وقت بدل الضائع - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 27 أكتوبر 2021 7:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لانطلاقة الأندية المصرية في بطولتي دوري أبطال إفريقيا والكونفدرالية؟


وقت بدل الضائع

نشر فى : السبت 28 أغسطس 2021 - 7:20 م | آخر تحديث : الجمعة 3 سبتمبر 2021 - 11:45 ص

تشعر أنها مثل قطعة الخبز اليابسة التى تُرِكت على الطاولة بعد الإفطار. لا تعرف ما تفعل بنفسها بعد أن قام الجميع من على المائدة. يخطر ببالها بيت للمتنبى، شاعرها المفضل، معناه أنه لا يضيع هباء الوقت الذى تمنحه للآخرين. وهى قد منحت الكثير من الوقت، ولم تلمحه يمر مع اعتيادها على الرحرحة فى تلك البقعة المعزولة. تصدح أغنية فيروز من على اليوتيوب «طيرى يا طيارة طيرى... بدى أرجع بنت صغيرة على سطح الجيران، وينسانى الزمان على سطح الجيران». هل تريد فعلا أن ترجع بنت صغيرة؟ هى سعيدة بما صارت عليه من نضج وتغيير، لا ترغب فى أن ترجع بنت صغيرة لكنها قطعا تريد استثمار المتبقى من العمر، حتى لا يفوتها القطار مرة أخرى.
تمسح شاشة المحمول الملطخة ببصماتها. وجهها شاحب وعيونها جاحظة، فلم تنم جيدا بالأمس. تردد فى سرها أن الشىء الإيجابى الوحيد فى الوقت الضائع أنه يجعلك تعرف قيمة ما تبقى منه. لا تريده أن يفلت مجددا من بين أصابعها، فقد ملت الاستسلام والآهات المكتومة فى الصدر.
***
على الأقل بدأت فى ممارسة الرياضة بانتظام، إذ ترفض أن تنضم لصاحبات الأبدان المرهرطة والأجساد المتضخمة. أفرغت فيها كل طاقتها، ومع ذلك جفاها النوم وأصابها الأرق من كثرة التفكير فى كيفية مقاومة الفراغ بداخلها وإحساس السقوط الحر الذى يطاردها. كانت فى السابق تراقب النساء اللواتى يعانين من أزمة منتصف العمر وهن على استعداد تام لافتراس الأخريات المنافسات فى العمل أو على الرجال. كانت تضحك من عدم تقبلهن للسن وتلاحظ محاولتهن للتحايل على الزمن أو للتنمر بالفتيات الأكثر شبابا ونضارة. أما الذكيات المتصالحات بعض الشىء مع النفس فيسعين إلى ممارسة دور المرشدات الروحيات للتواصل مع الأجيال الجديدة، ما يسمح لهن بالاستمرارية والتواجد على الساحة، بدلا من الانطواء والخسوف.
لم تتخيل قط أن تصبح واحدة منهن، فحين نكون أصغر سنا نشعر أن الخمسين والستين بعيدة جدا ولا يزال أمامنا الكثير قبل أن نصل لهذا العمر، ثم نكتشف فجأة أن ثلاثين عاما مضت وانقطعت أنفاسها، وتتملكنا الرغبة فى محاسبة الذات والإمساك بزمام الأمور لاستعادة السيطرة على الحياة، ربما لتعويض الخيبات أو اللحاق بأحلام أُهملت طويلا لكن لم يطوها النسيان. أن تقرأ عن أزمة منتصف العمر، التى أطلق عليها هذه التسمية المحلل النفسى الكندى إليوت جاك عام 1965، بوصفها تخص الآخرين والأخريات شىء وأن تجد نفسك فى خضمها شىء مختلف.
***
نصل لما يسمى مرحلة «الفردانية» بعد أن انشغلنا لسنوات بمشوارنا المهنى والأمور العائلية وأكل العيش، نعى أن جزءا أصيلا منا بقى فى الظل، رغبات كثيرة لم تتحقق، سقطت سهوا. وجدت صاحبتنا نفسها فى هذا المأزق مثل العديد من الصديقات. حبيسة اختياراتها. تبحث عن الزمن المفقود مع أبطال مارسيل بروست. تتمرد؟ تغير من نمط حياتها وتفكيرها؟ هل ستنجح؟ ستصرخ فى وجه الريح؟ أم تنكمش على نفسها وتجد ألف ذريعة لذلك؟
نسمة لطيفة لمست وجهها، وخواطر مختلفة سطعت فى ذهنها. ضحكت بصوت عالٍ فى غرفتها، وانطلقت لتلبس فستانها المخملى الأحمر الذى تحب.

التعليقات