ملاحظات على عملية تشكيل الحكومة - إبراهيم عوض - بوابة الشروق
الأربعاء 19 يناير 2022 7:37 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


ملاحظات على عملية تشكيل الحكومة

نشر فى : الأحد 27 سبتمبر 2015 - 9:40 ص | آخر تحديث : الأحد 27 سبتمبر 2015 - 9:40 ص

حلفت الحكومة المصرية الجديدة اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية بعد ثمانية أيام من تكليف رئيسها بتشكيلها. العملية التى مرّ بها تشكيل الحكومة تستحق إبداء عدد من الملاحظات عليها. هذه الملاحظات تستند إلى ما نشرته الصحافة عن العملية، فالعهدة عليها إذن، وإن كان يجدر التنويه بأن روايات الصحف جميعها كانت متفقة فيما نشرته.

منذ اليوم الثالث من بدء عملية التشكيل، صار الإعلان عن اكتمال التشكيل وحلف اليمين فى اليوم التالى، فلما لم يحدث ذلك، أعلن فى اليوم الخامس أن تشكيل الحكومة سيتم فى نفس ذلك اليوم وهو ما لم يحدث بدوره. فترة الأيام الثمانية لتشكيل الحكومة ليست طويلة مطلقا مقارنة بما عرفته بالفعل بلدان ديمقراطية عديدة. ولكن طول فترة تشكيل الحكومات مقترن بالحكومات الائتلافية التى يحتار رؤساؤها المكلفون أولا فى جمع أغلبية تسانده فى البرلمان تنتمى إلى أحزاب متباينة قد يكون بين عقائدها وبرامجها تنافر، ثم فى عدد الحقائب التى تسند إلى كل من الأحزاب المؤتلفة ونوع هذه الحقائب التى يهتم بها ويرضى عن توليها كل حزب من الأحزاب. مثال صارخ على تعقد عملية تشكيل الحكومات الائتلافية، لا يحب أحد الاحتذاء به، يأتى من بلجيكا التى امتدت فترة تشكيل حكومتها فى سنة 2010 إلى ثمانية عشر شهرا. أما عندما يكون لحزب واحد الأغلبية فى البرلمان، فإن عملية تشكيل حزب الأغلبية للحكومة لا تستغرق وقتا فثقة البرلمان مكفولة وللحزب توجهه الذى يهدى اختيار الوزراء.

***
الأمثلة على ذلك عديدة من العالمين النامى والمتقدم، ولعل تشكيل حكومة حزب المحافظين فى بريطانيا بعد انتخابات الربيع الماضى بينة على ذلك. جرت الانتخابات العامة يوم 7 مايو وفى اليوم التالى مباشرة أعلن عن أسماء عدد من الوزراء وتوالى الإعلان حتى اكتمل تشكيل الحكومة البريطانية يوم 11 مايو. ما بالك إذن إن لم يكن ثمة برلمان أصلا يعمل رئيس الحكومة على إرضائه؟ للمراقب أن يتساءل عن السبب فى امتداد عملية تشكيل الحكومة لثمانية أيام كاملة فهو له أيضا أن يتصور أنه طالما اتخذ قرار بتغيير الحكومة، خاصة أنه كان قرارا مفاجئا، فلا بد أنه كان وراء قرار التغيير فكرة محددة وتوجه واضح يهدى اختيار رئيس الحكومة ومن بعده وزراؤه.

قد يكون الردّ على التساؤل مما أعلنته الصحافة على المواطنين من أنباء عن عملية التشكيل خلال الأيام الثمانية التى استغرقتها. باستثناء وزراء الدفاع والخارجية والشباب والبيئة والتخطيط، طالت أنباء احتمالات تغييرهم جميع الوزراء، وحتى وزير التخطيط أذيع نبأ عن إمكان فصل التنمية الإدارية عن اختصاصاته فى الحكومة السابقة. أسماء كثيرة جدا جرى تداولها لمن يمكن أن يتولوا الحقائب الوزارية المختلفة لم يتضح على أى أساس جرى الاهتداء إليها. عدم وضوح هذا الأساس ربما أدّى بدوره إلى غيام فى معايير الاختيار من بين من نشرت أسماؤهم على الرأى العام. كثرة المرشحين تنمّ عن أن المقصد من تغيير الحكومة لم يكن بالوضوح الذى يفترض فى قرار التغيير المفاجئ.

***
جاء فى الصحافة أن «الأجهزة الرقابية» تولّت عرض أسماء ثلاثة مرشحين لكل حقيبة وزارية يفاضل رئيس الحكومة المكلف فيما بينها ليختار الشخص الذى يدخل فى حكومته وزيرا مسئولا عن الحقيبة المعنية. هذا يعنى أن تشكيل الحكومة كان مصمما على مرحلتين، وأن رئيس الحكومة تركت له مسئولية المرحلة الثانية المحصورة فيما يحدد له مسبقا. أغلب الظن أن هذه العملية من مرحلتين لم تصمد أمام ما واجه التشكيل من صعوبات نتيجة لغيبة الاتجاه والمعايير، فظهرت أسماء جديدة فى تعجل عندما تأخر اكتمال التشكيل الحكومى يوما بعد آخر. ربما كان الدليل على ذلك فى ظهور أسماء مفاجئة تماما لم ترد فى أى أنباء من قبل فى التشكيل الحكومى النهائى الذى أعلن عنه وحلف اليمين أمام رئيس الجمهورية.

ورد أيضا فى الصحافة أن اعتبارات «الأجهزة الرقابية» فى ترشيحاتها كمنت فى الكفاءة والنزاهة، ويفهم من ذلك أنها كانت حريصة على ألا تتكرر واقعة اتهام وزير الزراعة السابق بالفساد، كما أن هذه «الأجهزة الرقابية» اعتبرت أداء الوزراء ونزاهتهم أساسين للإبقاء عليهم أو تغييرهم. الأصل فى رقابة الحكومة ووزرائها هو أن يضطلع بها البرلمان فهذه واحدة من وظائفه الثلاث، إلى جانب التشريع وتمثيل الشعب. رقابة البرلمان هى رقابة سياسية وهى تمتدّ بالضرورة إلى نزاهة الحكومة ووزرائها ولكنها لا تقتصر عليها ولا على كفاءتهم الفنية. الحاصل هو أن الوزراء يراقبون ويقوّمون كما يقوّم الموظفون العموميون وهم يرشحون أيضا على هذا الأساس. اختيار الوزراء على أساس معايير تعيين الموظفين وترقيتهم يربك تشكيل الحكومة وينزع عنها طابعها السياسى الأصيل، ناهيك عن أنه غير لائق فى حق الوزراء غير المستبقين فى الحكومة الجديدة الذين أدوا واجباتهم بشرف، ما لم يثبت عكس ذلك، فى حدود الأوضاع العامة وظروف كل منهم وامكانياته.

**
نزع الطابع السياسى عن الحكومة يكشف عنه أيضا الحرص على «سرّية» عملية تشكيلها. فى العملية السياسية الأساس هو العلن وتشكيل الحكومة فى قلب العملية السياسية فى أى مكان. الاحتجاج بأن السرِية لتفويت الفرصة على الموظفين فى هذه الوزارة أو تلك للاعتراض على المرشحين مردود عليه لأن الاعتراض يمكن أن يثور بعد تشكيل الحكومة ووقعه عندئذ أقوى منه قبل التشكيل. وعلى أى حال، فلقد اعترض موظفون فى بعض الوزارات على فكرة رحيل وزيرهم واحتج آخرون على ترشيحات محددة.

وكان من الأسباب المعلنة كذلك لتأخر الإعلان عن التشكيل الحكومى هو اعتراض رئيس الجمهورية على أن يكون من بين أعضائها من يتعدّى سنه الخامسة والستين. إضافة إلى تلك التى وردت أعلاه، فإن ثمة ملاحظات واستنتاجات أخرى يخرج بها من ينظر فى التشكيل الحكومى المكتمل.

أعلن أثناء عملية التشكيل عن تغيير وزراء ولم يتغيروا، وأعلن عن الإبقاء على وزراء فتغيروا. واتضح أنه ليس صحيحا تماما أن رئيس الجمهورية اعترض على المرشحين الذين تجاوزت أعمارهم الخامسة والستين فوزير الإنتاج الحربى الجديد من خريجى سنة 1967 وهو ما يعنى أنه اقترب من السبعين إن لم يكن قد وصلها، وهو ما لا يعيبه قط. يلاحظ أيضا انخفاض عدد النساء بين أعضاء الحكومة فى وقت كان من الملائم زيادته للاستفادة من إمكانيات نصف المجتمع ومن تفوّق الفتاة والمرأة ومن تفوقها فى التعليم وفى مجالات عديدة من مجالات الدراسات الجامعية. انخفض كذلك عدد المواطنين الأقباط بين أعضاء الحكومة واختصهم التشكيل بوزارة هامشية من بين وزارتين، الأخرى ولا شك مركزية الأهمية، فى وقت المطلوب فيه رفع وتيرة التقدم نحو التخلص الفعلى من كل مظاهر التمييز خصوصا أن مصر تخاصم ــ وهى مصيبة فى ذلك ــ التيارات الطائفية والمذهبية التى تكاثرت فى المنطقة وزعزعت أساساتها.

***
يلاحظ أيضا دمج وزارات فى وزارات أخرى. وزارة التعليم الفنى أدمجت فى وزارة التربية والتعليم والحق أنها عادت إليها، والعود أحمد، فالأغلبية بين المهتمين يرون أنه ما كان لهذه الوزارة أن تنشأ أصلا، فالتعليم الفنى هو تعليم أولا وهو وبالتأكيد مختلف عن التدريب المهنى. أما وزارتا السكان والتطوير الحضرى والعشوائيات فأمرهما مختلف. السكان ومعدل نموهم وتوزيعهم المكانى وخصائصهم الاجتماعية والاقتصادية من بين أولى المسائل التى لا بدّ أن يعنى بها نظام سياسى مسئول فى مصر. السكان فى مصر تضاعفوا فيما بين 1980 و2013 ونموهم مستمر ينخفض معه نصيب كل منهم من المياه والأرض الزراعية وغيرها من الموارد. مسألة السكان لا تعالج بالحبوب أو بالدواء أو بالجراحة لكى يعهد بها إلى وزارة الصحة المثقل كاهلها بالفعل إلى حد العجز عن أداء مهامها الأصلية بالمستوى المرجو. مدن مصر 37.5 فى المائة من مساحاتها عشوائيات، ناهيك عن زحف كل أشكال العشوائية على نفس المساحات الحضرية «المخططة» الحديثة. والمسألة لن تحلّ فى المدى المنظور ببناء مساكن فى أحياء حديثة مكان العشوائيات. بل إن المسألة ليست مسألة إسكان ولا هى مسألة مظاهر اختلال الأمن كما يحلو للبعض أن يصورها بل هى أيضا مسألة نشاط اقتصادى وبيئة اجتماعية وممارسات ثقافية فى هذه العشوائيات. وقد يذهب البعض إلى الاعتقاد بأنه إن كانت ثمة وزارتان ينبغى الإبقاء عليهما وتنمية قدراتهما ومواردهما فهما الوزارتان المعنيتان بالسكان والعشوائيات.

يلاحظ كذلك أن الكفاءة لم تكن معيارا حاسما فى اختيار الوزراء وهو ما يكشف عنه تهكم المواطنين على أحدهم بسبب الأخطاء الإملائية الفجة التى يرتكبها.

***
وأخيرا يلاحظ نشر تصريحات أو أنباء أثناء عملية تشكيل الحكومة من شاكلة أن لرئيسها «فلسفة جديدة» هى تحقيق التناغم بين وزراء المجموعة الاقتصادية، وكأنما يمكن لمن يشكل حكومة فى أى مكان ألا يسعى إلى تحقيق التناغم بين كل وزرائه، سواء ثبت بعد ذلك نجاحه فى تحقيق هذا التناغم أو فشله. تصريح آخر أسند إلى رئيس الحكومة المكلف عندئذ كانت فحواه أن أجندة الحكومة الجديدة تشمل وضع وتنفيذ برنامج لتحقيق تنمية اقتصادية عاجلة، وكأنما التنمية يمكن أن تنتج عن برنامج عاجل وليست عملية مخططة طويلة الأجل ودءوب تنعكس مظاهرها على البيئة المحيطة وترفع كل من مستوى معيشة المواطنين ومعارفهم وإمكانياتهم.

محصلة الملاحظات هى أنه لم يكن لعملية تشكيل الحكومة سراج تهتدى به، ولذلك تعثّرت. فلما استقام عودها فى النهاية استغلق على المواطنين تبيّن لماذا استبدلت بالحكومة القديمة وإدراك المغزى من التشكيل الذى انتهت إليه ومن بنيتها.

إبراهيم عوض أستاذ السياسات العامة بالجامعة الأمريكية بالقاهرة
التعليقات