توازن أم تنافس إقليمى؟ تركيا ومساعى الانخراط فى الخليج العربى - محمد مجاهد الزيات - بوابة الشروق
السبت 4 ديسمبر 2021 6:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

توازن أم تنافس إقليمى؟ تركيا ومساعى الانخراط فى الخليج العربى

نشر فى : الجمعة 26 فبراير 2021 - 8:25 م | آخر تحديث : الجمعة 26 فبراير 2021 - 8:25 م

توظف تركيا المتغيرات الاستراتيجية التى تشهدها الساحة الخليجية فى المرحلة الراهنة، لعل أبرزها الانخراط الإسرائيلى، والمصالحة العربية مع قطر، لصالح زيادة مستوى حضورها على تلك الساحة والانخراط فيها كفاعل إقليمى مؤثر فى مقابل تزايد حضور فاعلين إقليميين آخرين لعل أبرزهم إسرائيل فى إطار إبرام اتفاقيات تطبيع مع كل من الإمارات والبحرين، ورفع مستوى العلاقات مع سلطنة عمان وقطر، بالإضافة لتواتر الحديث عن تزايد اتصالات مع الكويت. وهو ما انعكس بالتبعية على هيكل التوازن القوى الإقليمى، حيث أصبحت إسرائيل طرفا فى معادلة المتغيرات ومسارات السياسة فى الخليج والشرق الأوسط.
ويمكن القول إن المشهد الاستراتيجى فى الخليج أصبح على النحو التالى كاشفا عن وجود هامش واسع يمكنه استيعاب تلك القوى، فقد أصبح بمقدور إسرائيل التنقل من العلاقات السياسية إلى التنسيق الأمنى والتعاون الاقتصادى، فأقر بذلك مساحة حركة أوسع لإسرائيل فى دائرة مهمة لها تأثيرها فى الشرق الأوسط بما يوفر لها دورا إقليميا أوسع فى إطار التنافس بين القوى الإقليمية على اتساع المنطقة، وتسعى إسرائيل لاستثماره للاندماج فى اقتصاديات المنطقة. وأن تصبح طرفا ــ مشروعا ــ فى مسارات الحركة وتوازنات القوى داخلها. وكان القائمون على إفساح المجال للانخراط الإسرائيلى فى الخليج قد أشاروا إلى ضغوط من الولايات المتحدة الأمريكية ليكون هذا بداية تحالف فى مواجهة السياسة التركية الإيرانية.
وفى المقابل يمكن تصور أن هناك مؤشرا على إمكانية استيعاب الحضور التركى على التوازى، فى إطار عملية المصالحة «الشكلية» التى تمت بين التحالف الرباعى (السعودية ــ الإمارات ــ البحرين ــ مصر) بعد ثلاث سنوات من القطعية بوساطة أمريكية، فعلى الرغم من أن الدول الأربع كانت تضع ثلاثة عشر شرطا لإنهاء المقاطعة أحدها يتعلق بمحاصرة التواجد العسكرى التركى فى قطر، إلا أنه على ما يبدو فى إطار قمة «العلا« ــ يناير 2021 ــ تم تجاوز هذا الأمر، ربما من منظور أن هذا التواجد لا يشكل مستوى عاليا من التهديد أو الخطر ويمكن استيعابه، خاصة وأن كل من عمان وقطر والكويت لم يعترضوا عليه منذ البداية. كما توالت تصريحات لكبار المسئولين فى عدد من الدول الخليجية لأهمية وضرورة العلاقات مع تركيا، وأنه لا توجد مبررات للعداء معها.
***
سارعت تركيا إلى تقديم إشارات إيجابية من خلال أحاديث كبار مسئوليها بمن فيهم الرئيس التركى أردوغان، هذه الإشارات تضمنت تقدير غير مسبوق فى أحاديث الرئيس رجب طيب أردوغان ومستشاره ياسين أقطاى ووزير خارجيته تشاويش أوغلو بخصوص بعض القيادات الخليجية، والاستعداد لإقامة علاقة متطورة مع مصر، وتشير متابعة وسائل الإعلام التركية القريبة من الحكومة إلى نوع من التطور الذى يركز على ضرورة تحقيق نوع من الانفتاح السياسى مع دول الخليج خاصة السعودية والإمارات والبحرين خلال الفترة القادمة. وتوجت تركيا هذا التحرك بجولة «أقطاى» ووزير الخارجية لكل من الكويت وقطر وسلطنة عمان. وفيما يتعلق بهذا الخصوص نشير إلى عدة ملاحظات، أهمها:
ــ إن الكويت كانت الدولة الخليجية الثانية بعد قطر التى حرصت ولا تزال على المحافظة على علاقات جيدة مع تركيا وتزامن ذلك مع تردى العلاقات التركية مع كل من الإمارات والسعودية وشملت هذه العلاقات تعاونا دفاعيا وتمويل شركات تصنيع تركية وعلاقات سياسية متطورة وتناميا ملحوظا للعلاقات التجارية والاستثمارات الكويتية فى تركيا.
ــ إن سلطنة عمان لم تتخذ أى موقف من تركيا أو تبنيها للتنظيم الدولى للإخوان أو تهديدها لأمن عدد من دول المنطقة وفضلت الحياد طوال السنوات الماضية، وتبادل كبار المسئولين الزيارات بما يعنى أن علاقاتها مفتوحة على نحو أكثر إيجابية مع تركيا.
ــ خرجت قطر من مبادرة المصالحة الخليجية أكثر تأكيدا على علاقاتها مع تركيا والتوجه إلى تطوير هذه العلاقات دون قلق من مواقف خليجية مجاورة، وكشف عن ذلك الدعم المالى النقدى والتعاون الاقتصادى والعسكرى خلال الأسابيع الأخيرة بين الدوحة وأنقرة والانصهار القطرى فى الاستراتيجية التركية على اتساع الإقليم.
ــ وأصبحت تركيا تتحدث حاليًا ليس فقط عن علاقة متطورة مع دول الخليج ولكن عن شراكة استراتيجية متعددة المستويات يمكن أن ترقى إلى نوع من التحالف يوازن الحضور الإسرائيلى. ويطرح تركيا طرفا فى معادلة التوازن الاستراتيجى فى الخليج. وتستفيد من ذلك فى إطار تعاملها سواء مع إيران أو إسرائيل أو الولايات المتحدة.
ــ لا شك أن التركيز التركى على كل من قطر وسلطنة عمان والكويت فى المرحلة الحالية إنما تمثل خطوة ضرورية لاختراق مجلس التعاون الخليجى انتظارا لتحسين العلاقات مع باقى دول المجلس، وهو أمر بدأت المصادر التركية تتحدث عنه وتشير إلى اتصالات سرية بخصوصه. وبحيث يتوافر لها القدرة على التأثير على أى قرار جماعى فى المجلس مستقبلا.
ــ إن التحرك التركى الأخير، يأتى متزامنا مع الحراك الذى بدأ مع مجىء الإدارة الأمريكية الجديدة والتى أعطت رسائل متناقضة مع عدد من دول الخليج، ولوحت بنوع من العقوبات، وطرحت سياسة مغايرة للتعامل مع إيران، وهو ما وجدته تركيا مناخًا مناسبًا لأرضية تعاون مع دول المنطقة على هامش ذلك الحراك.
***
تشير الملاحظات السابقة إلى أن تركيا قد بدأت تحركا أكثر إيجابية فى منطقة الخليج استثمارا لمناخ الانفتاح الذى أعقب المصالحة لتقدم نفسها أولا للدول التى لديها خطوط اتصال إيجابية معها. ثم تنتقل فى مرحلة تالية لباقى الدول تعميقا للوجود التركى على مستويات متعددة ولتقديم نفسها كقوة إقليمية موازنة للقوى الإقليمية الأخرى فى دائرة الخليج وما حولها (إسرائيل وإيران)، وفى محاولة لموازنة تزايد الحضور الإسرائيلى وعدم انفرادها بالساحة، وتضييق المساحة المتاحة أمام القوى الإقليمية المنافسة.
ولا شك أن التحرك التركى فى الخليج سوف يترك تداعيات إيجابية على الاستراتيجية التركية فى مناطق الجوار الخليجى سواء فى القرن الإفريقى أو ليبيا أو العراق وسوريا. لتثبيت دوائر نفوذ تخدم بعضها وتحقق طموحات أردوغان فى أن تصبح تركيا دولة إقليمية عظمى.
وفى التقدير أن مجمل الحركة التركية فى الخليج، فى ظل تطورات الحضور الإسرائيلى هناك، وما يثار حول سياسة أمريكية جديدة للتعامل مع إيران بعيدا عن المواجهة التى انتهجتها الإدارة السابقة، بفرض ضرورة الاهتمام المصرى بتداعياتها وهل يؤثر ذلك على صيغة التحالف الرباعى ويضيق مساحة الحركة المتاحة أمام الحضور المصرى فى الخليج، ويحتم أهمية تكثيف العمل لصياغة شراكة استراتيجية أكثر تحديدا وتفاهمات تستوعب مخاطر وتهديدات الأمن المشترك لتلك الدول ويتم ترجمتها فى سياسات واضحة من خلال حوار استراتيجى متعدد المستويات بين الدوائر المعنية بهذا الخصوص، حيث تحتم متطلبات الأمن القومى المصرى والعربى، عدم ترك الساحة أمام القوى الإقليمية المنافسة خاصة إسرائيل وتركيا وإيران، والعمل على بلورة مشروع عربى موازن يمكن أن يبدأ بدول التحالف الرباعى مع التنسيق مع كل من الأردن وتطوير العلاقات مع العراق.

محمد مجاهد الزيات مستشار أكاديمى فى المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية
التعليقات