في حب البريستول - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 6 يوليه 2020 11:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

في حب البريستول

نشر فى : الخميس 23 أبريل 2020 - 8:10 م | آخر تحديث : الخميس 23 أبريل 2020 - 8:10 م

تتوقف السيارة أمام فندق البريستول بشارع ماري كوري في بيروت فإذا بحارس ضخم الجثة كث الشارب يرتدي زياً مميزاً، عبارة عن ردينجوت أسود وقبعة طويلة سوداء وقفازات بيضاء، يخف لفتح باب السيارة مرحباً، وبينما أدلف إلى الداخل عبر الباب الدوار يتولى أمر الحقائب عامل آخر من عمال الفندق. لم يُقَدَّر لي أبداً أن أعرف اسم هذا الحارس صاحب الطلة المميزة، لكنه كان ودودًا في حدود ما تسمح به وظيفته وكان وجوده جزءاً لا يتجزأ من تقاليد الفندق العريق، ففي معظم المرات التي توَقفَت فيها السيارة أمام البريستول كان الرجل موجودا، تعطيك أناقته انطباعاً بأنك مدعو لحفل راقص في خمسينيات القرن الماضي حيث يتخاصر شبان يرتدون الردينجوت مع شابات ترتدين ملابس السهرة المنتفخة بفعل الچيبونات السلك أسفلها، عموماً فإن الحال داخل الفندق لن يبعد بنا كثيراً عن هذا الخيال. في المساء ستسود بهو الفندق المزدان بلوحات زيتية بديعة أجواء احتفالية، وسوف تنبعث الموسيقي الهادئة من البيانو الكبير هناك في الزاوية بينما تتواثب بخفة أنامل شابة على درجات السلم الموسيقي. أول مرة حللتُ فيها بفندق البريستول في نهاية التسعينيات مثّل الأمر بالنسبة لي نقلة حضارية، فقبل هذا التاريخ كانت خبرتي مع فنادق بيروت تنحصر في فندقين اثنين، فندق مشرق وهو فندق متواضع محدود الغرف والخدمات يقع في شارع مواز لشارع الحمرا، وفندق كارلتون المطل على الروشة وكان ذائع الصيت في الستينيات والسبعينيات ثم تدهور وضعه بسبب الحرب الأهلية وأخيراً هُدم وقامت على أنقاضه أبراج سكنية، لكن من يحب بيروت يحبها في كل أحوالها.. يحب كل ما فيها ويحب كل من فيها، وأنا أحب بيروت. وهكذا استقبلني البريستول لأول مرة فودعتُ معه ذكريات وبدأتُ ذكريات أخري وشعرتُ كما لو أنني أتعرف على بيروت أخرى غير التي عايشتها.
***
لم يكن مطبخ البريستول هو فقط مطبخ الطعام الأشهى- بالمعنى الحرفي لكلمة مطبخ- بشهادة أهل بيروت، لكنه أيضاً كان مطبخًا بالمعنى السياسي المجازي ففيه كانت تُطبَخ الصفقات فتنضج أحياناً وأحيانًا أخرى تحترق، ومن داخل هذا المطبخ السياسي انبثق كيان للقوى التي كانت تعارض الوجود السوري في لبنان مطلع هذه الألفية أُطلق عليه "لقاء البريستول"، وبالتدريج توسع الدور السياسي للبريستول وقصدته قوى الموالاة كما المعارضة. في قاعة اجتماعاته الكبيرة بالطابق الأرضي عُقدت عدة دورات للمؤتمر القومي العربي- هذا الإطار الذي جمع أطيافاً عديدة تؤمن في الجوهر بالفكرة العربية وتختلف بعد ذلك في التفاصيل، ومن داخل نفس القاعة أطلق مركز دراسات الوحدة العربية المشروع النهضوي العربي، وفيما بين هذين الحدين اتسعت قاعة الطابق الأرضي لعشرات الندوات الفكرية واستضافت العديد من اجتماعات المنظمات الإقليمية وفروع المنظمات الدولية فالمكان كما يقولون يليق بالمقام. وهكذا صار من المَشاهد المألوفة بالنسبة لنزلاء البريستول أن يمروا بدولة الرئيس الحالي أو دولة الرئيس السابق وقد انتبذ مكاناً قصياً ليجري حواراً تليڤزيونيا مع إحدى الفضائيات الشهيرة فلا يجد الرجل من يتجمهر حوله بعد أن أطفأ التعود شهوة الفضول. بمعنى من المعاني يمكن القول إن فندق البريستول هو امتداد لفندق كارلتون أيام عزه عندما كان الأخير مقصداً للساسة والمثقفين والفنانين وملكات الجمال، وباسمه ارتبط التكتل السياسي الذي أطلق عليه "مجمع الكارلتون النيابي" بهدف التفاهم على شخص رئيس الجمهورية.
***
آخر مرة زرت فيها بيروت وأقمت في فندق البريستول كانت قبيل انطلاق الحراك الشعبي في أكتوبر الماضي، وكانت المناسبة حضور مؤتمر "تحدي تجديد العروبة " الذي نظمه النادي الثقافي العربي بمناسبة مرور ثلاثة أرباع قرن على تأسيسه. في هذه الزيارة لم يُشعرني البريستول بالغربة قط مع أن زيارتي له جاءت بعد فترة انقطاع طويلة نسبياً ترددت فيها على فنادق مختلفة، ففي البعد لم يفت الفندق العريق أن يبعث لي مهنئا بعيد ميلادي عاماً تلو عام، وعندما انتهى الفندق من تجديد مبناه بشرني بقرب إعادة افتتاحه في حلته القديمة المتجددة. هذا التواصل رغم البعد مهم جداً لأنه لا يسمح بتكوين الجليد وإن هو تكوّن أذابه، وهكذا فعندما زرته لآخر مرة كان تقريباً كل شئ على حاله، من أول الإناء الممتلئ بالبونبون الصغير الملون على طاولة الاستقبال وحتى المقاعد الوثيرة المتناثرة في كل طابق، لكن أغلق المطعم العلوي أبوابه وغاب الحارس الضخم ذو الردينجوت الأسود عن الباب ولا أعلم إن كان ظهر بعد ذلك أم لا.
***
يكاد فندق البريستول أن يكون قد عاصر استقلال الدولة اللبنانية إذ لم يفصله عن تاريخ انتهاء الانتداب الفرنسي على لبنان إلا بضع سنوات فنشأته جاءت في عام ١٩٥١، والبريستول شاهد علي خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية لم يغلق فيها أبوابه، وشاهد أيضاً على الخضات والاغتيالات والاجتياحات والاحتجاجات والاستقطابات التي مر بها لبنان بعد هذه الحرب، ومع ذلك فإن أنت استكنت في مقهاه المطل على الشارع ورحت تراقب الطريق من خلف واجهته الزجاجية بدا لك أن كل شئ هادئ ربما حتى أكثر من اللازم. إنه فندق له حَرَم وحدود وتاريخ وهيبة حتى وإن شطروا العاصمة إلى شرق وغرب واستبيحت هيبات كثيرة بالحروب وبدونها. اركب أي تاكسي أو سيرڤيس من أي مكان شئت واطلب من سائقه أن يحملك إلى "طلعة البريستول" وسيفعل من فوره فالبريستول أشهر من أن يُعرَّف. يقبع الفندق فوق تبة عالية تسمى باسمه "طلعة البريستول"، حين تصعد إليها لن تمنع نفسك من تذكُر الإسكندرية وشوارع الإسكندرية فالجو واحد والبحر واحد والمطالع والمنازل واحدة وفيروز غنت لشط إسكندرية.
***
حين أعلن مدير البريستول أنه تقرر الإغلاق الكامل والنهائي للفندق بسبب ضعف الإشغال قلت: والله لم يكن ينقصنا إلا هذا، شيئا فشيئا تتغير معالم ست الدنيا: غابت جريدة السفير ومن بعدها جريدة الحياة ثم جريدة النهار وها هو فندق البريستول يغيب، يغيب كما غاب من قبل فندق كارلتون وصار أثراً بعد عين، ومن يدري بماذا عصفت وسوف تعصف كورونا من أماكن ومعالم أخرى وذكريات، ومن يدري بمن عصفت وسوف تعصف بهم من المعارف والأصحاب القدامى، لا أحد يدري وأخشى ما أخشاه يوماً أزور فيه بيروت الحبيبة فإذا بي أجد نفسي هناك لكني لست هناك.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات