عن إرهاب لا ينهزم - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 5:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

عن إرهاب لا ينهزم

نشر فى : السبت 25 فبراير 2017 - 11:30 م | آخر تحديث : السبت 25 فبراير 2017 - 11:30 م
مازال الإرهاب يحصد أرواح الأبرياء، مازال يخطف أرواح جنود الجيش ورجال الشرطة ومواطنينا من أقباط ومسلمين فى سيناء وغيرها من ربوع المحروسة. مصر الحديثة عانت كثيرا ومازالت تعانى من الإرهاب والعنف المرتبط بأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية وفقدت الكثير من أبنائها ومازالت بسبب هذا الإرهاب. محليا وإقليميا ودوليا تكررت كثيرا تعهدات الحرب ضد الإرهاب وسمعنا كثيرا من سياسيين وقادة رأى وفكر عبارات على شاكلة «الحرب على الإرهاب»، «دحر الإرهاب»، «سنهزم الإرهاب»، وغيرها من شعارات وسياسات لم تنتج الكثير من النجاح. السؤال يكون ببساطة: لماذا لا ينهزم الإرهاب؟
قطعا لا توجد إجابات سهلة أو مباشرة، فقد تعلمنا من علم السياسة ومن تاريخ الدول أن محاولة تفسير أى ظاهرة سياسية بشكل أحادى بسيط لا يكون أكثر من استسهال الإجابة أو ربما تسييسها لمصلحة هنا أو هناك!

***
نعود إلى السؤال، لماذا لا ينهزم الإرهاب؟
أولا، لا ينهزم الإرهاب لأنها ليست معركة، ولكنها حرب طويلة الأجل ممتدة الأمد ومعقدة المراحل وتحتاج إلى تضافر جهود الجميع. تضافر يحتاج إلى إرادة وتصميم والأهم من ذلك رؤية قومية شاملة وبعيدة عن التسطيح وعن استعجال النتائج والأهم من كل ذلك أن تكون بعيدة عن التسييس والمتاجرة!
ثانيا، لا ينهزم الإرهاب لأنه ليست حربا تقليدية يمكن القضاء عليه فيها بقوة السلاح، بل إنى أدعى أن سلاح الدولة فى مواجهة سلاح الجماعات لا يعنى سوى زيادة فرص تفوق الأخيرة لأنها تستدعى الأولى إلى ميدان المعركة التى تريد فى التوقيت الذى تريد، ولكنها مواجهة ثقافية بالأساس تحتاج إلى مواجهات العقول قبل مواجهات الأسلحة. أهم أسلحة مواجهة الإرهاب هى التعليم والاستثمار فى كل ما من شأنه تنمية البشر.
ثالثا، لا ينهزم الإرهاب لأن له حاضنة شعبية، أنكر من أنكر وادعى غير ذلك من ادعى! نعم هذه حقيقة مرة ولكنها تظل حقيقة! اعتبار الإرهابيين«شرا» ومن يواجههم «خيرا»، هو من قبيل التبسيط لكن الحقيقة غير ذلك! هناك ظروف سياسية واجتماعية وثقافية تساهم فى قدرة الإرهاب على استقطاب من يتبعه ويحميه ويحتضنه، مواجهة الإرهاب تحتاج إذن إلى تنمية، وإلى إصلاح وتحسين الظروف المعيشية والحياتية للبشر.. أن تحارب الإرهاب هو أن تحارب من أجل أن يكون لحياة البشر فرادى وجماعات معنى وهدف! فقدان المعنى والهدف فى الحياة يحول حياة البشر إلى جحيم، يحول أرواحهم وأجسادهم إلى قنابل موقوتة جاهزة للانفجار فى أى لحظة دون سابق إنذار!
رابعا، لا ينهزم الإرهاب لأن السلطوية تنتصر! فيوم تهزم الأخيرة سينهزم الإرهاب فالعلاقة بينهما طردية! البيئة السياسية الطاردة لكل مخالف فى الرأى الضاغطة على كل معارض، المهددة لكل صاحب فكر مغاير أو فلسفة مختلفة فى الحياة، البيئة التى تؤمم الحياة السياسية والعامة وترهنها لصالح شبكة مصالح محدودة توفر البيئة الملائمة والمحتضنة للعنف والإرهاب، يوم تنتصر التعددية ومنابرها سيجد الإرهاب نفسه محاصرا بالفعل لا بالقول!
***
خامسا، ينتصر الإرهاب لأن المجتمع المدنى مهزوم ومحاصر! من يواجه الإرهاب هو المجتمع قبل الدولة! المجتمع المدنى هو حائط الصد الأول ضد ظواهر العنف والإرهاب لأن الأخير يبدأ فى المجتمع وبالمجتمع ولن يحارب إلا بالمجتمع! المجتمع المدنى متعدد المنابر، حر الحركة، سريع الخطوة، الذى يحصل على ثقة أجهزة الدولة لا على تشككها وتخوينها وعنفها هو المجتمع القادر على مواجهة الإرهاب والإرهابيين والعكس يكون صحيحا!
سادسا، سينهزم الإرهاب فور انتصار العدالة والقانون. العدالة ليست مجرد قيمة أخلاقية مثالية ولكنها بالمعايير البراجماتية أداة مهمة للحكم والسيادة والهيبة. تسرى هيبة الدولة فى النفوس عندما تنتصر عدالتها، ومن ثم يقل مقدار الغضب العام فى النفوس وتهلك أدوات استقطاب الإرهابيين الجدد الذين كانوا بالأمس مجرد مشاريع للإرهاب ولم يكونوا أمس الأول سوى مواطنين عاديين حولتهم مجموعة متشابكة من العوامل إلى قنابل جاهزة للانفجار فى المجتمع والدولة فى كل وقت.
سابعا، لا ينهزم الإرهاب لأنه لا توجد خطة ولا نية حقيقية للدمج السياسى للشباب. الدمج السياسى لا يحدث فقط بالمؤتمرات ولا بالوعود ولكن بالسياسات وعلى رأس الأخيرة تأتى سياسة التعددية التى تسمح بالممارسة الحزبية والانتخابية الحرة ومن ثم تمنع الفراغات السياسية والاجتماعية التى لا تكون سوى البيئة الخصبة التى تنتشر فيها الأفكار الإرهابية والعنيفة.
ثامنا، لا ينهزم الإرهاب لأن هناك حاضنة دينية إسلامية له فى منطقتنا العربية. حاضنة فكرية وعَقَدِيَّة نظر لها بعض علماء المسلمين وشيوخهم فأحلوا القتل وروجوا له ووفروا له التخريجات الشرعية فاتبعهم الكثيرون ومن لم يتبعهم بالفعل اتبعهم بالقول أو بالقلب وأصبح هناك ترحاب بعضه معلن وبعضه مدمر يسعد بقتل المخالفين ويعتبر ذلك من الواجبات الشرعية! الإسلام ليس دينا إرهابيا لكن بعض من تحدث ومازال باسمه روج للإرهاب بالفعل!
إصلاح الخطاب الدينى إذن يكون واجبا، ولكن هذا الإصلاح يحتاج إلى وعى إسلامى مغاير للوعى السائد حاليا! كما أنه يحتاج إلى بيئة أكثر تعددية تسمح بمزيد من الحريات الفكرية والإبداعات العلمية، والسلطة هنا ليست مسئولة عن «إصلاح الخطاب الدينى» ولكنها مسئولة عن إتاحة المناخ الذى يسمح بمثل هذا الإصلاح.
كذلك فإن «احتكار استخدام أدوات العنف» بواسطة مؤسسات الدولة النظامية (الجيش والشرطة وغيرها من الأجهزة الأمنية)، وهو المبدأ المستقر عليه كأساس لقيام الدول القومية يقابله مبدأ سيادة القانون وهو ما يعنى ألا يتم استخدام هذه الأدوات إلا فى حدود ما يسمح به القانون والدستور، ويقابل هذين المبدأين (حق احتكار أدوات العنف مقابل سيادة القانون) وهو أمر محورى للتفرقة بين محاربة الإرهاب وبين خلق أسباب جديدة لولادة أجيال جديدة من الإرهابيين لندور فى نفس الحلقات المفرغة.
***

يبقى هنا سؤال هو فى تقديرى محورى لمستقبل مصر وغيرها من البلاد العربية التى ينتشر فيها العنف والإرهاب، هل يمكن دمج من لا يؤمن بالدولة القومية ويعتبرها كفرا وخروجا عن الإسلام فى العملية السياسية؟
الخبرة الإقليمية والدولية تقول إن هذا ممكن ولكن بشروط وبسياسات بعضها يأتى على التوازى والبعض الآخر على التوالى. أما من حيث إنه ممكن، فتقول خبرات بعض التجارب الإقليمية (تونس والمغرب الآن وتركيا قبل ٢٠١٤) إن مسألة دمج الإسلاميين فى العملية السياسية هى مسألة ممكنة وقادرة على إنتاج معادلات سياسية جديدة أكثر استقرارا وأقل سلطوية ولكن للدمج شروط معروفة أهمها القبول بسيادة القانون والدستور ومن ثم الاعتراف بالدولة القومية والولاء لها، ولأنه ليس صحيحا أن كل الإسلاميين يعتبرون أن الدولة القومية كفر (هناك من يرى ذلك صراحة وهناك من يرفض ذلك ويقبل بالترتيبات القومية وهناك الكثير ممن يقفون فى موقع الحيرة بين الموقفين السابقين)، فإن دمج المجموعة التى تقبل بالدولة الإسلامية من شأنه تغيير المعادلة الإسلامية الإسلامية واستقطاب الكثيرين إلى مربع الدولة.
الإرهاب فى ظل ظروف المعادلة السياسية الحالية لن ينهزم لأن أدوات محاربته هى نفسها أدوات انتشاره، ومن ثم فشرط نجاح مواجهة الإرهاب يكمن فى تغيير السياسات الحالية ليس من أجل التساهل مع الإرهابيين أو القبول بمنطقهم ولكن للتمييز بين من تحول للإرهاب بالفعل ومحاربته بأدوات قانونية لا بإجراءات استثنائية، وبين من يقف فى موقف الحيرة على وشك الاستقطاب والتحول إلى الإرهاب، فيتم انقاذه بأدوات سياسية وثقافية واجتماعية قبل أن تكون أمنية.
***
هل يعنى هذا أن المواجهات الأمنية غير مهمة؟ قطعا لا ولا غنى عنها، لكنها تظل مواجهات مرحلية قصيرة الأجل قد تكسب المعركة أو تخسرها، لكن الحرب الحقيقية ضد الإرهاب هى فى التحول التدريجى نحو التعددية وما يستتبعه ذلك من توفير إطار ثقافى واجتماعى مغاير للموجود حاليا.
أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر