قواميس وصواريخ وأبراج - صحافة عربية - بوابة الشروق
الثلاثاء 1 ديسمبر 2020 7:12 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

قواميس وصواريخ وأبراج

نشر فى : الثلاثاء 27 نوفمبر 2018 - 11:50 م | آخر تحديث : الثلاثاء 27 نوفمبر 2018 - 11:50 م

نشرت جريدة الشرق الأوسط مقالا للكاتب «غسان شربل» يتحدث فيه عن معارك الاستقلال والازدهار التى يجب أن يخوضها الوطن العربى لاستعادة الاستقرار وتحقيق الازدهار والنمو والخروج من عباءة الماضى ومواكبة التطورات العالمية.

الانتماء إلى العصر لا يشبه الذهاب إلى السينما. لا يكفى أن تشترى بطاقة لتحجز مقعدك. المسألة أكثر تعقيدا ويصعب فيها التحايل. لا خيار لديك غير الوقوف بجرأة أمام المرآة. وأن تتعرى من بعض أوهامك وأفكارك القديمة. وأن تضع قاموسك على الطاولة وتمتحن المفردات والمفاهيم التى كنت تعتقد أنها عصية على التبدل. لا بد من فتح الباب لحرب أهلية داخل أفكارك وتصوراتك. علاقتك بالوقت. وبمجتمعك. وبالآخر. وبالعالم. لن تذهب إلى المستقبل إذا حسمت أمرك أن الماضى أفضل منه. أنا لا أزعم أن المهمة سهلة. وأن النجاة من وطأة الماضى يسيرة. لكن العربى يقف الآن على المنعطف وعليه أن يتخذ قراره. والمسألة مطروحة بحدة. تنام فى سرير أجدادك وتتغطى بقاموسهم أو تسهم فى بناء عالم يليق بأحفادك.
غفونا قرنا بعد قرن على وسادة التشابه واعتبرنا الزمن مجرد حجارة تتراكم. وشاءت ظروف كثيرة ألا تكون منطقتنا مسرحا للمخاضات الواعدة. لا شيء يشبه الثورة الفرنسية. ولا الثورة الصناعية. ولا أفكار عصر النهضة. لكن ذلك كان. الآن هاجمنا العصر واستدرجنا إلى الامتحان. تحسس الهاتف النائم فى جيبك. إنه أعظم الرحالة. وأبرع الجواسيس. والمراسل الذى لا ينام. العالم فى جيبك بالصوت والصورة. بالمعلومة والسؤال. وعليك أن تختار. تسرب السم إلى قاموسك ولا تبحث فى أدراج جدك عن علاج.
لا خيار غير الاتصال بالعصر مهما استلزم من التعب والتمزق وإعادة التأهيل. لا تستطيع أن تكون صحفيا اليوم بالأسلوب الذى كنته قبل عشرة أعوام. ولا تستطيع أن تكون وزيرا اليوم كما كنت قبل عشرة أعوام. والأمر نفسه بالنسبة إلى الضابط والأستاذ الجامعى والمهندس والحاكم والحكومة.
كلفتنا القطيعة مع العصر دولا ومدنا وبحرا من الخسائر البشرية والمالية. القطيعة مع الحقائق والوقائع ومفهوم الدولة والمؤسسات.
هذا ما تبادر إلى ذهنى حين اتصل صديق ليبى معلقا على ما جاء فى حديث الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم إلى «الشرق الأوسط». توقف عند اتصال العقيد معمر القذافى بالشيخ محمد معربا عن رغبته فى أن تكون طرابلس «دبى جديدة» وعاصمة اقتصادية لإفريقيا. قال إن بناء مدينة عصرية تتسع لأبناء جنسيات كثيرة ويتعايش فيها الناس تحت حكم القانون يحتاج إلى عقلية لم تكن موجودة فى نظام العقيد، وإلى مؤسسات لم تكن قائمة فى عهده. وأضاف الرجل الذى يعرف النظام والعقيد معا: «وقعت بعض بلداننا فى أيدى رجال ينتمون إلى عقلية الحرب العالمية الثانية، إن لم يكن