كيف يعمل «اقتصاد الظل» فى قطاع التصنيع المصرى؟ - أميرة الحداد - كارولين كرافت -إيرين سلوانس -راجي أسعد - بوابة الشروق
الجمعة 8 مايو 2026 8:01 م القاهرة

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

كيف يعمل «اقتصاد الظل» فى قطاع التصنيع المصرى؟

نشر فى : الخميس 7 مايو 2026 - 7:30 م | آخر تحديث : الخميس 7 مايو 2026 - 7:30 م

بين مطرقة ضعف الفرص وسندان التوظيف غير الرسمى، يجد قطاع الصناعات التحويلية فى مصر نفسه أمام تحدٍ مزدوج؛ إذ تمثل السمة غير الرسمية فى سوق العمل حافزًا لكلا طرفى التعاقد. فبينما تنتفع الشركات من انخفاض التكلفة والمرونة، يسعى العامل بدوره ليتكسّب أجرًا صافيًا أعلى، مدفوعًا بغياب القناعة بمزايا العمل الرسمى؛ فقد يرى الكثير من العمال أن الاستقطاعات التأمينية والضريبية لا تُقابلها منافع ملموسة أو شبكات أمان فعالة تعوض نقص الأجر الحالى. بيد أن السياسات الرامية إلى خلق وظائف رسمية، والتى تركز -حصرًا- على إنفاذ القانون، قد تأتى بنتائج عكسية من خلال رفع تكاليف التوظيف، ما يضع عائقًا إضافيًا أمام صناع السياسات.


يُمثل قطاع التصنيع حجر الأساس لخلق فرص العمل فى الاقتصاد، إلا أنّه لم ينجح فى خلق فرص كافية، وما يزال يزخر بالعمالة غير الرسمية، حتى داخل الشركات المسجلة، فخلق فرص العمل يتشكل عبر قوى متشابكة تتمثل فى قدرات الشركات وتوجهها السوقى، أى فى قدرتها على تبنى التكنولوجيا والابتكار والاندماج فى الأسواق الخارجية، حيث تتناسب تلك العوامل طرديًا مع ارتفاع معدلات التوظيف.


هنا تجدر الإشارة إلى أنّ عملية تبنى التكنولوجيا، والاستثمار فى البحث والتطوير، وتدريب العمالة، وزيادة المستوى التعليمى لدى المناصب الإدارية، تدفع إلى مستويات توظيف أعلى، حيث يلعب الشق الإدارى دورًا رئيسًا فى توسيع نطاق النشاط الإنتاجى، بينما يُعد الموقع الجغرافى ولا سيما المناطق الصناعية ركيزة أخرى، حيث تعكس بنية تحتية أفضل، وسهولة فى الوصول إلى الخدمات والمرافق، فضلًا عن مزايا التجمعات الصناعية.


وتمثل «الأجور المرتفعة» عائقًا لأصحاب الأعمال فى زيادة معدلات التوظيف، ما يعكس حساسية تجاه ارتفاع تكلفة التشغيل. وبالمثل، تميل المنشآت -ذات الملكية الفردية- إلى توظيف عدد أقل مقارنة بالأنواع الأخرى، ومما يثير التساؤل هو عدم انعكاس ارتفاع معدلات الإنتاجية على زيادة التوظيف، وذلك على الأرجح نتيجة لانكماش رغبة الشركات فى التوسع الإنتاجى. فالأزمة تكمن فى ندرة الكيانات القادرة على النمو والابتكار والتى تمتلك الجرأة على المنافسة؛ فبدون هذه الشركات القاطرة، تظل كفاءة التشغيل مجرد رقم جاف لا يشعر به المواطن فى سوق العمل.


أمّا نسبة العاملين «غير الرسميين» داخل المؤسسات الرسمية، فهى تقارب «الربع» فى المتوسط، بل تصل لنصف نسبة العمالة فى بعضها، حيث ترتفع تلك النسب فى شركات القطاع الخاص والمنشآت ذات الملكية الفردية، وأخرى تعتمد على العاملين بدوام جزئى، كما يظهر الأثر التكنولوجى جليًا، فالمنشآت التى لا تتبنى التكنولوجيا وتلك التى يتدنى فيها المستوى التعليمى لمديريها يبرز فيها الاعتماد على التوظيف غير الرسمى.


• • •
لا تكمن المعضلة أمام صانع القرار فى عوامل مثل «حجم الشركة» و«الأجور» و«الإنتاجية»، إذ لا تُعد هذه العوامل محدِّدًا لاستخدام العمالة غير الرسمية، بل إن استخدامها يمثل سلوكًا متعمدًا ضمن استراتيجيات المنشآت، لما يتيحه من قدر أكبر من المرونة التشغيلية وخفض تكاليف الإنتاج.


وتتحطم فرضية «النمو التلقائى» للشركات نحو القطاع الرسمى أمام صخرة الواقع المصرى؛ فعلى عكس الاعتقاد السائد بأنّ الشركات تتجه تلقائيًا بمرور الوقت وتوسع نشاطها إلى القطاع الرسمى، تُظهر الأرقام تغيرًا طفيفًا للغاية فى عملية التحول نحو التشغيل الرسمى الكامل، فالقيد الرسمى للمنشأة لا يتبعه بالضرورة تحول فى نمط التوظيف؛ إذ تشترك المنشآت التى نشأت رسمية وتلك التى تحولت إلى الرسمية فى تفضيل استبقاء العمالة غير الرسمية ضمن نماذج أعمالها، ما يعزز من فرضية أن القطاع غير الرسمى ليس مجرد مرحلة انتقالية، بل هو خيار هيكلى مقصود للمنشآت.


تجدر الإشارة إلى أنّ اقتصار صانع القرار على وضع مقاربات تسعى لزيادة إنفاذ لوائح العمل، من غير المرجح أن تؤتى ثمارها -رغم أهميتها- فإنها لا تعالج الحوافز الكامنة التى تدفع الشركات إلى هذا السلوك، وقد تؤدى إلى نتائج عكسية، ما يقلص فرص العمل نتيجة ارتفاع تكاليف التوظيف.


فما الآلية لتحفيز طرفى المعادلة فى سوق العمل؟
أولًا: تبنى سياسات فعالة لتقليل تكلفة التوظيف الرسمى عبر خفض تكاليف المعاملات، من خلال تسهيل الإجراءات الضريبية وخفض اشتراكات التأمين الاجتماعى أو دعمها، فضلًا عن زيادة المزايا التى يمنحها الطابع الرسمى من ضمان حقوق العمال، ورفع نسب الوصول إلى الخدمات والمرافق، والحماية الاجتماعية.


ثانيًا: ضرورة مواءمة سياسات سوق العمل مع السياسات الصناعية فى مصر، حيث يتعين دعم الشركات لتبنى التكنولوجيا، واقتحام أسواق التصدير، والارتقاء بالكفاءات والممارسات الإدارية، بحيث يعدو محركًا رئيسًا لزيادة نسب التوظيف الرسمى.


ثالثًا: تقديم المزيد من التسهيلات فى منح التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذى يدعم توسع أنشطتها وخلق فرص عمل قد تتحول إلى القطاع الرسمى فى سياق سياسات المتابعة والمراقبة.


رابعًا: استهداف السمة غير الرسمية داخل الشركات الرسمية ذاتها، وذلك عبر تكييف أنظمة الحماية الاجتماعية لتلائم ترتيبات العمل غير النمطية، مثل مواءمة الأجور واشتراكات التأمين مع ساعات العمل لاستيعاب التوظيف بدوام جزئى بشكل أفضل.


بين عجزٍ عن مجاراة سلاسل القيمة العالمية وانحسار رقعة التصدير فى كيانات معدودة، يجد قطاع الصناعات التحويلية نفسه مكبلًا عن تحقيق طفرات التوظيف المأمولة. فهذا الانكماش فى قدرة الشركات على التوسع هو النتيجة الحتمية لبيئة أعمال مصرية تفتقر لمقومات التنافسية والمنافسة، وتفرض على النشاط الاقتصادى قيودًا تجعل من التوسع عبئًا لا فرصة.


ختامًا: يتعين إدراك أنّ التصنيف الثنائى السائد للشركات -إما رسمية أو غير رسمية- هو قاصر فى جوهره، حيث تعمل العديد منها بمزيج من العمالة الرسمية وغير الرسمية، لذا يتعين أن تركز السياسات على الحد من السمة غير الرسمية، بدلًا من افتراض أن التسجيل الرسمى للشركة يمثل إجراءً كافيًا بحد ذاته، مع التوسع فى عمليات التوظيف بدوام جزئى.


فيستلزم التصدى لهذا السلوك، تبنى سياسة شاملة للسياسات العامة تتجاوز مجرد التشديد الرقابى، بل تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الاقتصادية التى تتخذ فى إطارها المنشآت والعمال قراراتهم، حيث يؤدى غياب تلك السياسة المتكاملة إلى خلق فرص عمل غير كافية، ما ينعكس على مسيرة التنمية الاقتصادية الشاملة.

أميرة الحداد - كارولين كرافت -إيرين سلوانس -راجي أسعد أميرة الحداد كبير الاقتصاديين، وزميلة أبحاث فى منتدى البحوث الاقتصادية (ERF) كارولين كرافت أستاذ مساعد الشئون العامة بجامعة مينيسوتا فى الولايات المتحدة إيرين سلوانس أستاذ الاقتصاد المساعدة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة راجي أسعد أستاذ الشئون العامة بجامعة مينيسوتا فى الولايات المتحدة
التعليقات