أخلاق الشطار - نيفين مسعد - بوابة الشروق
السبت 29 فبراير 2020 8:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


أخلاق الشطار

نشر فى : الجمعة 24 يناير 2020 - 6:45 م | آخر تحديث : الجمعة 24 يناير 2020 - 6:45 م

عزيزي قارئ هذه السطور هل أنت شاطر؟ أعترف لك منذ البداية أن هذا السؤال مفخخ لأنه لا توجد إجابة واحدة له بالإيجاب أو بالنفي فللشطارة وجوه كثيرة، فالشاطر في التعليم ليس بالضرورة هو الشاطر في الحياة العملية، والشاطر في التعليم قد لا تكون شطارته مطلقة ولديه نقاط ضعف مثلاً تجاه المواد النظرية أو تجاه الرياضيات (واسألني أنا عن نقطة الضعف في الرياضيات بالتحديد)، كما أنه لا توجد شطارة دائمة فبين الحين والحين قد يقع الشاطر بل وأحيانًا ما يقع إلا الشاطر، وفي الحقيقة تتضارب أمثالنا الشعبية في تعاملها مع الشاطر فبينما يقول لك أحد هذه الأمثال إنه ما يقع إلا الشاطر نجد هناك مثلاً آخر يقول لك إن غلطة الشاطر بألف، مممم يا ربي ما هذا الاضطهاد غير المبَرر للشُطار لدرجة إنه لا يقع أحد سواهم وما أن يقعوا حتى تُنصَب لهم المشانق وتكون غلطتهم بألف، وارد جداً أن من صمم هذه الأمثال يكون هو نفسه غير شاطر ولديه شعور بالغيرة من الشطار، لا أحد يدري. حتى الآن أنا ألف وأدور حول معنى الشطارة لكن حان وقت تعريفها، والشطارة التي أقصدها هي شطارة تجميع الدرجات في نهاية كل عام دراسي، فهل هناك أخلاق لهذه النوعية من الشُطار؟

***
من الشائع أن نسمع عن صفات أخلاقية معينة تلتصق بأصحاب المهن المختلفة كأن تقترن المساومة بالتجار، والتبكير بالمزارعين، والانضباط بالعسكريين، وبرود الأعصاب بالحلاقين، والاستقامة بالقضاة، والرهافة بالمبدعين. وهذه الصفات التي نخلعها على أصحاب المهن المختلفة فيها نوع من التنميط غير الموضوعي، فبعضها عابر للمهن كالانضباط والاستقامة مثلاً، وبعضها مفقود في أصحابه وإلا ما كان باب النجار مخلعاً رغم أن النجار تُفتَرض فيه المهارة، ثم أنه بمرور الوقت تتغير الصفات الأخلاقية لأصحاب نفس المهنة ويكفي أن نقارن بين فن زمان والفن الآن لنعرف أن الرهافة ذهبت إلى غير رجعة، هل يُعقل أن يعاتب أحد المطربين الجُدد قلبه فيصفه بـ "ملطشة القلوب وجلاّب المصايب"؟ إنني أذكر أن كل ما فعله فريد الأطرش عندما غضب من قلبه غنّى له برقة متناهية "مخاصمك يا قلبي ومش راضي عنك يا ريت كان بإيدي وأنا اتبرا منك". ونخلص من ذلك إلى أن وصف أصحاب المهن المختلفة بصفات حصرية له ما له وعليه ما عليه، لكن ما حكاية أخلاق الشُطار هذه يا ترى؟ عادة الشاطر هو شخص حريص على التفوق، والأصل في التفوق هو الندرة فلا يمكن أن يكون الجميع في المركز الأول، لكن بالكثير هناك أول وأول مكرر ثم يتوزع الآخرون على باقي المراكز. هذا الحرص على التفوق يقترن بالتوتر الكامن لأن الشاطر يشعر دائما بالتهديد، أما مصادر التهديد فإنها كثيرة وعندما نبدأ في عدّها سنجد بينها ما هو محتمل وما هو متوهَم فالزميل المنافس يُعد تهديداً، وصعوبة المقررات هي تهديد، وتحامُل المدرسين تهديد، والمرض المفاجئ تهديد، والتأخر في الوصول للامتحان تهديد، والسحر والحسد تهديد.

***
هل الشاطر شخص منطو؟ في بعض الأحيان نعم، ويحتاج الإفلات من هذا الانطواء إلى مجهود كبير لأن إغراء العمل الفردي والتغريد بعيداً عن سرب الجماعة يجذب الشطار. يُقاوم الشاطر الانفتاح على الآخرين حتى لا تصبح كنوزه/معلوماته متاحة للكل ومستباحة من الجميع ويفقد ميزته النسبية باعتباره يعلم وسواه لا يعلمون، وهنا قد تنقطع الشعرة الفاصلة بين الاعتماد على النفس والأنانية. وفي بعض الحالات المتطرفة يتطور الأمر من كتمان المعارف والمعلومات إلى كتمان المشاعر نفسها، بمعنى ألا يحب الشاطر وألا يتزوج مثل باقي خلق الله بل يكون في سباق دائم على طريق التفوق فما يكاد يدرك نهاية حتى تناديه نهايات أخرى ليبلغها. غيره يناجي ربه بدعاء سيدنا زكريا كي لا يذره فرداً وهو لا يجد نقصاً في أن يكون نبتاً يابساً لا يُثمر ولا يُزهر بنين وبنات، للتصحيح فقط الشاطر قد لا يتعمد الهروب من الحب أو يقصد تجنبه لكنه أحياناً ينساه وينشغل عنه ويجد نفسه متورطاً في التفوق غارقاً به حتى أذنيه، ومن باب التصحيح أيضاً فإن الشاطر يزهر ويثمر لكن على طريقته الخاصة جداً، وطريقته هي إنتاج الدرجات وحصد الميداليات واستكتاب شهادات التقدير، تصبح الذات نفسها مصدر الإنجاز وليس أي شيء آخر وتصبح الزوجة والذرية عالة على النجاح.

***
لكن إذا كانت هذه أخلاق شريحة لا بأس بها من الشطار فهل نخلص إلى أن للشطارة لعنة كما أن للخيبة لعنة؟ في المطلق الإجابة على هذا السؤال بالنفي، فالطبيعي أنه لا أحد يكره الشطارة، لكن اللعنة هي من نصيب التطرف الذي يجعل الشطارة حبلًا يلتف حول عنق صاحبها حتى يخنقه أو يكاد، تتنزل اللعنة عندما تُفسِد الشطارة علاقة الشاطر بمحيطه فتخلو حياته من الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية بتنويعاتها المختلفة. أشفق على الأهل الذين يحاصرون أولادهم بفوبيا الدرجات النهائية والمراكز الأولى ويهملون بناءهم من الداخل فيربح الأولاد الكؤوس ويخسرون أنفسهم، أشفق على الأهل الذين يُرَبون أولادهم على أن التفوق يعني التفرد وينسون تحذيرهم من أن الغاية لا تبرر الوسيلة وأن بلوغ القمة لا يعني حبس الآخرين في القاع، أشفق على الأهل الذين يتعاملون مع أولادهم كجياد في ماراثون التفوق ولا يُبصّرونهم بمصير الجياد حين يصيبها العجز. إن العمر لحظة والشطارة حلوة لاشك في ذلك لكن تظل الحياة بناسها ومباهجها حلوة أيضاً وربما تكون هي الأحلى.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات