الانفتاح من أجل مواجهة الإرهاب - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 4:11 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


الانفتاح من أجل مواجهة الإرهاب

نشر فى : الأحد 23 نوفمبر 2014 - 8:15 ص | آخر تحديث : الأحد 23 نوفمبر 2014 - 8:15 ص

أما الانفتاح المقصود فهو انفتاح المجال السياسى فى الداخل، والانفتاح على الآخر وعلى قيم النظام الدولى المشترك فى العلاقات الخارجية.

الإرهاب لا يبغى إلا الانغلاق وهو لا ينشد غيره. فى الداخل، هو يريد أن يسخط المواطنون على ما آلت إليه أحوالهم، وأن ينفضوا مجموعات تلو الأخرى عن الحكم ليتركوه وحده. من جانب آخر، الإرهاب يلفظ التعددية ويرفضها، والحقيقة عنده واحدة لا نقاش فيها، ولذلك فإن أى تضييق على التعددية الحقيقية، أى على التعددية غير الشكلية، هو تصديق على سلامة مقاربة الإرهاب وفهمه للحياة الاجتماعية والسياسية وانتصار لها.

الإرهاب والداعون إلى حججه لا يريدون أحزابا ولا نقابات ولا منظمات أهلية، وهم يزدرون السياسة والقانون والفلسفة، ويحاربون الحرية الشخصية وحرية الفكر والتعبير، وهم يحتقرون الآخر المختلف عنهم ويعتبرونه مارقا كافرا. أفهل نحذو حذوهم فى تنظيمنا للحياة الاجتماعية والسياسية ثم نأمل فى هزيمتهم؟ كيف يمكن أن نحارب النشاط الأهلى المستقل، وأن نخنق حرية الاجتماع والتظاهر، وأن نمنع الهواء عن الأحزاب السياسية ونفرغها من مضامينها، وأن نرسم دوائر انتخابية ونصيغ قانونا انتخابيا يبغيان تحقيق الإجماع فى البرلمان، وأن نعتبر المختلف فى الآراء مارقا خائنا، ثم نتصور أننا بذلك نوفر الظروف لدحر الإرهاب؟ كل جوانب هذا السلوك هى فى حقيقتها نصر سهل للإرهاب لأنها تطبِق مفاهيمه، وهى باختصار تشترك معه فى معاندة التعددية وفى إنكار شرعيتها.

•••

النجاح فى محاربة الإرهاب وتحقيق المصلحة العامة يقتضيان الانفتاح فى الحياة السياسية، ولكن هذا الانفتاح وحده لا يكفى. الانفتاح الفكرى والثقافى ضروريان أشد الضرورة. إن فقر الفكر، والتطرف فى المواقف، والعنف السياسى لم يكسبوا كلهم أرضا إلا عندما نشأ التوجس بالأفكار ثم ازدادت وطأته بمرور السنين والعقود. التعليم، والثقافة، والاتصال هى مجالات الانفتاح الفكرى والثقافى وأدواته. على الدولة أن توفر للمواطنين الزوايا المختلفة للنظر إلى واقعهم ولفهمه، ولكن عليها قبل ذلك وبعده أن تحمى حقهم فى أن يبثوا الأفكار عن هذه الزوايا. الإرهاب والدعاة إلى أفكاره سيقولون أن تعدد الزوايا والمناظير مروق، وكفر، وخروج على ثوابت الأمة وإجماعها. على الدولة وهى فى خضم مواجهتها مع الإرهاب أن تتخذ موقفا واضحا لا لبس فيه من هذه المزاعم. هل ترى الدولة أن الإرهاب على حق فى مزاعمه؟ الوضع الخطير الحالى لا يحتمل أنصاف الحلول والردود المائعة. إن كانت الدولة ترى أن الإرهاب على حق فى مزاعمه، فإن النقاش لا جدوى منه وهو يتوقف عند هذا الحد. اما إن اعتبرت أن تحليلات الفكر المنتج للإرهاب فاسدة وأن فهمه للحياة والعالم خاطئ، فإن عليها أن تسرع بالتحرك لأن فى هذه السرعة مصلحة كل من المجتمع والوطن والمواطنين. أنصار التحرك السريع للدولة يدركون، والدولة لا بدّ أن تعرف، أن هذا التحرك فى مجالات التعليم والثقافة والاتصال سيواجه بمقاومة شديدة المراس من جانب أنصار التطرف والإرهاب، ولكنها مقاومة هى قادرة على التغلب عليها إن هى خاضت المواجهة الفكرية المحتّمة وإن استعانت بالمواطنين. سيدرك المواطنون أين تكمن مصالحهم وكيف سيحققون التقدم فى أوجه حيواتهم المختلفة إن وضعت أمامهم بصدق وبلا مواربة التفسيرات المختلفة لواقعهم ولكيفية تحسين ظروف حيواتهم. بعدها، سيكون المواطنون خير عون للدولة فى مواجهتها للإرهاب، بل إنهم سيكونون هم الأصل فى محاربة الإرهاب والدولة مجرد أداتهم فى هذه الحرب. الإرهاب يحتار فى التعدد ويعجز أمام المجتمعات المركبة حيث تنتشر الأفكار وتتفاعل. تجارب العالم فى النصف الثانى من القرن العشرين فيها بينة على ذلك.

