ثقافة الحكام عندهم وعندنا - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الثلاثاء 7 يوليه 2020 9:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ثقافة الحكام عندهم وعندنا

نشر فى : الأحد 25 يونيو 2017 - 9:05 م | آخر تحديث : الأحد 25 يونيو 2017 - 9:05 م
من السهل أن يعثر القراء على كتابات كثيرة علمية وغير علمية تصف فكرة المواطنين عمن يحكمونهم، من الشائع مثلا الاعتقاد بأن المصريين كانوا يقدسون حكامهم فى العصر الفرعونى، ويتصورون أنهم أبناء الآلهة،، وعندما سقط الاعتقاد بألوهية الحكام بعد انتشار المسيحية ثم الإسلام استمروا ينظرون إلى حكامهم على أنهم موضع الولاء إما خشية منهم، أو تملقا لهم، أو لأن استقرار الحكم المركزى هو ضرورة لحسن استخدام النهر فى بلد مياه الأنهار هى مصدره الوحيد للبقاء وللازدهار، أو ببساطة لأن الخروج عليهم هو مبعث الفتنة. وتجدون تأكيدا لهذا التصور فيما كتبه جمال حمدان عن مصر أو ما كتبه ابن خلدون عن مراحل تطور نظم الحكم فى البلاد العربية، وفى تمييزه بين أساس السلطة فى البدو والحضر. وفى العصر الحديث قارن علماء السياسة بين الثقافة المدنية التى تسودها قيم المواطنة، والثقافة السلطوية التى تشجع على الخضوع للحاكم حتى ولو كان يمارس سلطات مطلقة. ولكن يندر أن نقرأ عن فكرة الحكام عن المحكومين، أى كيف يرى قادة الدول والحكومات المواطنين الذين يمارسون سلطاتهم عليهم. ليس لأن كل هؤلاء الحكام لا يكتبون أو لا يتحدثون عن هذا الموضوع، ولكن لأن حديثهم عنه هو حديث سياسى، فهم يميلون بكل تأكيد لأن يخلعوا على أنفسهم صورة طيبة تذكرها عنهم كتب التاريخ، فهم يطرحون فى هذا الشأن ما يعتبرونه حديثا لائقا، وحتى لو كانوا لا يكنون كثيرا من الاحترام لمواطنيهم، فلا يصرحون بذلك، بل على العكس، هم يقولون بعكس ما يعتقدون. ولذلك تجدون وصف الشعب بأنه القائد والمعلم ومصدر كل الشرعية فى النظم غير الديمقراطية التى تنتهك أبسط حقوق المواطنين.
مع ذلك فإنه ليس بالعسير أن نستكشف رؤية الحكام للمواطنين، ليس من واقع ما يقولون، ولكن من واقع ما يفعلون، فالفعل كاشف عن البنية العقلية الكامنة وراء السلوك. بطبيعة الحال يمكن أن يتصرف أى شخص بما فى ذلك من يحكمون على النقيض من معتقداتهم، ولكن فى الأحوال العادية فإن ما نقوم به هو انعكاس لرؤيتنا عن العالم. هذا الاستكشاف يسير للغاية عندما يميل الحكام إلى التواصل مع مواطنيهم، فالأقوال توضح الأفعال، أو هى تكشف عن نمط القيم الذى يدفع إلى هذه الأفعال، وهذا هو الحال فى كل النظم التى يهتم الحكام فيها بكسب المواطنين إلى جانبهم، ولكن يصبح الأمر أكثر صعوبة فى النظم التى لا يهتم الحكام فيها بالتواصل مع مواطنيهم، هم يلتزمون الصمت فى معظم الأحيان، أو لا يعلقون أهمية كبيرة على مثل هذا التواصل. فهل يمكن فى هذه الحالات أيضا أن نتلمس فكرتهم عن مواطنيهم التى تدعوهم إلى عدم الاكتراث بالتواصل معهم.
