ترامب جديد فى بريطانيا - محمد عصمت - بوابة الشروق
السبت 21 سبتمبر 2019 7:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

ترامب جديد فى بريطانيا

نشر فى : الإثنين 29 يوليه 2019 - 10:10 م | آخر تحديث : الإثنين 29 يوليه 2019 - 10:10 م

فى نظر الكثيرين يبدو بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطانى الجديد، هو التوءم السياسى للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، أو أنه «ترامب البريطانى» كما تقول العديد من الصحف الغربية؛ حيث يتشارك الرجلان فى رؤية واحدة للسياسة الدولية وعلى رأسها ضرورة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وفى كراهيتهما لمهاجرى العالم الثالث، وفى تصريحاتهما العنصرية التى تعلى من شأن الرجل الأبيض على بقية أجناس البشر، والتى يتراجعان عنها عندما يتعرضان للانتقادات الحادة، وقبل كل ذلك عشقهما المحموم للكيان الصهيونى فى إسرائيل.

جونسون الذى يتفاخر ــ عند اللزوم ــ بأن جده لأبيه كان مسلما تركيا، وجده لأمه كان حاخاما يهوديا من أوروبا الشرقية وأن بقية عائلته مسيحيين إنجليز، وأنه بذلك يعتبر بوتقة تذوب فيها كل هذه العرقيات والأديان، شن فى كتابه «حلم روما» الذى صدر عام 2006، هجوما عنيفا على الدين الإسلامى، ووصفه بأنه السبب فى تخلف المسلمين، وأنه أعادهم قرونا إلى الوراء بسبب فشله فى بناء طبقة رأسمالية ترسى القيم الليبرالية فى مجتمعاتها، متجاهلا تماما السياسة الغربية التى تدوس على هذه القيم بالأقدام لتحقيق مصالحها الاستعمارية، فى نفس الوقت الذى قال فيه أيضا إن التاريخ المسيحى به الكثير من الأحداث المشينة منها حرق الكتب والرجال المتهمين بالزندقة أيضا، أما الأمر الغريب فإنه هو شخصيا طبقا لموقع «ديبكا» الإسرائيلى قال «إنه صهيونى حتى النخاع وإن إسرائيل البلد العظيم الذى يحبه»، وكأنه لم يسمع شيئا ــ وهو صحفى محترف ــ عن مجازر العصابات الصهيونية فى فلسطين، ولا عن الحروب الوحشية التى تشنها إسرائيل فى غزة، ولا عن قمع الشعب الفلسطينى فى أرضه وانتهاك كل حقوقه السياسية والقانونية!.

بذكاء شديد نجح جونسون فى الحصول على إعجاب تيار واسع داخل الرأى العام فى بلاده يعادى المهاجرين الأجانب، حينما يصف المنتقبات المسلمات بأنهن يشبهن صناديق البريد أو عصابات سرقة البنوك، لكنه حينما يتهمه خصومه بالعنصرية، يقول إنه هو نفسه من أصول تركية إسلامية، وحينما هاجم الاتحاد الأوروبى وطالب بخروج بلاده منه، قال إنه فشل فى تحقيق النجاحات التى حققتها الإمبراطورية الرومانية التى وحدت أوروبا تحت رايتها، رغم أنه كان من المنطقى أن يطالب ببناء اتحاد أوروبى جديد يحقق نموذج روما الذى يحلم به!

الرجل لا يخفى إعجابه برئيس الوزراء البريطانى بنجامين دزرائيلى الذى كان أول مسئول بريطانى يطالب بإقامة وطن قومى لليهود فى إسرائيل، وهو ما نفذه بالفعل أحد وزراء حكومته وهو آرثربلفور بإصداره وعده الشهير عام 1917 عندما أصبح وزيرا للخارجية فى إنجلترا بعد سنوات طويلة من موت دزرائيلى، والذى قيل إنه يعود لأسباب دينية، أو لإغراء اليهود فى أمريكا للضغط على حكومتها آنذاك لتشترك بجانب بريطانيا فى الحرب العالمية الأولى، فهل إسرائيل واليهود هما كلمة السر فى هذا الإعجاب، أم أن هناك أسبابا دينية أو انتخابية أخرى؟

فيما يبدو، فإن جونسون أكثر ثقافة من ترامب وأرقى منه تعليما، لكن المؤكد أن فارق القوة بين بلديهما، لن تجعل جونسون سوى تابع لترامب، كل ما تستطيع بلاده أن تفعله دوليا هو التضييق على وجود جماعة الإخوان المسلمين فى بريطانيا، ولعب دور ما فى الأزمة الإيرانية، وتأييد واشنطن فى تصوراتها حول ضرورة وضع اتفاق جديد لحرية التجارة العالمية.

إعادة انتخاب ترامب جديد فى بريطانيا، هو رسالة واضحة بعمق الأزمة التى تواجهها النظم الغربية على المستوى الاقتصادى فى صراعها مع الصين والهند وروسيا، التى تعوق هيمنتها على ثروات العالم ومقدراته، وهو أيضا أكبر هدية يمكن أن يقدمها الغرب للمتطرفين فى منطقتنا التى تعزز لديهم نظرية المؤامرة على الإسلام والمسلمين، وبالتالى عدائهم للغرب ولحلفائه.

محمد عصمت كاتب صحفي