هل المشكلة هي نقص في أعداد الأطباء؟ - علاء غنام - بوابة الشروق
الإثنين 18 نوفمبر 2019 4:14 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

هل المشكلة هي نقص في أعداد الأطباء؟

نشر فى : الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 10:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 25 يونيو 2019 - 10:00 م

فى الآونة الأخيرة أثيرت هذه القضية على أجندة الحكومة والمجتمع المدنى عندما رأت بعض الجهات التنفيذية أنها مشكلة عاجلة تستحق الاهتمام ووضع الحلول المناسبة لها وكان الاستخلاص الأساسى أننا نواجه تناقصا فى أعداد الأطباء والتمريض بسبب اتجاه أعداد مسجلة ومحسوسة من الأطباء إلى مغادرة البلاد بعد التخرج للعمل فى البلدان المجاورة أو الدول الأوروبية التى هى فى حاجة أيضا للأطباء المؤهلين مثل المملكة المتحدة وألمانيا للعمل فى أطرها المنظمة.

وكانت الاقتراحات المطروحة أمام مجلس الوزراء تتلخص فى ضرورة زيادة أعداد كليات الطب بإنشاء كليات جديدة خاصة فى بعض المحافظات النائية مثل أسوان وشمال سيناء وغيرها إضافة إلى العمل على زيادة أعداد الطلبة المقبولين فى كليات الطب الحالية.

وهنا تدخل بعض خبراء المجتمع المدنى الصحى فى المناقشات مشككين فى أن المشكلة هى نقص فى الأطباء وفق المعايير الدولية ومعتمدين على بعض الإحصائيات التى قد تفتقد إلى الكثير من الدقة حيث أوضح بعضهم صعوبة الحصول على بيانات دقيقة فى هذا الملف وإن كان المتاح من واقع تقارير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ومن منظمة الصحة الدولية تشير إلى أننا لدينا بالفعل قرابة 0.8 لكل 1000 من السكان فى حين أن المعدل العالمى فى الدول المتقدمة مثل بريطانيا مثلا 2.3 طبيب لكل 1000 من السكان ومن ثم اعتبار هذا الرقم المصرى وفى ظروفنا الحالية نسبة مقبولة مرحليا.

كما أن المشكلة من وجهة نظرهم أن هذا النقص قد يوجد فقط فى وزارة الصحة والمؤسسات التابعة لها فى حين أن الجامعات ﻻ تعانى من هذا النقص بل وربما لديها فائض كما أن المؤسسات الطبية الخاصة ﻻ تعانى من أى مشكلة لأنها تقوم بسحب عمالتها المدربة من الجامعة ومن وزارة الصحة لتدنى الأجور بهذه المؤسسات قياسا لما يقدمه القطاع الخاص الطبى لهم والذى يضع هامش ربح عالى يسمح بالدفع لهم بشكل جيد.

إضافة إلى ذلك فالمشكلة من وجهة نظر الخبراء ترجع أيضا إلى النقص الواضح فى وزارة الصحة فى جانبه الأكبر فى الأطباء المطلوبين كأطباء أسرة فى وحدات الرعاية الأولية خاصة فى القطاع الريفى وأيضا فى بعض التخصصات بعينها وأن الأعداد المسجلة لدى الوزارة على الورق قد تشمل كل الأطباء بمن فيهم الحاصلين على أجازات وخلافه للعمل خارجها داخل وخارج البلاد وذلك لضعف هيكل أجورهم فى الوزارة ولسوء مناخ العمل بها، وذلك فى مجمله قد يكون صحيح ومن ثم، فالقضية إذا، ليست فى زيادة أو نقص أعداد الأطباء فالمسجل فى نقابة الأطباء على الورق قد يتجاوز 250 ألف طبيب لكنه لم يتم حصر تواجدهم بدقة أو تنقية جداولهم من الذين يعملون فعلا أو غادروا المهنة لأسباب مختلفة ولذلك فالملف أكبر من التساؤل المطروح، لدينا نقص فى الأطباء أو زيادة!

***
تحديد المشكلة بدقة علمية من أولويات التخطيط السليم لإيجاد الحلول السليمة لها ولذلك نضع بعض الملاحظات الأولية حول الملف:

أولا: نلاحظ أن عموم الأطباء الحكوميين فى مصر يعملون باعتبارهم موظفين رسميين فى قطاع الخدمات المدنية مهما تباينت دخولهم أو مناصبهم داخل الهيكل التنظيمى لأعمالهم تسرى عليهم القوانين واللوائح العامة نفسها لذلك ﻻ يمكن تناول قضية أجورهم إلا إذا تم إعادة هيكلة النظام الصحى برمته وفق المنظومة الجديدة للتأمين الصحى الشامل الذى يحررهم من هذا الإطار الضيق.

ثانيا: لم تكن قواعد العمل التعاقدى القائم على الأداء والإنتاجية ضمن الاعتبارات التى شكلت نظام الأجور فى الحكومة المصرية منذ وقت طويل وهذا ما يجب أن يتغير فى النظام التأمينى الجديد.

ثالثا: بشكل عام مازال الموظف الحكومى حتى لو كان طبيبا أو ممرضا يعيش على دخل ثابت أو شبه ثابت وهم بالفعل «الفقراء الجدد» وهم الذين يعانون أكثر من غيرهم من التضخم ومعاناتهم مستمرة على الرغم من الزيادات العشوائية فى مرتباتهم لمواكبة ارتفاع نفقات المعيشة.

***
فما العمل إذن؟ إذا كان حتى الآن من الصعب التحدث بأى درجة من اليقين عن الحجم الإجمالى لقوة العمالة فى الصحة الملائمة لاحتياجات مصر الحالية والمستقبلية خصوصا فى غياب بيانات دقيقة فى كل منشأة غير منشآت وزارة الصحة وهيئة التأمين الصحى ومع ذلك فمن خلال التقديرات المتاحة إلى فئات العاملين بالوزارة وهيئة التأمين الصحى الحالية نلمح اختلالات خطيرة فهناك فائض من الأطباء فى بعض المنشآت الصحية بالمراكز الحضرية الكبرى وندرتها فى المناطق النائية بداخل المحافظة نفسها أو بين المحافظات بعضها مع البعض، هذا فى الوقت الذى نعانى فيه على مستوى الوطن من ندرة الأطباء فى بعض التخصصات مثل أطباء الرعاية الأولية وطب الأسرة وممرضات المجتمع والممرضات المؤهلات، كذلك نقص فى الفئات الصحية الأخرى مثل الفنيين فى المعامل والأشعة والمراقبين الصحيين.. إلخ، كما أن وزارة الصحة بشكل عام ليس لديها أطباء فى التخصصات النادرة كجراحة المخ والأعصاب وجراحة الأوعية الدموية وجراحات القلب المفتوح وبشكل عام فإن نسبة الأطباء عموما العاملين فى وزارة الصحة يقدرون بقرابة 38% فقط من إجمالى الأطباء المسجلين بالنقابات المهنية ورغم هذه الحقائق يرى البعض أن مصر بها عدد زائد عن الحد من الأطباء بشكل صارخ، فتقديراتهم تذهب إلى وجود أكثر من 2 طبيب حاليا لكل 1000 مواطن وفى رأيهم أن هذا يفوق بخمس مرات العدد المتوقع لكل البلدان فى مستوى مصر اقتصاديا وبالتالى فالأمور سوف تسير إلى الأسوأ وهم يطالبون بتخفيض أعداد المقبولين بكليات الطب الحالية التى يصل عددها الإجمالى عام وخاص إلى قرابة 30 كلية طب.

***
وفى الخلاصة يبدو أن التساؤل الحقيقى ليس فى أعداد الأطباء ولكن فى كيفية بناء سياسة فعالة لتنمية وتخطيط القوى البشرية فى مصر فى قلب برنامج الإصلاح الصحى منذ وقت طويل وتحتاج فى التعامل معها إلى حزمة من السياسات التى تغطى كل مراحل إدارة الموارد البشرية بدءا من نظام التكليف الذى تجاوز القانون السارى العمل به ثلاثة عقود دون تغيير وفى ظل النقص النوعى لأعداد الأطباء وتوزيعهم الجغرافى ومستواهم الفنى ومهاراتهم. ذلك هو قلب المشكلة المحورية لإصلاح القطاع الصحى جذريا وفق نقاط عشرة حددناها فى منتدى الإصلاح الصحى وخبرائه فى الآتى:

• ضرورة وضع خطة استراتيجية للقوى العاملة الطبية لمدة عشرة سنوات من الآن.
• تغيير المناهج التعليمية لكليات ومعاهد الطب والصحة على أن تركز على المنتج النهائى وعلى تعليم المهارات والسلوكيات الأساسية.
• تغيير قانون التكليف الحالى للأطباء ليصبح أكثر شفافية ومرونة ويعتمد على اللامركزية.
• بناء قدرات العاملين فى مجال القوى البشرية فى وزارة الصحة لخلق قيادات قادرة على قيادة القطاع.
• وضع برامج تدريب مستمر لكل العاملين فى القطاع الصحى مرتبطة بتجديد الترخيص والترقى المهنى.
• الاهتمام ببرامج التدريب قبل الخدمة لتهيئة العاملين لما سيقومن به عند استلام العمل ووجود توصيف وظيفى واضح لكل الوظائف الإدارية والفنية.
• قياس الأداء بشكل مستمر من خلال الإشراف الداعم لكل الكوادر الوظيفية والفنية والإدارية.
• تأسيس هيكل أجور عادلة تبنى على أسس منها عبء العمل وجودة الأداء والإنتاجية وحوافز الإجادة والتميز.
• إنشاء نظام معلومات متكامل للقوى العاملة الطبية وقاعدة بيانات طبقا للتخصص والتوزيع الجغرافى.

علاء غنام مسئول الحق فى الصحة فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وخبير فى إصلاح القطاع الصحى
التعليقات