كيف تغيرت صورة مبارك بهذه السرعة؟! - عماد الدين حسين - بوابة الشروق
الخميس 2 أبريل 2020 7:36 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

كيف تغيرت صورة مبارك بهذه السرعة؟!

نشر فى : الأربعاء 26 فبراير 2020 - 10:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 26 فبراير 2020 - 10:20 م

فى أغسطس ٢٠١١، دخل الرئيس الأسبق قاعة محكمة الجنايات بالقاهرة متهما بقتل المتظاهرين، الحاجب نادى على اسمه كمتهم لإثبات حضوره، فرد قائلا: «أفندم»، فى مشهد كان الأسوأ بالنسبة له ولأنصاره، وأمس الأول كان قد استطاع استعادة قدر كبير من مكانته لدى المصريين.
السؤال: كيف يمكن تفسير ذلك الاختلاف؟!.
هناك ما يسمى بمكر التاريخ، وهو ببساطة أن الخواتيم قد لا تكون مطابقة للبدايات بالمرة.
اليوم لا أتحدث عن تقييم عهد مبارك، فقد فعلت ذلك بسرعة، أمس، ولكن سأركز على نقطة محددة وهى تغير المزاج العام بشأن مبارك من النقيض إلى النقيض.
لم يكن أشد المتفائلين حتى سنوات قليلة مضت، يعتقد أن كبار مؤسسات الدولة ستنعى مبارك فى حالة وفاته، لكن ذلك حدث بالفعل ظهر الثلاثاء الماضى.
رئاسة الجمهورية نعته باعتباره «أحد قادة وأبطال حرب أكتوبر» ثم تقدمت بخالص العزاء لأسرته.
ظنى الشخصى أن الرئاسة تصرفت بذكاء شديد، فهى نعت مبارك المقاتل فى معركة أكتوبر، وهو أمر محل إجماع وطنى، وابتعدت تماما عن أى إشارة لجوانب أخرى، تجنبًا لأى تفسير جدلى.
لكن كيف يمكن تفسير إعلان حالة الحداد العام؟! ظنى أنها جاءت لمراعاة تعاطف جانب لا بأس به من المصريين مع مبارك، وظنى أن الحساسيات القديمة قد انتهت أو تلاشت بفعل تعاقب السنين.
كان مفهوما أيضا بيان القوات المسلحة الذى نعى مبارك باعتباره «ابنا من أبناء الجيش وقائدا من قادة حرب أكتوبر».
وفى اللحظة التى صدر فيها بيان رئاسة الجمهورية، ثم بيان القوات المسلحة، كان مفهوما توالى بيانات النعى والمواساة، خصوصا بيان مجلس الوزراء، الذى أشار إلى أنه «كان رئيسا للوزارة فى الفترة من أكتوبر ١٩٨١ يناير ١٩٨٢».
بيان الرئاسة ثم القوات المسلحة، وفر غطاء لكثيرين من مؤسسات وأفراد وشخصيات عامة، ورفع عنها الحرج فى حالة عدم صدور مثل هذا البيان.
مشيخة الأزهر نعت مبارك وأشادت بمسيرته الوطنية، ودوره البارز فى حرب أكتوبر، وهو نفس ما جاء فى نعى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، لكن بيانها أضاف فقرة: «أن مبارك تحمل مسئولية الوطن فى ظرف عصيب لمدة ٣ عقود».
غالبية الأحزاب السياسية وكوادرها «نقشت» عبارات وفقرات وكلمات بيان الرئاسة بالحرف، فى نعيها لمبارك، خصوصا الفقرة التى تتحدث عن دوره فى حرب أكتوبر والضربة الجوية التى قادت إلى الانتصار الكبير.
بعض الأحزاب كانت متماهية مع نعى الرئاسة، وبعضها أخذ «جوهر النفى» وبعضها الثالث أضاف عبارة أن للفقيد سلبيات وإيجابيات أو «له ما له وعليه ما عليه»، وهى العبارة التى تعامل بها البعض بالسخرية!.
والملاحظ أن كل الهيئات والمؤسسات الرسمية العامة، وحتى الخاصة لم تشذ عن بيان الرئاسة، وبالتالى، لم نسمع أى انتقادات، ورفع الجميع مبدأ: «اذكروا محاسن موتاكم».
السؤال كيف تحول المشهد كاملا من الحكم عليه بالسجن، إلى أن الدولة المصرية تنعاه وتعلن عليه الحداد ثلاثة أيام؟!.
«إنها السياسة وتقلباتها.. تلك هى الإجابة الحاضرة فى ذهنى الآن.. السياسة تقول لنا بوضوح إنه لا يمكن لشىء أن يستمر كما هو من دون حركة، بما فيها مزاج الشعوب ومواقفها، التى هى متقلبة أو متغيرة بطبعها، طبقا للظروف والتطورات».
حينما غادر مبارك السلطة كان كثيرون يعتقدون أن كل مشاكلهم انتهت، وبالتالى كانوا ساخطين عليه، مراهنين على أن المقبل وردى، ثم اكتشفوا بعد سنوات طويلة أن المشكلة ليست فقط فى شخص مبارك أو حتى رموز حكمه، بل هى نتيجة لتراكمات سياسات ومشاكل يصعب حلها فى سنة أو حتى عشر سنوات.
اعتقد كثيرون أنه من سوء حظ مبارك أن يعيش كل هذه السنوات، وهو ملاحق ومعه أسرته وأولاده بالاتهامات المتعددة ويتنقل ما بين السجون أو مستشفياتها، ثم مر الزمن بسرعة، وخرج مبارك وصار كثيرون يطرقون باب بيته، ويتباهون بأنهم قابلوه والتقطوا معه الصور التذكارية، ثم اكتمل المشهد بحصول نجليه علاء وجمال على البراءة فى قضية التلاعب بالبورصة قبل أيام قليلة، هذا المشهد يدعونا للتأمل وعدم إطلاق أحكام باتة ونهائية حتى ننتظر ماذا ستفعل بنا الأيام!.
صورة مبارك لدى وفاته تحسنت إلى حد كبير فى نظر كثيرين، بمن فيهم بعض من ثاروا عليه.

عماد الدين حسين  كاتب صحفي