•••

ولكن الانفتاح فى النظام السياسى فى الداخل ليس ممكنا بدون الانفتاح على العالم وعلى القواعد والمبادئ التى ارتضاها أطراف النظام الدولى. الواقع الذى يغذّى يوما بعد يوم وشهرا بعد شهر هو واقع انغلاق فكرى ورفض للآخر وتشكيك فيه وفى نواياه. الولايات المتحدة وأوروبا تتآمران علينا. والفلسطينيون يكرهوننا. وإثيوبيا تقطع شريان الحياة عنّا. وجنوب إفريقيا لا تريد لنا خيرا. وإيران تمقتنا. وبمقاييس المواقف والتوصيات فى المجلس الدولى لحقوق الإنسان فإن البرازيل وشيلى ودول كثيرة أخرى لا يهمها دفع الشر عنّا. ولقد وصل القول بأحدهم إلى أن العالم كله يحاربنا! الانغلاق هو دعوة ضمنية إلى الانقطاع عن العالم وهو صنو لدعوة التطرف والإرهاب إلى أن نلفظ القيم والمبادئ التى ارتضاها العالم وأطراف النظام الدولى وأن نخاصمها لأن لنا قيمنا ومبادئنا المختلفة والأصيلة الأسمى مقاما. الخروج من العالم وعليه هو خروج وانعزال سواء أكان ذلك باعتناق أفكار التطرف والإرهاب وعنفهما أو بالاستمرار فى الانغلاق الفكرى والثقافى على الذات. المفارقة هى أن مصر تحتاج إلى العالم، كما تحتاج إليه الدول الأخرى، وهى فى كل يوم تناشده أن يتعاون معها على تحقيق أهدافها سواء تلك المتعلقة بالاستثمار، أو بالسياحة، أو بالتجارة، أو بالتنمية عموما، أو بتأمين وصول مياه النيل، أو بشغل مقعد دائم فى مجلس الأمن، أو بمحاربة الإرهاب نفسه! كيف يمكن التوفيق بين التوجس من العالم الخارجى وبث الشك المستمر فيه، من جانب، واستدعائه للتعاون، من جانب آخر؟ لا بدّ أن نثق فى أنفسنا: لا نحن أقل من أحد فى عالمنا، ولسنا أفضل من أحد. سنحقق أهدافنا بقدر ما نجتهد ونجدّ فى تحقيقها. التعاون الدولى يعظّم قدراتنا وهو مورد متاح لا يمكن التجزئة فيه. نعم، قد تكون بعض آثار التعاون الدولى سلبية، ولكن هل يوجد شىء فى الحياة إيجابيات صرف؟ وأى سلبيات للتعاون الدولى غير قابلة للقياس بإيجابياته. وعلى أى حال، وظيفة السياسة، أى سياسة، هى تعظيم إيجابيات التحرك فى مجال انطباقها والحد من سلبياته. غير أن السياسة أيضا، وهى تحد من السلبيات المترتبة على التحرك لا ينبغى أن تبطل المفعول المرجو منه. الانغلاق هو النصر الحقيقى للإرهاب. الانفتاح على الذات وعلى العالم هو نفسه دحر له.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات