أردوغان يفلت من العقاب.. لذلك يفعل ما يفعله - العالم يفكر - بوابة الشروق
الخميس 26 نوفمبر 2020 11:25 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من سيفوز في النهائي التاريخي لدوري أبطال أفريقيا يوم الجمعة؟

أردوغان يفلت من العقاب.. لذلك يفعل ما يفعله

نشر فى : السبت 24 أكتوبر 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : السبت 24 أكتوبر 2020 - 8:20 م

نشر مركز Bloomberg مقالا للكاتب Bobby Ghosh... يحاول فيه تفسير سبب انتهاج أردوغان سياسة خارجية عدوانية، مرجحا نظرية الإفلات من العقاب.. نعرض منه ما يلى.

فى عام 2010، وتحت قيادة رجب طيب أردوغان، انتهجت السياسة الخارجية التركية استراتيجية «صفر مشاكل». كانت البلاد تستخدم الدبلوماسية والتجارة لتطوير علاقات ودية، ليس فقط مع دول الجوار وإنما مع جميع دول العالم.
وبعد عشر سنوات، يمكن وصف السياسة الخارجية التركية بشكل أكثر دقة بأنها «مشاكل فقط». حيث تنتهج أنقرة القوة الخشنة، بدلا من الدبلوماسية، للحفاظ على نفوذها. فها هى تدخل فى مواجهات بدرجات متفاوتة مع معظم الدول المجاورة لحدودها البرية أو البحرية فى شرق البحر المتوسط: اليونان وسوريا وإسرائيل وقبرص والعراق وأرمينيا ومصر. بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فهى فى صراع مع فرنسا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة.
توصلت القوى العالمية إلى شبه إجماع على أن أردوغان مثير للمشاكل. فقالت وزارة الخارجية الأمريكية إنها «تأسف» لقرار تركيا استئناف أنشطتها المثيرة للجدل فى شرق البحر المتوسط، ودعت أنقرة إلى «إنهاء هذا الاستفزاز». هذه اللغة هى من أقوى اللغات التى وجهتها إدارة ترامب ضد أردوغان، والذى لطالما حظى بدعم نظيره الأمريكى.
ومن جانب روسيا، ينظر الرئيس فلاديمير بوتين، والذى وصفه أردوغان بأنه «صديق جيد»، نظرة قاتمة إلى دوره كقائد للنزاع القوقازى، حيث تدعم تركيا أذربيجان ضد أرمينيا. واتهم الكرملين تركيا بأنها أضافت «الوقود إلى ألسنة اللهب» للنزاع المستمر منذ فترة طويلة حول منطقة ناغورنو كاراباخ.
هناك انتقادات دولية أخرى جاءت كالتالى. الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون أضاف إلى سلوك تركيا فى شرق البحر المتوسط والقوقاز غضبه ضد أردوغان بسبب تدخل تركيا فى الحرب الأهلية الليبية. ومن جانبها، وجدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، والتى صدت دعوات أوروبية واسعة لمعاقبة تركيا، نفسها فى موقف حرج مع استئناف عمليات التنقيب فى المياه المضطربة. وقالت المتحدثة باسمها: «من المؤكد أن ذلك سيفضى إلى التطوير المستمر للعلاقات بين الاتحاد الأوروبى وتركيا».
كل هذا لم يكن كافيا، فقد جاءت الإدانة من جهات غير متوقعة ــ مثل الهند، التى لم تكن مسرورة بتصريحات أردوغان حول كشمير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. حيث قال مندوب نيودلهى الدائم لدى الأمم المتحدة: «يجب أن تتعلم تركيا احترام سيادة الدول الأخرى والتفكير فى سياساتها الخارجية بشكل أعمق».
***
إن «كيفية» صيرورة سياسة تركيا الخارجية بهذا الشكل من اختيار أردوغان. والذى كان من الممكن أن يتجنب بسهولة التورط فى الحرب الأهلية الليبية أو أزمة القوقاز أو أزمة كشمير. لكنه فى كل حالة، اختار الخوض فى شئون الدول الأخرى.
لكن من الصعب فهم «لماذا» كل هذا. فأولئك الذين يبحثون عن تفسيرات لسياسة أردوغان يمكنهم الاختيار من بين العثمانية الجديدة والقومية العرقية التركية أو الإسلاموية. بينما يشير آخرون إلى الجغرافيا السياسية: تركيا، كما يقولون، تناور فى نظام متعدد الأقطاب، ترى نفسها فيه قوة عالمية متوسطة الحجم، ذات امتداد اقتصادى وثقافى وصاحبة قوة عسكرية. فى ضوء ذلك، نرى أن السياسة الخارجية التركية العدوانية جاءت لتأكيد مكانتها هذه.
ولا يزال البعض الآخر يركز على دوافع تركيا التجارية، مثل التدافع على موارد الهيدروكربون والبحث عن أسواق جديدة. ثم هناك تفسير آخر هو السياسة الداخلية، والتى تفترض أن أردوغان تنخفض معدلات شعبيته وسط الأوضاع الاقتصادية المتفاقمة.
لكن هناك نظرية أخرى لتفسير سياسة أردوغان الخارجية تقول: رئيس تركيا يفعل ما يفعله لأنه يفلت من العقاب. فهو لم يدفع ثمنا باهظا لتدخلاته. فتكلفة الدم التركى كانت منخفضة بشكل ملحوظ، وجزء كبير من القتال يتم بواسطة مرتزقة أجانب تم تجنيدهم من ساحات القتال فى سوريا. وإذا كان هناك أى وجود تركى على خطوط المواجهة الليبية أو القوقازية، فمن المرجح أن يكون فى الجو.
وإذا كانت التكاليف المادية كبيرة فالمكاسب الاقتصادية كبيرة أيضا. على سبيل المثال، تأمل أنقرة من التدخل فى ليبيا إنقاذ صفقات بناء بقيمة 18 مليار دولار، فضلا عن فتح فرص جديدة للتنقيب عن النفط والغاز. وسيتم تعزيز العلاقات الاقتصادية مع أذربيجان من خلال بيع المعدات العسكرية التركية.
باختصار ومن الناحية التجارية البحتة، فإن الربح المحتمل من هذه التدخلات يفوق إلى حد كبير أى خسارة فى الفرص مع اليونان أو أرمينيا أو مصر، التى لا تعتبر أى منها شريكًا تجاريًا رئيسيًا.
وعلى الرغم من دعوات ماكرون المتكررة لفرض عقوبات اقتصادية، لم يستجمع الاتحاد الأوروبى الإرادة الجماعية لمتابعة التهديدات بمعاقبة تركيا. ويمكن تفسير هذا التردد جزئيًا من خلال تهديد أردوغان المضاد بإطلاق العنان لموجات اللاجئين باتجاه الغرب.
حتى الإجراء الذى اتخذته الولايات المتحدة ضد تركيا وهو تعليقها عن شراء طائرات Fــ35 والمشاركة فى تصنيعها، دفع أردوغان إلى شراء وتركيب أنظمة الدفاع الصاروخى الروسية Sــ400.
إلا أنه يبدو وبدون الدعم الكامل من الولايات المتحدة، لن يفرض الناتو أى عقوبة على عضوه المتمرد. وهذا يجعل روسيا القوة الوحيدة التى قد تكون قادرة على صد العدوان التركى. فالحرب الأذرية ــ الأرمنية هى المسرح الثانى بعد ليبيا حيث يقف أردوغان عقبة فى وجه أهداف بوتين.
***
لقد تحمل الزعيم الروسى وقاحات أردوغان من أجل تحقيق أهداف موسكو الكبرى المتمثلة فى تقويض حلف شمال الأطلسى وإبعاد تركيا عن الغرب. بدوره، حرص الرئيس التركى على عدم إطلاق لسانه الحاد تجاه روسيا، وهى مجاملة لم يقدمها لأى زعيم غربى. ففى آخر مرة تواجه فيها الرجلان فى خريف عام 2015، عندما أسقطت تركيا طائرة روسية بالقرب من الحدود مع سوريا، وصف بوتين ما حدث بـأنه «طعنة فى الظهر»، وأعلن عن اتخاذ تدابير اقتصادية مضادة. حينها تراجع أردوغان باعتذار مكتوب.
وفى الصراع القوقازى، تجنب أردوغان مرة أخرى الانتقادات اللاذعة ضد بوتين. وللمرة الأولى، تتدخل تركيا فيما تعتبره موسكو مجال نفوذها: القوقاز أقرب إلى روسيا ــ ليس فقط من الناحية الجغرافية ولكن أيضًا من الناحية التاريخية والثقافية والاستراتيجية والاقتصادية ــ من سوريا أو ليبيا.
إلا أن رد موسكو جاء منتقدا تصرفات أردوغان وواصفا إياها بأنها تشجع على إشعال النيران بين أذربيجان وأرمينيا. الأكثر من ذلك، أنه رد لم يأت من لسان بوتين، ولم يكن مصحوبا بالتهديد بفرض عقوبات.
بالنسبة لأردوغان، فإن غياب عقاب واضح بمثابة ضوء أخضر: حيث يرى أردوغان تحفظ موسكو على أنه ترخيص لمتابعة أجندته.
إن إردوغان عثمانى جديد لدرجة أن العديد من الأماكن التى لفتت انتباهه كانت جزءًا من الإمبراطورية القديمة. وكثيرًا ما يعتنق أردوغان رمزية العصر العثمانى، ويغمر خطبه باستدعاء الأمجاد القديمة.
وهو أيضا إسلامى، يمكنه أن يربط خطابه باقتباسات من النصوص الدينية وعبارات التضامن مع المسلمين فى بلاد أجنبية. كما أنه يدعم كثيرا الإخوان المسلمين. لذلك يرى بعض منتقديه أن كل هذا يساعده فى سعيه لقيادة العالم الإسلامى.
لكن إذا نظرنا عن كثب، سنرى أن الإيمان هو أداة وليس دافعًا لسياسات أردوغان الخارجية. الانتهازية هى أفضل تفسير لعقيدة أردوغان. على سبيل المثال، إثارة قضية كشمير فى الأمم المتحدة كانت طريقة مناسبة لإرضاء باكستان، ومفيدة بشكل خاص عندما كان رئيس الوزراء عمران خان على خلاف مع الحليف التقليدى لبلاده، المملكة العربية السعودية.
هو أيضا يسعى لتأكيد «المكانة المستحقة لتركيا فى النظام العالمى». وبالتالى تكون السياسة الخارجية النقطة المضيئة الوحيدة فى عهد الرئيس، ساعدته فى رفع معدلات شعبيته فى الأسابيع الأخيرة، على الرغم من تراجع الليرة التركية.
ولكن إذا كان هذا هو الدافع الأساسى لغارات أردوغان العدوانية فى الخارج، فيجب الاستعداد للمزيد فى ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية المنكوبة بالفعل بسبب فيروس كورونا.
طالما أن أردوغان لديه فرصة لإثارة المشاكل والإفلات من العقاب، فلن يتوقف.

إعداد: ياسمين عبداللطيف زرد
النص الأصلى: هنا

 

التعليقات