارزميات تُكافئ المحتوى الأكثر إثارة للانفعال، وتقاطعات مصالح تتجاوز حدود الأفراد إلى مؤسسات ودول.
المدخل إلى فهم هذه الظاهرة يمر عبر تحليل البنية التى تحكم المنصات نفسها. فخوارزميات التوصية لا تبحث عن «الأصدق» بقدر ما تُعلى من «الأكثر تفاعلًا»، والتفاعل ــ فى بيئات منقسمة ــ يرتبط غالبًا بالغضب والخوف والهوية. عند هذه النقطة، يصبح الانقسام موردًا اقتصاديًا، وتتحول الفتنة إلى «سلعة رقمية» قابلة للإنتاج والتوزيع. من هنا، تتلاقى مصالح صانعى المحتوى الباحثين عن الانتشار مع فاعلين منظمين يسعون لتوجيه الرأى العام أو تفكيكه.
وتُظهر الأدبيات الحديثة فى تحليل الشبكات الاجتماعية أن الحسابات الآلية وشبه الآلية (Bots & Cyborgs) قادرة على ضخ عدد هائل من الرسائل خلال فترة قصيرة، بما يخلق انطباعًا زائفًا بوجود رأى عام كاسح. ومن الدراسات ما يحلل ملايين التغريدات التى أطلقت خلال أحداث سياسية كبرى، وكيف أن هذه الحسابات تضخّم الخطاب العدائى، وتدفع المستخدمين الحقيقيين إلى تبنّى نبرة أكثر حدة، عبر «سلوك القطيع». ويزداد الأثر حين تتكامل هذه الشبكات مع «غرف الصدى»؛ حيث يُعاد تدوير نفس السرديات داخل دوائر متجانسة، فتكتسب بمرور الوقت صفة «الحقيقة الاجتماعية» رغم ضعف سندها الواقعى.
هذا النمط من «تصنيع وإدارة الفتن» لم يعد افتراضيًا فى حدوده. الوقائع الموثقة فى الانتخابات والاستفتاءات بعدة دول كشفت عن دور ملموس لشبكات منظمة فى نشر محتوى منخفض المصداقية، واستهداف فئات بعينها برسائل مصممة وفق ميولها النفسية. وفى العالم العربى، رُصدت حملات ممنهجة تُعيد إحياء قضايا تاريخية أو طائفية (مثل أحداث الفتنة الكبرى)، وتربطها بأحداث راهنة لإشعال التوتر، مع استخدام مكثّف للوسوم (Hashtags) لرفعها إلى صدارة النقاش.
• • •
تزداد خطورة الظاهرة مع دخول أدوات الذكاء الاصطناعى التوليدى، التى تتيح إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو عالية الإقناع بتكلفة زهيدة. لم يعد الأمر مقتصرًا على حسابات مكررة الرسائل، بل بات يشمل «هويات رقمية» كاملة قادرة على التفاعل والتأثير، ما يرفع تكلفة التحقق على المستخدم العادى، ويُربك آليات الفرز بين الحقيقى والمصطنع.
البعد الجيوسياسى حاضر بقوة فى هذا المشهد. إدارة الصراع عبر المنصات تمثل أداة منخفضة التكلفة مقارنة بالوسائل التقليدية، وتسمح بإضعاف الخصوم من الداخل عبر تفكيك الثقة، إقحام المجتمعات فى صراعات هامشية. «حروب الإدراك» هذه لا تستهدف تغيير الوقائع بقدر ما تسعى لتغيير طريقة فهمها، وهو ما ينعكس مباشرة على قدرة الدول على اتخاذ قرارات رشيدة فى توقيتات حرجة.
وعلى المستوى الاقتصادى، تتجلى آثار «اقتصاد الفتنة» فى عدة قنوات متشابكة. أولها تكلفة الفرصة البديلة أو الضائعة؛ إذ يُستنزف جزءا معتبرا من الوقت والجهد المجتمعى فى جدل عقيم، على حساب الإنتاج والتعلم والعمل التعاونى.. وثانيها تآكل الثقة، وهو عنصر حاسم فى الاقتصاد المؤسسى؛ فكلما تراجعت الثقة بين الأفراد وفى المؤسسات، ارتفعت تكاليف التعاقد والرقابة، وتباطأت حركة الاستثمار. وثالثها تضخم علاوة أو هامش المخاطر؛ فالمستثمر ــ المحلى والأجنبى ــ يقرأ مؤشرات الاستقطاب كإشارة إلى احتمالات عدم الاستقرار، فيطلب عائدًا أعلى لتعويض المخاطر، أو يُحجم عن الاستثمار من الأساس.
كما يظهر أثر مباشر على كفاءة الأسواق؛ فانتشار الشائعات والمعلومات المضللة يؤثر على قرارات المستهلكين، ويُحدث تقلبات فى أسعار الأصول، من العملات إلى الأسهم. حالات عديدة أظهرت كيف يمكن لحملة رقمية منسقة أن تدفع سلوكًا شرائيًا أو بيعيًا جماعيًا، بما يخلق موجات سعرية لا تستند إلى أساسات اقتصادية صلبة.
المنطقة العربية تبدو أكثر عرضة لهذه الممارسات لاعتبارات تتعلق بطبيعة تنوّعها الاجتماعى وتباينها الثقافى والمذهبي، واتساع استخدام المنصات، والفجوات فى الوعى الإعلامى. كما أن الإرث التاريخى لبعض القضايا يمنح صانعى الفتنة مواد خام جاهزة لإعادة التدوير، مع قابلية عالية للاشتعال حين تُقدّم فى سياق لحظى مشحون.
• • •
غير أن مواجهة الظاهرة لا تُختزل فى حلول تقنية بحتة، رغم أهميتها. فتعزيز قدرات المنصات على رصد الحسابات المنسقة وإغلاقها يظل خطوة ضرورية، لكنه غير كافٍ. فالأصل هو بناء مناعة مجتمعية عبر التعليم النقدى، وترسيخ مهارات التحقق، وتشجيع الخطاب العقلانى الذى يُكافئ الحجة لا الضجيج ويقبل الرأى الآخر. كما يقتضى الأمر شفافية أكبر من جانب المنصات حول آليات التوصية، وإتاحة أدوات للمستخدمين لفهم لماذا تلح عليهم المادة التى يرونها باستمرار!.
على صعيد السياسات العامة، تبرز الحاجة إلى أطر تنظيمية توازن بين حرية التعبير وحماية المجال العام من التلاعب المنظم، مع تطوير قدرات وطنية فى تحليل البيانات ورصد الحملات المنسقة. ويظل دور النخب الفكرية والإعلامية محوريًا فى إعادة توجيه النقاش نحو القضايا الجوهرية، وتفكيك السرديات التى تُغذّى الانقسام.
ختامًا، فإن ما يجرى على منصات التراشق الاجتماعى لا يمكن قراءته بوصفه تفاعلات عفوية أو مجرد انفعالات لحظية، بل هو أقرب إلى منظومة متكاملة تُدار بمنطق اقتصادى دقيق؛ حيث تتدفق المدخلات فى صورة بيانات وسلوكيات رقمية تُلتقط وتُحلل، ثم تُعاد معالجتها عبر خوارزميات وشبكات منظمة، لتُنتج فى النهاية حالة من الاستقطاب الحاد، لا تقف عند حد التعبير، بل تُعاد تغذيتها واستثمارها فى دورات متتابعة من الانقسام والتوتر. هذه الحلقة المغلقة تُشبه فى بنيتها سلاسل القيمة الاقتصادية، غير أن منتجها ليس سلعة مادية، بل مناخ اجتماعى مشحون، تتآكل فيه مساحات الثقة ويضيق فيه هامش العقلانية.
وفى ظل هذا التحول، يغدو من القصور الاكتفاء بالمقاييس التقليدية لقوة الدول، تلك التى تركز على معدلات الإنتاج، وحجم الاحتياطيات، وقدرة الاقتصاد على توليد النمو. فثمة بعد آخر يفرض نفسه بإلحاح، يتمثل فى رصيد الوعى الجمعى، بما يحمله من قدرة على التمييز، والتحقق، ومقاومة الانجرار وراء حملات التلاعب المنظم. هذا الرصيد لا يتشكل بين ليلة وضحاها، بل يُبنى عبر التعليم، والإعلام المسئول، وتجارب تراكمية تعزز مناعة المجتمع تجاه الاستقطاب المصطنع.
وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحدد الفارق بين مجتمع قادر على توظيف اختلافاته بوصفها مصدرًا للتنوع والإثراء، ومجتمع آخر تتحول فيه هذه الاختلافات إلى شروخ عميقة تُستغل لإضعافه من الداخل. فكلما ارتفعت كفاءة الوعى الجمعى، ازدادت قدرة المجتمع على امتصاص الصدمات المعلوماتية، وإعادة توجيه النقاش نحو مسارات بنّاءة، بما يحول دون تحوله إلى وقود لصراعات مفتوحة لا تحقق نفعًا، ولا تُبقى من كلفة إلا ما يُثقل كاهل الاقتصاد ويستنزف رصيده من الاستقرار.
وفى هذا السياق، يمكن الاستدلال بواقعة حديثة جرى توظيفها رقميًا على نحو كاشف لآليات «صناعة الفتنة»؛ حيث تحولت أصداء خطبة عيدية حضرها عبدالفتاح السيسى فى مسجد الفتاح العليم إلى مادة خام لحملات تراشق طائفى على المنصات. فقد أُعيد اقتطاع مقاطع مجتزأة من السياق، وإعادة تدويرها عبر حسابات كثيفة النشاط، مصحوبة بتعليقات تؤطر الحدث ضمن ثنائية «سنة/ شيعة»، وتدفع باتهامات من قبيل الشرك والابتداع والتشيّع. اللافت هنا ليس مضمون النقاش بقدر ما هو نمط انتشاره؛ إذ بدا وكأن ثمة تنسيقًا غير مرئى يدفع بالمحتوى ذاته عبر قنوات متعددة، مع توحيد فى الرسائل والوسوم، بما يخلق انطباعًا بزخم شعبى واسع. هذه الحالة تُجسد بوضوح كيف يمكن لواقعة دينية عابرة فى سياقها الطبيعى أن تُعاد هندستها رقميًا لتغذية انقسام مذهبى، بما يخدم منطق الإثارة والاستقطاب، ويؤكد أن المنصات قد تتحول ــ فى غياب الوعى والتمحيص ــ إلى مسارح مفتوحة لإدارة صراعات هوية تُستدعى عند الحاجة وتُضخّم عند الطلب.