التفكير فيما لا يفكر فيه - يوسف الحسن - بوابة الشروق
الخميس 9 أبريل 2020 2:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

التفكير فيما لا يفكر فيه

نشر فى : الثلاثاء 26 نوفمبر 2019 - 11:15 م | آخر تحديث : الثلاثاء 26 نوفمبر 2019 - 11:15 م

لا نبالغ، لو قلنا إن أسوار نظم المحاصصة والطائفية والفساد، فى العراق ولبنان، تهتز اليوم أمام احتمالات تصدع متزايدة، ومعها أيضا النفوذ الإيرانى، الذى له نصيب كبير فى حراسة هذه الأسوار، بالمشاركة أو بالسكوت والتغطية، وفى ظل «عملية» تصدير الثورة والهيمنة، المستمرة طوال العقود الأربعة الماضية.
هل وصلت رسالة هذا الحراك الشعبى الخالص، وجوهر شعاراته، إلى صناع القرار الإيراني؟ هل أدركت القيادة الإيرانية، مخاطر تحالف الفساد مع أمراء الحرب الطوائفية، وزعماء المحاصصة، على تعزيز ضعف المناعة الوطنية للدولة، وتهديد مستقبل علاقات الشراكة والتعايش بين أبناء الوطن الواحد، وتوفير فرص الانفلات والفوضى والعنف والحروب الأهلية، وهدر الموارد، وقتل الأنفس البشرية؟
هل يمكن للقيادة الإيرانية، أن تفكر بعقلانية وواقعية، وتستنتج ما مفاده: أن الرغبة الإيرانية الجامحة، فى بسط النفوذ، على عواصم وبلاد عربية، قد وصلت إلى نهاياتها؟ وأن الهيمنة عصية فى نهاية المطاف، حتى لو تدثرت بأثواب «المقدس الطائفى والمذهبى» الضيقة، أو بشعارات «الموت لإسرائيل» أو «الموت للشيطان الأكبر» الأمريكى، (لتحسين شروط التفاوض معه، ونتذكر فضيحة إيران غيت، وإيران كونترا، فى أواسط الثمانينات).؟
ليس من مصلحة إيران الدولة، ولا الشعوب الإيرانية، أن يتلوث الفضاء الشرق أوسطى بالغرائز المذهبية والطائفية والفساد والمغالبة، وفى أزمنة يعانى فيها النظام السياسى العالمى، أزمة غير مسبوقة، وفى مرحلة تتطلب من الشعوب الإيرانية، شد الحزام، وأن توفر الدولة الإيرانية على نفسها الجهد والمال والسلاح والأكلاف البشرية، فى حروب للهيمنة خارج حدودها. وبخاصة أن هناك فى إيران اليوم، جيل صاعد، مغاير لجيل آفل آمن بتصدير الثورة، ببصمتها المذهبية الضيقة، وأوصل إيران إلى حالة من الصدام المستدام، مع أشقاء وجيران، وفى أكثر من مكان. وأقحمها كشريك فى استفحال أمراض سياسية واقتصادية هائلة، فى أجزاء من المنطقة، من فساد وخلل واهتراء، وتنمية معاقة، وفتن واحتراب، وتزايد فى عسكرة البر والبحر فى الإقليم، وضغوط لاستيراد الأمن الخارجى، والذى يتحول وجوده إلى ذريعة إيرانية للتنمر والابتزاز، وفجاجة فى التعامل مع جيرانها فى حوض الخليج.
طوال أكثر من ثلاثة عقود، ظلت العلاقة الإيرانية مع معظم دول الخليج والجزيرة العربية، ودول عربية أخرى، فى إطار أزمة وتحد وهواجس، ولعب إيرانى فج فى «الفراغات» العربية، وهو إطار عرضة لاحتمالات سوء التقدير، والتصرفات الخاطئة، والانفلات، وردود الأفعال الانتقامية، فضلا عن المفاجآت.
ومن أسف، فإن التوترات الأمنية فى إقليم الخليج، والوطن العربى، فى تزايد وتصاعد، وإن أطرافا عربية وإيرانية وأجنبية أخرى، منخرطة فى حرائق عديدة، فى ظل تحديات غير مسبوقة، بعضها عابر للحدود، وبعضها الآخر يتطور على وقع تحولات عالمية، واهتزازات دولية فى السيطرة على التفاعلات الإقليمية.
***
لا شك فى كون إيران شريكا فى الجغرافيا، كما أنه من المؤكد، أن إيران لا تستطيع أن تُسقط عمقها الحضارى والتاريخى فى المشرق العربى، وهذا من حقها، لكن هذا التواصل مع هذا العمق، واستقراء لتجارب الماضى وعبره، واستحضارا لتحديات الحاضر وإكراهاته، ومآلات المستقبل وفرصه، لن يتحقق من خلال العناد والاستكبار والهيمنة والأوهام الإمبراطورية، أو من خلال تصنيع الآليات المليشاوية المذهبية التابعة، كبديل عن مشروعية الدولة العربية الوطنية، والتى لها وحدها حق احتكار العنف تحت سقف القانون، وحماية للحقوق والحريات. وإنما يتحقق من خلال التعاون والاحترام المتبادل، وجلب المصالح المشتركة، وبناء جسور التواصل والثقة المتبادلة، وتعزيز السلم وثقافة التعايش والحوار البناء، والعمل معا لعمران الأرض.