قبلها. فرديون ولا يعرفون العالم وحربهم الحقيقية هى حرب الاحتفاظ بالسلطة. لم يستوقفهم المعنى العميق لانهيار الاتحاد السوفييتى وهو عدم اللحاق بالعصر، وعدم تحسين شروط حياة الناس بالقدر الكافي». وقال: «كان هذا النوع من الأنظمة يهتم بالأمن والاستخبارات، لا بالجامعات والتعليم. وكان يفضل شراء الصواريخ وتكديسها بدل الانهماك فى البنية التحتية والاستثمار والأبراج. وكان يرى أن المواطن يستطيع توفير خبزه ودخله بالانضواء تحت عباءة النظام ولجانه الثورية».
لاحظ الصديق الليبى تزايدا فى وعى الحكومات العربية لأهمية بناء العلاقات العربية ــ العربية على قاعدة المصالح المتبادلة التى مكّنت الأوروبيين من إبعاد شبح الحروب، وحولت القارة القديمة لاعبا بارزا على الصعيد الدولى وفى السياسة والاقتصاد معا. وتوقع أن تترك عملية الإصلاح والتحديث التى تشهدها السعودية فى إطار «رؤية 2030» والتى أطلقها ولى العهد الأمير محمد بن سلمان آثارا عميقة فى العالمين العربى والإسلامى. ولفت إلى إجراءات جدية وصعبة تطبقها الحكومة المصرية لوضع الاقتصاد على طريق التعافى، والأمر نفسه بالنسبة إلى الأردن.
قال إنه لو تمكن القذافى من بناء دبى فى طرابلس لما تعرضت ليبيا لما تعرضت له، والأمر نفسه بالنسبة إلى القذافى. ولو تمكن صدام حسين من بناء ما يشبه دبى فى بغداد لما تعرض العراق لما تعرض له، والأمر نفسه بالنسبة إلى صدام حسين. لكنك لا تستطيع بناء مدينة حديثة بقاموس قديم تخطاه الوقت. كان يمكن أن تكون طرابلس الآن مدينة تعج بالسياح والمستثمرين ولديها كل الإمكانات اللازمة. وهذا يصدق بالتأكيد على بغداد. بدّد التمسك بالقاموس القديم.. قاموس الخوف والتسلط، ثروات البلاد وأعمار العباد.
واضح أن على منطقتنا أن تخوض معركتين فى وقت واحد: معركة الاستقرار ومعركة الازدهار. معركة الاستقرار لإعادة قدر من التوازن إلى الإقليم يسمح بالمحافظة على دور العرب ومصالحهم، ويمكن دولهم من التقاط الأنفاس وخوض معركة الإصلاح والتحديث. ومعركة الازدهار التى لا بدّ من أن تنطلق من قاموس جديد فى التعامل مع العالم والعصر وحاجات الناس وتطلعاتهم. والنجاح فى المعركتين مشروط بالخروج من دائرة المخاوف القديمة على أحجام الأدوار إلى دائرة الشراكات الاستراتيجية وتبادل المنافع والخبرات.
ليس سرا أننا نحتاج إلى الخروج من القواميس القديمة فى العلاقات داخل الخرائط وبينها. نحتاج إلى تعليم يوقظ قدرات الطالب العربى ويمكنه من الانتماء إلى عالم التحول والتنافس والابتكار. وإلى جهد تنموى فعلى يغير شروط حياة الناس نحو الأفضل، ويحاصر أمواج اليأس التى تستقطب الشباب وتدفعهم فى مسارات انتحارية أو تحرضهم على الاستقالة من الوطن، سواء أقاموا فيه أم ألقوا بأنفسهم خارجه. وعلينا أن نتذكر أن الدول التى حدّثت قاموسها سبقت تلك التى تعلّقت بالماضى. وأن الدول التى راكمت إنجازات تنموية هى اليوم أقوى من تلك التى راكمت الصواريخ. وأن الدول التى شيّدت الأبراج أقوى اليوم من الدول التى أمضت العمر فى بناء الخنادق.

التعليقات