سحر الجمع - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 22 نوفمبر 2019 7:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

سحر الجمع

نشر فى : السبت 28 يناير 2012 - 11:25 ص | آخر تحديث : السبت 28 يناير 2012 - 11:25 ص

بمجرد أن تتوحد الجموع يظهر أبطال من نوع مختلف، يقول أحدهم كلمة فيحمله الباقون على الأعناق، مكررين هتافه كالأنبياء والرسل.. هكذا يكرس الهتيف قائدا بشكل لحظى. يمسك الميكرفون ويقود الهتاف.

 

وقد لا يدرى بعضهم ما الذى دفعه لأن يصرخ فى هؤلاء ويجوب بهم الشوارع، إلا أنه عبر عن ألم أو شعور مفاجئ لديهم ولقى صداه. وحين ينفض الجمع تتحطم الأسطورة، وينزل من على الأعناق ليرجع إلى مرتبة البشر ويزاول مهنة عادية، لكن البعض يستمرئ الموضوع ويعاود الكرة كلما لزم الأمر، بل قد يصبح الهتيف المعتمد خلال العديد من التظاهرات ويعكف على تأليف الشعارات المناسبة التى تجلجل بين الحشود وتظل عالقة بالأذهان. فى حين يكتفى آخرون بالسير وسط الناس فى حالة من النشوة أو المراقبة دون أن ينطقوا ببنت شفة رغم موافقتهم الضمنية على كل ما يقال، فى شعور أقرب للتنويم المغناطيسى.

 

تختفى المصالح الشخصية وتذوب فى مطالب الجماعة... تنتشر العدوى، وبمجرد أن يجتمع عدد من البشر للسير فى اتجاه معين يتولد إحساس عجيب بالقوة التى لا تقهر. يصبح الفرد مجرد عنصر من عناصر الجماعة، وقد يأتى بأكثر الأعمال همجية أو بطولة، حسب الظروف. هنا تحكمنا الغريزة أكثر من أى شىء آخر ويزول الإحساس بالخطر وتتحرر بكثافة بعض الميول والتوجهات التى نكبحها بشدة عندما نكون وحدنا، فنأتى بأفعال لا نقدر عليها أو لا نسمح بها فى الأحوال الطبيعية، ويساعد أيضا على ذلك فكرة أننا وسط الجموع نتحول إلى مجهولين، لا أحد يعرف هويتنا، وبالتالى تنتفى المسئولية ويتولد شعور أكبر بالحرية. تتجلى روح الجماعة، كما وصفها عالم النفس والاجتماع الفرنسى جوستاف لو بون منذ القرن التاسع عشر، خلال المظاهرات والثورات. يقول مثلا أحمد سيد محمود، أحد هتيفة ثورة 25 يناير الذى درس فى معهد للسياحة والفنادق ويعمل طباخا، إنه «لم يجد روحه سوى فى ميدان التحرير» من خلال مشاركته للثوار وهتافاته، فمنذ 28 يناير الماضى وهو يهتف والناس يرددون خلفه بعض الجمل التى اخترعها والشعارات التى تعبر عن ما يريدوه على قافية ووزن معين، منها «يسقط يسقط حكم العسكر.. احنا الشعب الخط الأحمر».

 

فى لحظة يتحول الطباخ ابن حى فيصل ــ أحمد سيد محمود ــ إلى قائد ملهم، تماما مثل على الألفى الباحث فى العلوم السياسية الذى كان يمسك بمكبر الصوت على طريقة نجوم موسيقى الروك مرتديا بنطلون جينز وسترة جلدية وهو يهتف «يرحل الديكتاتور»، أو أحمد عاشور (منسق عام ائتلاف فجر الحرية والملقب هو الآخر بهتيف الثورة) عندما يردد وآخرون «أنا مش جبان أنا مش جبان، لسة الثورة فى الميدان»، رافضين فكرة تحويل الثورة لذكرى واحتفالية، فبالنسبة للكثيرين الثورة مستمرة وهو ما دعاهم للهتاف يوم الأربعاء الماضى «ثورة مش حفلة!» أو إعادة مطالب الشعب على مسامع الجميع «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، فقط للتذكرة بأن هذه المطالب لم تتحقق بعد. ارتفع صوت إحدى الفتيات «دق لى دقة حرية»، لبى الشاب الممسك بالدف طلبها.. ضاربا بإيقاع معين، هو إيقاع الحرية الذى اعتمده الشباب.

 

يأخذ الهتيف فترة راحة ليحل مكانه آخرون، ويمد الناس أيديهم بأوراق تحمل شعارات. تعلو الأصوات وتبزغ معها أسماء جديدة فى عالم الهتافات جنبا إلى جنب مع وجوه توجت على مر السنين وأصبحت القاسم الأعظم المشترك فى معظم المظاهرات منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضى، مثل المهندس والناشط اليسارى كمال خليل أو بطل معركة  الضرائب العقارية كمال أبوعيطة، المناضل الناصرى الذى لقب «بمسحراتى العرب» و«مؤذن الثورة»، وآخرون كثر رحلوا عن عالمنا إلا أن شعاراتهم بقيت وصارت جزءا لا يتجزأ من تاريخ طويل.. لا يستوى الجميع قطعا بهذا الصدد، فبالبعض يتعدى دوره الهتاف بمراحل، إلا أن تجميع شعارات الثورة أو غيرها من الأحداث المهمة يسمح لنا بالوقوف على الآراء المختلفة، فلنسجل معا هتافات 25 يناير وما تلاها.م

التعليقات