شباب كوبا وأوهام ماكدونالدز - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الإثنين 15 يوليه 2024 7:35 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

شباب كوبا وأوهام ماكدونالدز

نشر فى : الجمعة 26 ديسمبر 2014 - 7:35 ص | آخر تحديث : الجمعة 26 ديسمبر 2014 - 7:35 ص

سألتنى طالبة من جامعة هافانا قبل سنوات أربع «ما هو طعم قهوة ستاربكس لاتيه؟ وبماذا تشعر عندما تتناول وجبة بيج ماك من محلات ماكدونالدز؟». وعلى الرغم من امتلاك محال ستاربكس لفرع فى قلب ميدان تيانينمين بالعاصمة الصينية، وامتلاك ماكدونالدز لفرع ضخم فى قلب الميدان الأحمر الشهير بوسط مدينة موسكو، إلا أن هافانا وبقية المدن الكوبية يختفى منها أى وجود للمحال المنتشرة فى مختلف أنحاء العالم. ولا يدرك شباب كوبا أن وجود ماكدونالدز أو ستاربكس ليس بالضرورة خبرا جيدا. ولا يسبب غياب المحلات الأمريكية فى حد ذاتها سببا لإحباط الشباب الكوبى، مصدر الإحباط هو عدم توفير الحكومة الكوبية بديلا محليا. وحتى اليوم تتبع كوبا نظاما شيوعيا صارما فى ظل عقوبات فرضتها عليها واشنطن عقب نجاح الثورة الكوبية فى القضاء على النفوذ السياسى والرأسمالى الأمريكى فى الدولة الجزيرة.

•••

ذهبت لكوبا متجولا بين هافانا العاصمة وبين ريفها الساحر وشواطئها الخلابة، وحاولت أن أفهم كيف لجزيرة تبعد 90 ميلا فقط عن ولاية فلوريدا أن تحيا منعزلة بشيوعيتها (ضد رغبتها) عن عالم أمريكا.

وتذكرت هذه الفتاة وغيرها ممن التقيت أثناء زيارتى لكوبا إثر نشر أخبار مبادرة الرئيس الأمريكى باراك أوباما لأنهاء عقود من العداء بين الولايات المتحدة وكوبا والعمل معا على فتح عهد جديد لتطبيع العلاقات بين واشنطن وهافانا.

وعد أوباما بإعادة فتح سفارة بلاده فى هافانا، ووعد بأنه سيطلب من الكونجرس رفع الحظر المفروض على كوبا منذ نصف قرن. من ناحيته أعلن الرئيس الكوبى راؤول كاسترو أنه اتفق مع أوباما على إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وتعهد كاسترو بعدم تخلى بلاده عن الشيوعية، وأكد سعادة الشعب الكوبى بالتقارب التاريخى بين كوبا والولايات المتحدة.

ورأى بعض الخبراء أن اعتراف أوباما بأن عزل كوبا لأكثر من نصف قرن لم يكن له أى نتيجة وأن السياسية الأمريكية تجاه الجزيرة الصغيرة هى سياسة عفا عليها الزمان، يمثل انتصارا تاريخيا للثورة الكوبية.

•••

إلا أنه خلال زيارتى لكوبا، بدا واضحا انحراف الثورة الكوبية عن العديد من مبادئها السامية. فرغم أن الكوبيين، حتى المناوئين منهم لنظام كاسترو، يتحدثون بافتخار عن الإنجاز العظيم المتمثل فى القضاء الكامل على الأمية، وأقامه أحد أفضل نظم الرعاية الصحية فى العالم، إلا أن استمرار غياب الحريات الأساسية وتجريم المعارضة السياسية لا يمكن تبريره، ولا يمكن قبوله من أجيال الشباب.

عندما قامت الثورة الكوبية عام 1959 بلغت نسبة الأمية ما يقرب من 40% من إجمالى السكان. وتبنى قائدا الثورة حينذاك، الشابان فيديل كاسترو ورفيقه تشى جيفارا، خطة طموحا للقضاء على الأمية فى البلاد كونها عقبة أساسية فى سبيل نهضة وتطور البلاد.

كانت الأغلبية العظمى من الأميين فى كوبا من الفلاحين سكان الريف، العاملين فى الزراعة. وتلخصت خطة شباب الثورة الكوبية فى القضاء على الأمية خلال عام واحد، وأطلقوا عليه «عام التعليم». وقبل نهاية العام بلغت نسبة الأمية فى كوبا 4% فقط، وهو ما اعتبره الكثير من الخبراء الدوليين، ومنظمة اليونسكو، معجزة الثورة الكوبية والانجاز الأهم لها، واليوم تقترب نسبة من لا يعرفون القراءة والكتابة فى كوبا من الصفر.

ثم نجحت ثورة كاسترو فى تأسيس أفضل نظام تعليمى وأفضل نظام رعاية صحية بين دول أمريكا اللاتينية. يوجد بكوبا 9 آلاف مدرسة ابتدائية، ولا يسمح أن يزيد عدد طلبة الفصل الواحد عن 20 تلميذا كى لا يتأثر مستوى الاستيعاب. ويقل عدد الطلاب فى المدارس الاعدادية ليصبح 15 تلميذا فقط. كما نجح نظام كاسترو فى انشاء نظام رعاية صحية متكامل بدء من طبيب الأسرة والعيادات الصغيرة وحتى المستشفيات المتخصصة ومراكز البحوث. وتتوفر الرعاية الصحية المجانية لجميع الكوبيين، من هنا يندر أن تشاهد مواطنا كوبيا لديه عاهة أو أن يبدو أن صحته سيئة فى شوارع كوبا. وتغطى شبكة الخدمات الصحية طول البلاد وعرضها، وتمتلك كوبا أكبر عدد من الأطباء بالنسبة لعدد السكان بين كل دول العالم. ورغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى تعيشها كوبا منذ زوال الاتحاد السوفيتى عام 1991، تخصص كوبا اليوم 10% من ناتجها القومى الاجمالى لقطاع الصحة، وتخصص كذلك 12.8% لقطاع التعليم.

•••

تدرك غالبية الشعب الكوبى اليوم أن الثورة ليست غاية، فالشعب الكوبى الذى توفر له الدولة إضافة للتعليم والرعاية الصحية، تموينا مدعوما ومواصلات مجانية، وغيابا شبه كامل لجرائم العنف من المجتمع، ما زال يطالب بالحريات والحقوق السياسية. كوبا التى يبلغ عدد سكانها أقل قليلا من 12 مليون مواطن، لا تستطيع أن توفر حياة اقتصادية كريمة لمواطنيها لأسباب أهمها العقوبات الأمريكية التى فرضت عليها لأكثر من نصف قرن. إلا أن الأجيال الشابة من الكوبيين تعرف أن هناك شيئا اسمه الانترنت، إلا أنهم لا يستطيعون استخدامها. ويمتلك فقط 13% من الكوبيين تليفونات محمولة، وهى ذات النسبة التى لديها وسيلة للحصول على خدمات الانترنت.

ويتساءل شباب كوبا كيف لنظام ثورى أن يعيش على نفس الشعارات لأكثر من نصف قرن من الزمان؟ وكيف استطاعت كوبا أن تنأى بشعبها عن مجمل الأحداث العالمية الكبيرة والتغيرات التكنولوجية التى أثرت ومازالت فى كل أركان كوكب الأرض، فى وقت لا يزال 85% من شباب كوبا الفيس بوك ولا التويتر ولا الإيميل.

ويستدعى هذا طرح تساؤل مهم قبل أن تفتح كوبا أبوابها للأمريكيين من جديد: هل سيستمتع الشباب الكوبى بتناول وجبات ماكدونالدز ومشروبات ستاربكس؟ أم أنهم سيندمون على خسارة خصوصية كوبية يحسدهم عليها الكثير من شعوب الأنظمة التى تدور فى فلك أمريكا.

محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات