ما زالت المقاربة بين الشركات والدول تتعثّر حينما يتعلّق الأمر بأهمية وطبيعة تدفقات رءوس الأموال وأزمات السيولة. فما يصلح لميزانية الشركات لا يستقيم بالضرورة فى موازنات الدول. الفرق بين الكلى والجزئى فى إدارة الاقتصاد لا يقتصر على تباين الحجم فقط، بل يمتد إلى طبيعة الالتزامات، وحدود المناورة، وأدوات إدارة الأزمات. ولعل مقالًا كتبه «بول كروجمان» فى تسعينيات القرن الماضى تحت عنوان «الدولة ليست شركة» يظل من أكثر الإشارات عمقًا فى هذا السياق، إذ حذّر مبكرًا من مغبة إسقاط مفاهيم الإدارة المالية للشركات على الاقتصاد الكلى للدول، خاصة إذا اقترنت بعض تدفقات الاستثمار إلى الدولة بعجز فى ميزان مدفوعاتها تنقلب معه تلك التدفقات إلى نقمة تضافع من أزمات الاقتصاد. وبينما يمكن لشركة أن تعلن إفلاسها وتصفّى أصولها أو تعيد هيكلة ديونها فى إطار قانونى واضح، فإن الدولة لا تملك تلك الرفاهية؛ فهى تبقى مسئولة عن استقرار عملتها، وتأمين احتياجات شعبها الأساسية، والحفاظ على تماسكها الاجتماعى والسياسى، حتى فى أشد لحظات الضيق المالى.
إن السيولة بالنسبة للدول ليست مجرد مؤشر مالى، بل هى شريان الحياة الذى تتدفق عبره القدرة على الوفاء بالالتزامات الخارجية، وتأمين الواردات الحيوية، والحفاظ على استقرار العملة. ومن ثم، فإن أى اهتزاز فى هذا الشريان يُترجم سريعًا إلى ضغوط على سعر الصرف، وتآكل الاحتياطيات، وارتفاع تكلفة الاقتراض، وهو ما يُدخل الاقتصاد فى حلقة مفرغة من الأزمات يصعب كسرها دون تدخلات حاسمة. وفى هذا الصدد، يشير صندوق النقد الدولى فى تقاريره الدورية إلى أن إدارة السيولة الخارجية تُعد من أهم محددات الاستقرار الاقتصادى الكلى، وأن الدول التى تفشل فى موازنة التزاماتها قصيرة الأجل مع مواردها المتاحة تكون أكثر عرضة للصدمات، حتى وإن كانت مؤشرات الدين إلى الناتج تبدو فى حدود آمنة. فالسيولة ليست مسألة أرقام فحسب؛ إنها القدرة على تحويل الالتزامات النظرية إلى وفاء فعلى فى الوقت المناسب.
وعلى خلاف الشركات، لا تستطيع الدول توريق أصولها السيادية بسهولة، حتى وإن كانت تملك ثروات ضخمة من الأراضى أو الموارد الطبيعية. فهذه الأصول، فى كثير من الأحيان، غير قابلة للتسييل السريع دون تكاليف سياسية أو اجتماعية باهظة. فالشركة عندما تواجه أزمة سيولة يمكنها بيع وحدة أعمال أو مصنع أو ترخيص خلال أسابيع، لكن الدولة التى تحاول بيع أو إيجار أصولها السيادية ــ كمطار أو ميناء أو احتياطى نفطى ــ تواجه تحديات وطنية وسياسية قد تشل حركتها تمامًا. كما أن تقييم هذه الأصول يخضع لتقديرات سيادية معقدة، وليس لقوى السوق وحدها، وهو ما يجعل الاعتماد عليها كملاذ فورى للسيولة أمرًا محفوفًا بالمخاطر. وقد أكد البنك الدولى فى عدة دراسات أن هشاشة السيولة، لا حجم الدين وحده، هى ما يُحدد احتمالات التعثر، مشيرًا إلى أن امتلاك أصول ضخمة لا يغنى عن وجود احتياطيات سيولة سائلة وسهلة التداول.
• • •
قد تعددت التجارب الدولية التى تحوّلت فيها أزمة سيولة محدودة إلى أزمة ثقة شاملة. ففى تجربة الأرجنتين، لم تكن المشكلة فى حجم الأصول بقدر ما كانت فى القدرة على إدارة التدفقات النقدية قصيرة الأجل، وهو ما أدى إلى تعثرات متكررة، رغم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة. فالأرجنتين، التى تملك ثروات زراعية هائلة وموارد طبيعية متنوعة، وجدت نفسها ترزح تحت أعباء ديونها، ليس لأن أصولها أقل من ديونها، ولكن لأن السيولة اللازمة لخدمة الدين فى آجاله القصيرة كانت تنضب بسرعة أكبر من قدرتها على تجديدها. وكذلك الحال فى سريلانكا؛ حيث قادت ندرة النقد الأجنبى إلى شلل شبه كامل فى الاقتصاد، رغم وجود أصول سياحية وزراعية معتبرة. فقد عجزت سريلانكا عن استيراد الغذاء والدواء والوقود، ليس لأنها تفتقر إلى الثروات، بل لأنها فقدت القدرة على تحويل هذه الثروات إلى سيولة أجنبية فى الوقت المناسب.
ولا يقف الأمر عند حدود المؤسسات الدولية، إذ تُشير تقارير بنوك الاستثمار الكبرى مثل «جولدمان ساكس» و«جى بى مورجان» إلى أن الأسواق باتت أكثر حساسية لمؤشرات السيولة، لا سيما فى الاقتصادات الناشئة، حيث يُنظر إلى أى تراجع فى الاحتياطيات أو فجوة تمويلية قصيرة الأجل باعتباره إشارة إنذار مبكر، تُترجم فورًا إلى خروج رءوس الأموال الساخنة وارتفاع علاوات المخاطر. ويذهب صندوق النقد الدولى إلى أن غياب استراتيجية واضحة لإدارة السيولة يمكن أن يحوّل أى صدمة خارجية، حتى وإن كانت محدودة، إلى أزمة مالية شاملة. أما البنك الدولى فيؤكد فى تحليلاته أن الدول التى تعتمد على أدوات تمويل قصيرة الأجل لتمويل عجز مستدام فى ميزان المدفوعات، تكون أقرب إلى حافة الأزمة مما تظهره أرقام الدين العام وحدها.
وهنا تتبدى خطورة حلقة التغذية العكسية بين السيولة والتصنيف الائتمانى. فمع تراجع السيولة، ترتفع احتمالات خفض التصنيف من قبل وكالات مثل موديز وستاندرد آند بورز وفيتش، وهو ما يؤدى بدوره إلى زيادة تكلفة الاقتراض، ومن ثم مزيد من الضغوط على السيولة. هذه الحلقة، إذا لم تُكسر بسياسات حاسمة، قد تُفضى إلى فقدان الوصول إلى الأسواق الدولية بالكامل. وتذكر وكالة فيتش فى تقاريرها أن خفض التصنيف الائتمانى لدولة ما لا يأتى فقط نتيجة ارتفاع الدين، بل غالبًا بسبب تدهور هيكل السيولة، أى العجز المتوقع فى تلبية الاحتياجات التمويلية قصيرة الأجل. وهذا يعنى أن الدول التى تبدو مؤشرات دينها مقبولة قد تجد نفسها فجأة فى دائرة التصنيف السلبى إذا أخلت بوثيرة إدارة سيولتها.
• • •
من ثم، فإن الحديث عن «أزمة سيولة» فى الخطاب الرسمى للدول يجب أن يُدار بحذر بالغ. فالكلمات فى هذا السياق ليست مجرد توصيف، بل هى إشارات للأسواق، وقد تتحول إلى نبوءة تحقق ذاتها. وتجربة اليونان تُظهر كيف أن تصاعد الخطاب المتشائم، إلى جانب الاختلالات الفعلية، عجّل وتيرة تفاقم الأزمة، وأفقد الدولة قدرتها على التمويل الذاتى فى وقت قصير. ففى ذروة أزمة الديون اليونانية، كان أى تصريح رسمى يتضمن تلميحات عن صعوبة الوفاء بالالتزامات يؤدى إلى ارتفاع حاد فى عوائد السندات وزيادة الضغط على السيولة، مما جعل الأزمة تتفاقم بمعدلات أسرع من قدرة السلطات على احتوائها. وهذا يظهر أن الخطاب الرسمى فى أزمات السيولة ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو أداة تؤثر فى توقعات السوق، وبالتالى فى مصير الأزمة نفسها.
ولعل من المفيد أيضًا استحضار مقولة «جون ماينارد كينز»: «الأسواق يمكن أن تظل غير عقلانية لفترة أطول مما يمكنك أن تظل قادرًا على البقاء»، وهى مقولة تُلخّص جوهر أزمة السيولة فى الدول؛ فحتى لو كانت الأسس الاقتصادية متينة نسبيًا، فإن فقدان الثقة قد يُعجّل بالأزمة قبل أن تُتاح الفرصة لمعالجتها. هذه العبارة تحمل فى طياتها درسًا قاسيًا للدول التى تواجه أزمات سيولة: ليس المهم فقط أن تكون قادرًا على السداد، بل أن يظل السوق واثقًا من قدرتك على السداد. وهذا ما يجعل إدارة الثقة والسيولة وجهين لعملة واحدة. وكثيرًا ما استشهدت مؤسسات مالية دولية بهذه المقولة فى تحليلاتها لأزمات الأسواق الناشئة، مؤكدة أن الأسواق تتفاعل غالبًا مع التصورات والتوقعات، وليس مع الحقائق الأساسية فقط.
وعليه، فإن إدارة السيولة فى الدول تتطلب مزيجًا دقيقًا من السياسات: تعزيز مصادر النقد الأجنبى المستدامة، تنويع أدوات التمويل، بناء احتياطيات وقائية، وإدارة الدين بآجال مريحة. كما تتطلب، بالقدر ذاته، خطابًا رسميًا منضبطًا، يوازن بين الشفافية وطمأنة الأسواق، دون تهوين مخل أو تهويل ضار. وقد أشارت تقارير جى بى مورجان إلى أن الدول التى نجحت فى تخطى أزمات السيولة كانت تلك التى جمعت بين إجراءات مالية حازمة وتواصل استباقى مع المستثمرين، مع الحفاظ على درجة من المرونة فى السياسات النقدية وسعر الصرف. كما شدد صندوق النقد الدولى على أن وجود إطار واضح لإدارة السيولة الخارجية، يتضمن سيناريوهات للضغوط وتدخلات طارئة، هو عنصر أساسى فى منع تحول أزمة السيولة إلى أزمة ديون شاملة.
ختامًا، السيولة ليست مجرد رقم فى دفاتر البنوك المركزية، بل هى انعكاس مباشر لثقة الداخل والخارج فى قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وهنا تعود أهمية تنبيه بول كروجمان مجددًا: فالدولة ليست شركة يمكنها بيع أصولها أو إعادة هيكلة نفسها بمعزل عن المجتمع، بل كيان سيادى تتشابك فيه السياسة بالاقتصاد، وتُصبح فيه إدارة السيولة مسألة بقاء لا مجرد خيار مالي. فالدول لا تُحلّ، ولا تُصفّى، ولا يمكنها أن تختار التوقف عن العمل لحين تحسن الظروف.
كاتب ومحلل اقتصادى