لا سكين.. ولا مقص - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 يناير 2021 11:51 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

لا سكين.. ولا مقص

نشر فى : الأحد 27 أبريل 2014 - 6:55 ص | آخر تحديث : الأحد 27 أبريل 2014 - 6:55 ص

يرتدى أى حاجة ويقول أى كلام ويبيع الهوا. ينفخ فى دائرة صغيرة من البلاستيك فتنطلق فقاعات الصابون، وتطير وترتفع وتنتشر وتختلط بذرات التراب والجو الأغبر اللذان عرفت بهما القاهرة، ثم ترتطم الفقاعات السحرية بزجاج السيارات فتحدث بقعا كبيرة وسخة، خاصة عندما يكون هناك أكثر من بائع «فقاقيع» فى إشارة المرور الواحدة.. خلال لحظات نفهم معنى الواقعية السحرية على الطريقة المصرية: فقاعات مدهشة ومبهجة تندفع بحرية تُسليك فى أوقات الانتظار الطويل كأنك فى كرنفال، أشخاص يبيعون الهواء فى زجاجات متعددة الأحجام، وآلات تنبيه وعوادم وقذارة صارت ماركة مسجلة.

•••

فى إشارة المرور نفسها، دون حركة أو مجهود منك، يمر شخص آخر: شاب أسمر طويل، بصحة جيدة، لا يشكو من شيء، وقد حمل على ظهره ماكينة سن السكاكين. لا رغبة لديه فى الدعاية لما يقوم به على طريقة أبناء مهنته الذين يصرخون عادة: أسن السكين وأسن المقص.. ببساطة لأنه لا ينتوى فعل ذلك، فالإسطوانة الدائرية القديمة لا تعمل والجنزير الحديدى مقطوع.. العدة كلها مجرد إكسسوار غير مقنع، وهو لا يكترث ولا يعبأ بأن يكون مقنعا.. لا ينتمى لطائفة الباعة الجائلين الذين يقدر عددهم بحوالى خمسة ملايين، ويحاول بعض الخبراء تقنين أوضاعهم وإصدار تراخيص لهم إلى ما غير ذلك.. ولا يحترف الشحاذة فيحاول اصطناع عاهة أو عجز ما، ولا يبدو وكأنه على دراية بطبيعة البشر وردود أفعالهم ومستواهم الاجتماعى، وبالتالى يتوقع دوما منهم أشياء لا يمكن أن يجودوا بها.. باختصار هو غير محترف على الإطلاق، ولا يرغب فى بذل أدنى مجهود، كأن وجوده فى الشارع فى برد الشتاء أو قيظ الصيف هو إنجاز فى حد ذاته.. مجرد متطفل على مجتمع قرر استبعاده منذ وقت مبكر.

•••

يزيد من سريالية المشهد مرور أحدهم وقد اتشح بالسواد: بدلة تشبه زى الجرسونات وقبعة شارلى شابلن، وفى يده مضرب ذباب أخضر فسفورى فاقع.. حضور غرائبى لا تخطئه عين.. شارع نصف عاقل نصف مجنون.. حياة يومية صعبة وعجيبة، يختلط جدها وهزلها.. شخوص ووجوه نلتقيها يوميا على الأسفلت وكأنهم مزيج من هرطقة السنين وأساطير محلية الصنع. وأحيانا يتحول هؤلاء إلى قنابل موقوتة، وتنقلب السخرية إلى عنف دامٍ.. فنحن أيضا بلد امتلأ تاريخه بالأساطير والأبطال الخرافيين والديكتاتوريات، نشبه أمريكا اللاتينية فى بعض ملامحها، لذا نقترب من روح الواقعية السحرية كما كتبها الأديب الكولومبى جارسيا ماركيز الذى رحل عن عالمنا مؤخرا، وخير ما يخلد ذكراه ــ بخلاف أسلوبه المتفرد وسرديته المتقنة ــ هو وجود بشر وعوالم يختلط فيها الواقع والخيال إلى هذا الحد، الخارق والتافه.. وكما تتقلص المسافة بين الحقيقة والخيال، تتماهى الحدود الفاصلة بين التعريفات المختلفة فى الشارع: من هو المتسول ومن هو «الأرزقى»؟ وما الفارق بين «البلطجة» وسطوة التضامن الاجتماعى؟ وهل وراء كل كاذب سارق مستتر؟ الشخصيات التى قد نقابلها فى إشارة مرور قاهرية أو فى قرية ماركيز كلها خلقت من رحم واقع جامح، أغرب من الخيال، يصر فيه البعض أنه قادر على سن السكين بواسطة قرص حجرى لا يعمل، فى زمن يستخدم فيه الليزر لمثل هذه الأغراض فى أماكن أخرى حول العالم.

التعليقات