هذا الاستثمار في الأزمات السودانية - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 2 ديسمبر 2020 11:32 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد فرض غرامة فورية على عدم ارتداء الكمامات بوسائل النقل العام؟

هذا الاستثمار في الأزمات السودانية

نشر فى : الأربعاء 28 أكتوبر 2020 - 9:50 م | آخر تحديث : الأربعاء 28 أكتوبر 2020 - 9:50 م

فى نشوة إعلان تطبيع العلاقات مع السودان لم تغب عن رئيس الوزراء الإسرائيلى «بنيامين نتانياهو» رموز ماض انقضى، أو توشك أن تغادر القاموس السياسى العربى.
لم تكن الخرطوم محض عاصمة عربية جديدة تنضم إلى ركاب التطبيع المتسارع، فهى «العاصمة التى تبنت عام 1967 مبادئ لا سلام مع إسرائيل، ولا اعتراف بإسرائيل، ولا تفاوض مع إسرائيل».
كان ذلك استدعاء للذاكرة فى وقت انتشاء، فـ«الخرطوم تقول الآن نعم».
استدعاء الذاكرة بالرموز من مقومات الشخصية اليهودية على مدى تاريخها، سمة عامة موروثة وراسخة.
أراد ــ أولا ــ أن يذكر جمهوره الصهيونى بأنه حقق ما لم يخطر لهم على بال لعله يرمم شعبيته المتصدعة.
أراد ــ ثانيا ــ أن يذكر بالأجواء التى سادت العالم العربى إثر يونيو (1967)، عندما خرجت العاصمة السودانية بكل سكانها إلى الشوارع لاستقبال «جمال عبدالناصر» عند حضوره للمشاركة فى قمة عربية طارئة، ثقة فيه وتأكيدا على إرادة مواصلة الحرب حتى تحرير الأراضى العربية المحتلة بقوة السلاح.
كان ذلك حدثا استثنائيا فى التاريخ، أنجح القمة العربية قبل التئامها، وبدا القادة العرب فى وضع تهيؤ للاستجابة لما يطلبه «عبدالناصر».
وأراد ــ ثالثا ــ أن يطل منتشيا على المستقبل المنظور «هذا عهد جديد، عهد من السلام الحقيقى، الذى سوف يتسع نطاقه إلى دول عربية أخرى».
أى سلام؟!
إنه السلام الذى يؤذن بالحقبة الإسرائيلية فى العالم العربى وإعادة صياغة الشرق الأوسط من جديد بموازين قوى مختلفة تتحكم إسرائيل فى مفاصله وتفاعلاته الاقتصادية والاستراتيجية.
إنه سلام القوة والتطبيع المجانى، فاللاءات الثلاثة ماتت إكلينيكا، والمبادرة العربية، التى تقايض التطبيع الكامل بالانسحاب الشامل من الأراضى العربية المحتلة منذ عام (1967)، لاقت المصير نفسه.
بقوة الرموز أغلق إعلان التطبيع الإسرائيلى ــ السودانى صفحة كاملة من الصراع العربى الإسرائيلى على حساب ما تبقى من القضية الفلسطينية، كأنها باتت عبئا على النظم العربية جاء وقت التخلص من صداعها بسلام مدعى يمنح إسرائيل ما لم تحصل عليه بالحرب.
بدا ذلك استثمارا إسرائيليا فى الرموز طلبا لمحو ذاكرة العرب المعاصرين بإنكار أية معارك خاضوها، وأية قضايا ألهمتهم ذات يوم.
باسم عودة السودان إلى المجتمع الدولى وإعادة دمجه ماليا واقتصاديا بعد رفع اسمه من اللائحة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب جرى تسويغ التطبيع مع إسرائيل وتهيئة الرأى العام الداخلى للانخراط فيه.
فى التحضير لذلك النوع من السلام، الذى يستثمر فى أزمات السودان الاستراتيجية والاقتصادية والاجتماعية، ارتفعت أصوات تتحدث عن دعم مالى دولى متوقع لبلد يعانى بقسوة.
بمنطق السوق والفوائد لم يعلن قدر ذلك الدعم المالى المتوقع، ولا من يدفع استحقاقاته، الولايات المتحدة والشركاء الغربيين، أم تحال الفواتير إلى دول الثراء العربى؟
قيل إنه يستهدف «تحضير السودان للسلام»، وهو تعبير يتطلب أن تكون هناك حرب بين طرفين، أو منازعات على أراض، وتنازلات متبادلة، ثم يأتى حديث المكافآت والمنح والإغواءات!، لا أن يقحم التطبيع مع إسرائيل كشرط مسبق.
أقصى ما أمكن لإسرائيل أن تشترى به ذلك النوع من السلام إرسال دقيق إلى الخرطوم بقيمة (5) ملايين دولار!، بالإضافة إلى ما وعدت به الولايات المتحدة من ضخ (81) مليون دولار كمساعدات إنسانية.
ذلك يعطى فكرة مبكرة عن قدر ما قد يحصل عليه السودان من معونات ومساعدات مالية فى أوضاع صعبة يعانيها.
كان ذلك استثمارا فى أزمة بلد فقير ومنهك دون أن يجد الطرق إلى المستقبل سالكة أمامه.
بأى منطق قانونى وسياسى وأخلاقى، بدا الربط بين رفع اسم السودان من لائحة الإرهاب والتطبيع مع إسرائيل تعسفيا.
كان ذلك محرجا بما استدعى نفيه، فيما كانت الحقائق تتحدث علنا دون مساحيق، حتى أن الرئيس الأمريكى «دونالد ترامب» أعلن الأمرين معا فى خطاب واحد استهدف فى توقيته تحسين موقفه الانتخابى كرجل سلام جلب لإسرائيل ما لم يفعله أى رئيس أمريكى قبله.
كان ذلك استثمارا فى التوقيت قبل الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
ثم جاء الربط بين السلام السودانى الداخلى بالسلام مع إسرائيل مثيرا للتساؤل مجددا حول الصلات التى ربطت الجماعات المسلحة بإسرائيل تسليحا وتمويلا، وعما سعت إليه بعضها لتفكيك السودان وفق تصورات استراتيجية إسرائيلية وغربية سعت إليه.
كان ذلك الربط نوعا من الاستثمار فى خطايا النظام السابق جاء وقت دفع أثمانه على حساب القضية الفلسطينية.
ثم كان مسلتفتا فى جدول أعمال التطبيع المقترح، وفق صياغة «نتانياهو»، «الزراعة والتجارة ومجالات أخرى».. ثم بصياغة ثانية «الزراعة ومكافحة الإرهاب والتطرف».
الزراعة أولا، كأنه إغواء للسودان بالتكنولوجيا الزراعية الإسرائيلية، فيما الهدف الاستراتيجى الحقيقى أن تضع إسرائيل قدما على النيل، تناكف مصر فى أمنها القومى عند حدودها الجنوبية، تستثمر فى أزمة «سد النهضة»، وتطرح نفسها طرفا رابعا بجوار مصر والسودان وإثيوبيا، لعلها تحصل مستقبلا على حصة من مياه النيل.
هذا نذير بأزمات متفاقمة عند الحدود الجنوبية، وبمناكفات إسرائيلية تعمل على تعميق أية خلافات بين مصر والسودان، كالنزاع الحدودى حول حلايب وشلاتين.
إنه استثمار استراتيجى فى الفراغ الإقليمى الذى ترتب على غياب الدور المصرى بعد توقيع اتفاقيتى كامب ديفيد عام (1978)، التى أسست لنوع من السلام تمددت موجاته حتى وصلنا إلى التطبيع المجانى الذى يمنح إسرائيل كل شىء ويخصم من الفلسطينيين كل شىء.
الأسوأ من كل ذلك الاستثمار فى اضطراب المرحلة الانتقالية، التى تأسست بعد انتفاضة شعبية هائلة أطاحت حكم «عمر البشير»، وحاولت أن تؤسس لحكم ديمقراطى حديث يعلى من شأن السودان وأهله، فإذا بنا أمام تفكك لقوى «إعلان الحرية والتغيير»، قاطرة التغيير، وتعطل للمرحلة الانتقالية، وعجز المجلس السيادى فى جانبه المدنى أن يكون له كلمة فيما يجرى، وتنكر الحكومة الانتقالية لإرادة التغيير التى صعدت بها إلى السلطة.
لا يعقل أو يستقيم أن يكون الإنجاز الأساسى للانتفاضة السودانية ذلك المصير البائس الذى وصلت إليه خيب آمال الذين راهنوا عليها فى العالم العربى وداخل فلسطين نفسها.
هناك إشارات أولية إلى أزمات داخلية تنازع فى أحقية الحكومة الانتقالية والمجلس السيادى الانتقالى على توقيع مثل تلك الاتفاقات وإشارات أخرى تنبئ باتساع نطاق الرفض من قوى سياسية رئيسية شاركت فى الانتفاضة.
للقصة فصول أخرى لم تكتب بعد.