***
دعونا نبدأ بما هو أسهل ونستند فى ذلك لما نعرفه عن النظم السياسية المفتوحة، أى التى تتم الأنشطة السياسية فيها بقدر كبير من الشفافية، ولعلنا نجد هذا الأمر سهلا فى النظم السياسية الغربية فى الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهى التى نعرف عنها الكثير بحكم طبيعة نظمها التى لا تضع قيودا على حرية التعبير، والتى تخضع حكوماتها لرقابة المؤسسة النيابية والإعلام والرأى العام، والتى يصل إعلامها إلى جميع أنحاء المعمورة، ومن ثم يسهل علينا أن نستشف فكرة قياداتها السياسية عن مواطنيهم. هنا نجد نوعان من القيادات، ترى الأولى منها أن المواطنين عقلانيين فيما يتخذون من مواقف، وأن مواقفهم تتحدد بحسب طبيعة مصالحهم الاقتصادية فى الأساس، وأنهم مهتمون بما تقوم به حكوماتهم، وأن كسب تأييدهم لسياسات الحكومة القائمة ضرورى لاستمرارها فى السلطة من خلال الانتخابات، وأنهم أنداد للحكام، ومن ثم تسعى هذه القيادات إلى طرح حجج تتصور أنها يمكن أن تكون مقنعة لمواطنيهم أو على الأقل لقسم كبير منهم. وثانى هذه القيادات هم من يعتقدون أن المواطنين تحركهم عواطفهم بأكثر مما تحركهم مصالحهم، أو أن عواطف المواطنين هى التى تحدد مواقفهم السياسية، ولذلك يميل هؤلاء إلى خطاب عاطفى يلعبون به على مشاعر المواطنين وولاءاتهم الأولية، سواء كانت هذه الولاءات هى لأصولهم العرقية أو للونهم أو ديانتهم، أو انتماءاتهم الإقليمية. طبعا يمكن أن نجد مثلا للنوع الأول من القيادات فى هيلارى كلينتون فى الولايات المتحدة وقادة الأحزاب الرئيسية فى بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وأن نجد مثلا للنوع الثانى من القيادات زعماء مثل دونالد ترامب فى الولايات المتحدة وقيادات اليمين المتطرف فى الدول الغربية الثلاث الأخرى مثل أنصار الخروج من الاتحاد الأوروبى فى بريطانيا وزعامات الجبهة الوطنية فى فرنسا وما يعرف ببيجيدا والبديل فى ألمانيا، وهى الأحزاب الموصوفة بالعنصرية ومعاداة الأجانب. لاحظوا مثلا أن المرشحة الديمقراطية فى الولايات المتحدة كانت تتحدث عن برنامج الرعاية الصحية وتوسيع الخدمات الحكومية، بينما شدد المرشح الجمهورى على وضع المصالح الأمريكية فى المقدمة وهاجم الإسلام وطالب بطرد المهاجرين الذين لا يحملون وثائق قانونية. الأولون يشجعون المواطنين على الإحاطة بالشئون السياسية بينما يستغرق آخرون فى الهجوم على الإعلام. التمييز هنا ليس صارما تماما، فكل خطاب سياسى ناجح يجمع بين التوجه إلى المصالح ومخاطبة العواطف، ولكن نسبة الجمع بين كل من هذين التوجهين تتفاوت بين هذين النوعين من القيادات.
أما فى الحالة الثالثة التى هى أقرب لما نعرفه فى بلدان النظم السياسية المقيدة للحريات، فإن عزوف القيادات السياسية، وخصوصا من هم على قمة السلطة عن التواصل مع المواطنين، يعود لتصور هؤلاء القادة عن المواطنين. أول عناصر هذا التصور أن الشئون السياسية ليست اهتماما مشروعا للمواطنين، فهى أمر يخص الحكام وحدهم، إذا ما شاءوا أن يبصروا مواطنيهم أو رعيتهم بها، فهذا فضل منهم وكرم تجاه من يحكمونهم، ولكنهم ليسوا ملزمين بذلك، فتولى الحكم هو امتياز لهم، إما لأنهم قد توارثوه عن آبائهم، أو أنه يجب أن يكون حكرا على المؤسسة التى ينتمون إليها، وكذلك لأن أمور الحكم دقيقة على الفهم، لا يعرفها سواهم، وهم ليس لديهم الوقت أو الصبر لشرحها لمواطنيهم، وفضلا على ذلك فأمور الحكم فى رأيهم لا يهتم بها المواطنون عادة. فأغلب هؤلاء المواطنين لا يهتمون سوى بلقمة العيش، وطالما أنها تتوافر، أو يسعى هؤلاء الحكام لتوفيرها، مع صعوبة ذلك أحيانا عليهم، فليس من المشروع أن يحشر أى من هؤلاء المواطنين أنفه فيما لا يخصه، وخير له أن يقصر اهتمامه على العمل الذى يقوم به، وإلا فإن خروجه عن هذا الواجب سوف يهدد فرصه فى ضمان الحصول على ما يفى بحاجاته الأساسية. تضييع الوقت فى مناقشات سياسية أو فى اجتماعات حزبية أو حتى فى أنشطة احتجاجية فى إضراب عن العمل أو فى مظاهرات أو مسيرات هو مبعث لعدم الاستقرار ويدعو لاضطراب دولاب الإنتاج ويخيف أصحاب الأعمال المحليين ويقلل جاذبية السوق أمام المستثمرين الأجانب. خير للمواطن الصالح حسب اعتقادهم ألا ينغمس فى هذه الأمور لأن ضررها سوف يعود عليه وعلى الوطن كذلك. أما هؤلاء الذين يصرون على الاهتمام بالشأن العام، ويتجرأون على انتقاد الحكومة فى أمور يرى الحكام أنها بعيدة عن فهمهم، أو يؤسسون فهمهم لها على معلومات تأتيهم من صحف وإذاعات أجنبية، فهم قلة مارقة أو مضللة، وهم لا ينتمون للمعدن الوطنى الأصيل، ولذلك يجب حماية المواطنين الصالحين منهم بتضييق فرص التعبير عن آراء هذه القلة، وخصوصا حرمانهم من أى فرصة لتنظيم صفوفهم حتى لا يصبحوا خطرا يهدد النسيج الوطنى. وعلى أى الأحوال فإن رضا المواطنين ليس شرطا ضروريا لبقاء الحكام فى السلطة، فهم لا يعتمدون على الانتخابات الحرة النزيهة لبقائهم فيها، إما لأنهم لا يسمحون بهذه الانتخابات أصلا، أو لأنهم يتحكمون فى كل خطواتها، لا يسمحون بالترشح إلا لمن يثقون فى ولائهم لهم، ولا يتيحون لمن يترشح على غير هواهم فرصة معقولة فى القيام بحملة انتخابية، وهم بسيطرتهم على جميع أنواع الإعلام المقروء والمسموع والمرئى يطرحون عن أنفسهم ومؤيديهم صورة وردية لإنجازاتهم وضرورتهم للوطن، ويشيطنون كل من يجرؤ على انتقاد بعض من أفعالهم.
***
الأمر المدهش حقا أن هذه التصورات عن المواطنين ربما كانت مناسبة فى مجتمعات لم ينتشر فيها التعليم، وتحتكر الدولة فيها كل مصادر المعرفة بالشأن العام، أو تكون صاحبة إنجازات مبهرة فى شئون الاقتصاد والبحث العلمى، وذات سجل حافل بالنجاح فى سياساتها الداخلية والخارجية، أما عندما تغيب كل هذه الأوضاع، وتمر الدولة بأزمات عميقة تشتد فيها حاجتها لتأييد المواطنين، ويملك المواطنون بحكم ما حصلوا عليه من تعليم وما وصلوا إليه من معرفة من خلال ما تتيحه ثورة المعلومات قدرة على الحكم على أمور السياسة بأفضل مما يقدر عليه حكامهم، فإن هذا العزوف عن التواصل مع المواطنين باعتبارهم بشرا يملكون عقلا وضميرا وأنهم أنداد لحكامهم، ليس له تفسير آخر سوى أن هؤلاء الحكام يعيشون خارج الزمن، وأن عجزهم الإرادى عن فهم حقيقة قدرات مواطنيهم سوف يكلفهم فى الأجل القصير فقدان شرعية حكمهم، بل وبقاء أمثالهم فى سلطة الحكم بعد أجل يطول أو يقصر.

 

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات