خطوة أولى.. وقف إطلاق النار ومسار تسوية الأزمة الليبية - محمد مجاهد الزيات - بوابة الشروق
الثلاثاء 18 مايو 2021 11:17 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


خطوة أولى.. وقف إطلاق النار ومسار تسوية الأزمة الليبية

نشر فى : الأحد 23 أغسطس 2020 - 8:35 م | آخر تحديث : الأحد 23 أغسطس 2020 - 8:35 م

جاء البيانان المتزامنان لرئيسى المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق والبرلمان الليبيين فايز السراج وعقيلة صالح تحت عنوان واحد يشكل منعطفا نوعيا فى مسار الأزمة الليبية هو «وقف إطلاق النار»، إلا أن كل بيان اشتمل على محددات رؤية كل طرف لوقف إطلاق النار. فالسراج ربط القرار بجعل منطقتى سرت والجفرة «منزوعة السلاح»، واستئناف عملية إنتاج وتصدير النفط، وتحويل العوائد لحساب خارجى يتبع البنك المركزى الذى تسيطر عليه حكومة الوفاق، وأن تكون الشركة الوطنية للنفط هى صاحبة القرار الوحيد فيما يتعلق بعملية الإنتاج والتصدير، كما أشار بيان السراج إلى ضرورة خروج القوات الأجنبية والمرتزقة دون تحديد ماهيتهما، والدعوة لانتخابات رئاسية وبرلمانية فى مارس القادم.
فى المقابل أصدر المستشار عقيلة رئيس مجلس النواب، بيانا دعا فيه جميع الأطراف لوقف إطلاق النار أيضا، واعتبار سرت عاصمة مؤقتة للحكومة الانتقالية المقبلة التى سيتم التوافق عليها كمخرج للاتفاق السياسى القادم، وتضمن بيانه كذلك عملية استئناف عمليات إنتاج وتصدير النفط، على أن تحول العائد لنفس الحساب البنكى الذى كانت تودع فيه مشترطا ألا يتم الإنفاق منه إلا بعد الاتفاق السياسى، وفقا لمخرجات برلين وإعلان القاهرة.
***
وبالتالى فالحصيلة أن هناك قاسما مشتركا فى قرار وقف إطلاق النار، لكن ما يلى ذلك من الجانبين يحمل نوع تفاصيل مختلفة فى ملفات واحدة، تتعلق بعوائد النفط، وبوضع سرت ــ الجفرة، فتحكم الشركة الوطنية للنفط فى القرار يعنى تحييد موقف البرلمان ــ الكيان الوحيد المنتخب سياسيا ــ من مشاركة القرار والرقابة عليه، وبالتالى محاولة لتكرار السياق السابق بأن تدار عوائد النفط لصالح تعاقدات الوفاق الدفاعية والأمنية مع تركيا وقطر بالدرجة الأولى. النقطة الأخرى الجدلية بخصوص سرت كعاصمة انتقالية وفقا لرؤية رئيس البرلمان، والهدف منها إنهاء حالة الانقسام السياسى بين شرق وغرب واختيار منطقة وسطى لحين الانتهاء من الاتفاق السياسى، وهو ما يعنى أن تكون هناك حكومة انتقالية فى الفترة المقبلة، وهو الأمر الذى حاول السراج قطع الطريق عليه بأن يتم الذهاب إلى انتخابات بعد ستة أشهر أى تسلم الوفاق الحكومة المنتخبة، وهو ما يعنى بقاء السراج وحلفائه فى الوفاق لفترة مقبلة يديرون شئون السلطة السياسية على نحو ما يديرون به الأمور حاليا ويبرمون ما يشاءون من اتفاقات مع القوى الخارجية دون رقيب أو حسيب.
كذلك من النقاط الخلافية، ما أورده بيان السراج بخصوص سرت ــ الجفرة وهو طرح تركى بالأساس وهو ما يعنى إبعاد الجيش الوطنى عن نطاق تواجده فى تلك المواقع بإقامة منطقة «منزوعة السلاح» وهو سياق يفهم منه مباشرة إبعاد الجيش الليبى عن نقاط تمركزه وترك تلك الساحة فارغة وهو مدخل لتقسيم مناطقى، وهو ما سبق أن رد عليه الجيش الوطنى بالرفض وهو الاتجاه ذاته الذى يؤيده رئيس البرلمان.
***
إذن تقود هذه المعطيات إلى عنوان توافقى على دفع جهود وقف إطلاق النار، الذى جاء فى ظل تحركات إقليمية ودولية فرضت الإطار العام لتلك التطورات ودفعت الطرفين إلى اتخاذ تلك المواقف ومن أهمها: الاهتمام والتركيز الأمريكى والأوروبى على ضرورة استئناف عملية إنتاج وتصدير النفط كضرورة اقتصادية لشركات البترول الكبرى التابعة لها للمساعدة فى الخطط الاقتصادية لمواجهة تداعيات أزمة كورونا. والحيلولة دون حدوث مواجهة عسكرية تزيد الموقف تأزما وتسبب حرجا للموقف الأمريكى والأوروبى. خاصة إذا ما وقعت بين قوى إقليمية حليفة لتلك القوى. كما يبدو أن هناك اتفاقا أمريكيا أوروبيا على محاصرة الدور الروسى المتزايد فى ليبيا خاصة مع تبلور مظاهر التفاهمات الروسية التركية التى تؤثر على المصالح الأمريكية والأوروبية فى النهاية. إضافة إلى تصاعد القلق الدولى من أن تصبح ليبيا ودول الجوار الإفريقى لها مركزا للمنظمات الإرهابية خاصة القاعدة وداعش. فضلا عن أن حدوث مواجهة عسكرية مفتوحة فى ليبيا لن تهدد الاستقرار فى ليبيا فقط ولكن فى شرق المتوسط ومنطقة الساحل والصحراء، كما أنه لا يمكن فصل هذه التحركات عن التوتر العسكرى المتصاعد فى شرق المتوسط واحتمال مواجهة يونانية تركية بمساندة فرنسية تؤثر سلبا على تماسك حلف الأطلنطى والتحالف الغربى بصفة عامة.
من الثابت أن هناك جهودا مكثفة بذلت من جانب الطرف الأمريكى والأوروبى خاصة فرنسا وألمانيا تجاه قيادة الجيش الوطنى وتركيا وأن هناك تقدما حدث فيما يتعلق بموقع القائد العام للجيش الليبى خليفة حفتر وضرورة مشاركته فى أية جهود تسوية، وهو ما يعكس تغييرا فى الموقف الأمريكى على هذا المستوى. كما أن تركيا قد أدركت خلال الاتصالات التى جرت معها خلال الأسابيع الأخيرة وجدية الموقف المصرى المسارات القادمة للأزمة الليبية فسارعت لتقنين أوضاعها العسكرية والاقتصادية فى ليبيا من خلال اتفاقيات عاجلة كفلت لها الحصول على خمسة وثلاثين مليار دولار صفقات اقتصادية وإقامة قاعدة بحرية فى مصراتة تمولها قطر بعد ضبط عائدات تصدير البترول الليبى بعيدا عن سيطرة الوفاق. وهناك تقديرات بضرورة الحذر من موقف تركيا التى يمكن أن تكون مهادنتها وقبولها لبيان وقف إطلاق النار نوعا من الخداع الاستراتيجى الذى يجب الانتباه إليه.
***
كذلك، من الثابت أن الموقف المصرى بأدواته المختلفة لعب دورا محوريا فى الوصول إلى قرار وقف إطلاق النار على الجانبين وليس جانب واحد، فمبادرة المستشار عقيلة صالح تم استيعابها فى إعلان القاهرة، كذلك يعكس اتصال فايز السراج بالرئيس عبدالفتاح السيسى لشكره على الجهود التى بذلها فى الوصول إلى هذا القرار تؤكد أن القاهرة وزعت جهودها على جميع الأطراف. ما يؤكد أن مصر تسعى لاستقرار ليبيا وتدعم الجهود الحقيقية للتسوية العادلة للأزمة الليبية. وأكد هذا الموقف المصرى بأبعاده المختلفة أن مصر هى الأكثر حرصا على السلام وحماية المصالح الليبية ومواجهة الإرهاب .
وكما أن القاهرة هى التى دفعت إلى الوصول إلى هذا المسار منذ إعلان الرئيس السيسى خط سرت الجفرة خطا لوقف إطلاق النار، وخطا للسلام، كمدخل لاستئناف الحوار بين أطراف الأزمة، فإن القاهرة لديها القدرة فى الوقت ذاته على تأمين هذا المسار من تدخل الأطراف التى تحاول أن تحرفه أو تؤثر عليه، لاسيما تركيا ــ قطر. فهناك منطلقات مصرية واضحة نابعة من أهمية ليبيا للأمن القومى المصرى، واتجاه القاهرة لاستعادة الاستقرار فى الجارة الشقيقة، وضبط التفاعلات لتفادى خروجها عن السيطرة، أو التكريس لأوضاع سياسية أو عسكرية تعيد إنتاج الصراع والأزمة بطريقة أخرى. ومصر جاهزة للتعامل مع جميع السيناريوهات.
ولا يغيب عن هذه الجهود الإسناد الذى حصلت عليه القاهرة فى موقفها من السعودية أخيرا وفق ما أعلنه الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودى فى برلين قبل أيام خلال لقائه مع نظيره الألمانى هايكو ماس، وأيضا الجهود الإماراتية فى السياق ذاته. فضلا عن الدعم الفرنسى الذى ساند المواقف السياسية المصرية تجاه عملية التسوية من جهة، كما حقق ردعا قويا من جهة أخرى للمخطط التركى لتغيير موازين القوى الميدانية فى ليبيا لتحقيق مكاسب عسكرية تستثمر سياسيا عن الذهاب لمائدة التفاوض وأجبرت القوى الدولية على التحرك وتجاوز عمليات التمكين التى كانت تجرى لصالح تركيا.
فى الأخير، يمكن القول أنه من المرجح أن تبدأ خطوات سياسية ينخرط فيها طرفى الصراع وإن كانت القضايا السياسية والعسكرية سوف تواجه صعوبات كبيرة الأمر الذى يؤكد أنها سوف تستغرق فترة ليست قليلة وأن كل طرف سوف يطرح سقفا عاليا لوجهة نظره كما ستسعى القوى المعنية بتثبيت مصالحها وهو ما يعنى أن الأزمة بدأت طريق الحل الذى يمكن أن يطول.

محمد مجاهد الزيات مستشار أكاديمى فى المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
التعليقات