لا تريد دول الخليج العربية، ومعها دول عربية وازنة، ودول مسلمة معتبرة، من إيران إلا أن تكون جارة طبيعية، تتواصل معها، فى ظل الاحترام المتبادل، وعدم التدخل فى شئون الآخر الداخلية، وتتبادل معها التجارة والأعمال، وتتعاون فى مجالات الطاقة والعلوم والثقافة والبيئة، والملاحة البحرية، ومكافحة التطرّف والإرهاب، وإخلاء منطقة الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل، والتعاون فى تحقيق الأمن الجماعى فى حوض الخليج، وإنجاز تنمية شاملة مستدامة، فى ظل بيئة من الاستقرار، وتوافق على إقامة إجراءات لبناء الثقة، وتقليص التوترات وإزالة الهواجس.
إن ظروف الفوضى والارتباك، المخيمة على ما يسمى بالشرق الأوسط، وفى قلبه الوطن العربى، وبخاصة إقليم الخليج، ذو الأهمية الجيوسياسية، ومصادر الطاقة، تجعلنا أكثر رغبة فى الحلول السياسية، لإطفاء الحرائق والتوترات، وبناء الثقة بين دول المنطقة، وفق مفهوم شامل من التعاون والشفافية وتحمل المسئولية، وبقدر ما فى منظومة مجلس التعاون الخليجى العربى من خلل، أقلّه أن المجلس لا يوفر منبرا متعدد الأطراف لإدارة الأزمات أو الدبلوماسية الوقائية، فإن إيران أيضا تعانى من نقاط ضعف كثيرة، ليس أقلّها أن نظامها السياسى الدينى، لا يستطيع الوفاء باحتياجات العصر، وإن تمددها الخارجى باتجاه اختراق الأمن القومى العربى، له حدود وأكلاف وتداعيات سلبية، ومفاجآت شاهدنا بداياتها فى لبنان والعراق.
***
أمام هذا المشهد المتوتر، والمعرض للتفجر، وتعثر الحوارات فى بؤر الصراعات، وتغير التوازنات، وتطور التحالفات، وصعوبة بناء علاقات صداقة واضحة، ولا علاقات عداء واضحة مع إيران، فإن الحكمة والواقع والتوقع، والمصلحة المشتركة، تقتضى التفكير فيما لا يفكر فيه، وهو الدعوة لإرساء نظام للأمن والتعاون فى حوض الخليج، لمعالجة معضلة الأمن الجماعى، واتخاذ إجراءات فعالة لبناء الثقة، وتطوير رأى عام فى المنطقة مناهض للحروب والمغالبة، وصولا إلى الاقتناع التام بأن أمن الخليج هو مشروع مشترك حقا، يوفر نظاما أمنيا وتعاونيا، أكثر استقرارا، ويمنع الصراع، أو يحسِّن القدرة على التوقع، ويساعد على إدراج إيران فى الهياكل الإقليمية، طالما سلكت نهجا مسئولا.
إن نظاما للأمن والتعاون فى الخليج، لا يلغى مجلس التعاون القائم، ويتطلب البدء فى إطلاق حوار تدرجى لبناء الثقة المتبادلة، وتبنى الدبلوماسية لتسوية الخلافات، ووقف التجاوزات المتمثّلة بالتدخل فى الشئون الداخلية، واحترام سيادة الدول، وإعمال الشفافية فى الأُطر والأنشطة العسكرية، والعمل التعاونى لحماية حرية الملاحة البحرية، وبضمانات حقيقية دولية، ونزع فتيل التوترات...إلخ.
نحن بحاجة ماسة لرؤية خليجية، بعمق عربى، تبلور وتطرح مثل هذه المبادرة، بصوت واضح، وبجهد ذاتى، وأيد راشدة وعليمة وحكيمة، مدركة للواقع والتوقع، ومؤمنة بثقافة التعايش السلمى مع الآخر المغاير، وتحت سقف المواثيق والمعاهدات الدولية، جلبا للمصالح ودرءًا للفتن والصراع والمفاسد والعنف.
آن الأوان، لأن يقدم عرب الخليج والجزيرة العربية، المبادرة العربية فى هذا المجال، بعد أن كثرت المبادرات من الشرق والغرب، ومن إيران نفسها، ومن مراكز بحثية غربية.. فضلا عن وجود تجارب ناجحة وأخرى أقل نجاحا، عرفتها أوروبا وإفريقيا وآسيا، مثل: منظمة الأمن والتعاون الأوروبى ونموذج هلسنكى، والحوار المتوسطى، ورابطة دول جنوب آسيا(آسيان)... إلخ.
ما المعضلة فى بلورة إطار تعاونى فى إقليم الخليج... فى لحظة الحيرة الاستراتيجية الراهنة؟

مفكر عربى من الإمارات

 

يوسف الحسن  مفكر عربي من الإمارات
التعليقات