مسار للتغيير السياسى فى لبنان.. دروس وسرديات من انتخابات 2018 - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 23 أغسطس 2019 2:47 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد إقالة لاسارتي.. من المدرب المناسب للنادي الأهلي؟





مسار للتغيير السياسى فى لبنان.. دروس وسرديات من انتخابات 2018

نشر فى : الإثنين 29 يوليه 2019 - 10:05 م | آخر تحديث : الإثنين 29 يوليه 2019 - 10:05 م

نشرت «مبادرة الإصلاح العربى» مقالا للباحث «نديم القاق» نعرض منها ما يلى:

انعقدت الانتخابات البرلمانية اللبنانية الأخيرة منذ ما يربو قليلا على العام. وقامت 11 مجموعة من قطاعات مستقلة وعلمانية بالمجتمع المدنى بتشكيل تحالف سُمِّى «كلنا وطنى» لتحدى هيمنة الأحزاب السياسية التقليدية. ونظرا لتزايد انعدام الكفاءة وغياب المحاسبة عن مؤسسات الدولة، ومع تفشى حالة إحباط عامة من أداء المؤسسات العامة، يقول الباحث إنه كان من المتوقع إقبال الناخبين اللبنانيين على التصويت لبعض الوجوه الجديدة. لكنهم اختاروا بأغلبية كبيرة إعادة انتخاب نفس الأحزاب والقيادات القديمة.

إن العديد من المعوقات الأساسية التى تحول دون تحقيق التغيير السياسى فى لبنان تكمن فى أسس وطريقة عمل نظامه السياسى. فمقومات منظومة تشارك السلطة (المحاصصة الطائفية) تعود إلى أواخر الحقبة العثمانية، عندما أصبحت الهوية الطائفية هى السمة الفعالة الوحيدة للإصلاح السياسى والقاعدة الحقيقية الوحيدة للمطالبات السياسية. والميثاق الوطنى لعام 1943 الذى وضع الأسس السياسية للنظام الطائفى ظهرت هشاشته عندما اندلعت الحرب الأهلية فى لبنان والتى انتهت بتوقيع اتفاق الطائف 1985 الذى أعاد توزيع السلطة بين الطوائف. وأصبح بعدها قادة الحرب ذوى مهام وزارية يتحكمون فى الوظائف والخدمات العامة، وقد قاموا من خلالها بتشييد شبكات من العلاقات على أسس طائفية يخدم فيها كل قائد طائفته، وهو ما زاد من اعتماد المواطنين على القادة. وقامت النخب السياسية بتصميم قوانين انتخابية تعزز من مكانة القادة الطائفيين. من ثم كانت كل انتخابات تسبقها فترة من التفاوض المكثف بين القادة السياسيين التقليديين، بما يضمن لهم الاستفادة من القانون الانتخابى القائم وتقسيم الدوائر الانتخابية وكانت هذه المفاوضات تحدد نتائج الانتخابات سلفا.

وفى 2013 حتى يحافظوا على هيمنتهم التقليدية، قام القادة السياسيون بتأجيل الانتخابات خمس سنوات عندما فشلوا فى الاتفاق على قانون جديد للانتخابات. وفى 2017 وصلوا إلى اتفاق وتم الأخذ بنظام التمثيل النسبى فى انتخابات 2018. وبينما ــ نظريا ــ تعتبر الاستعانة بنهج التمثيل النسبى آلية تسمح للأحزاب الجديدة بدخول دائرة التنافس الانتخابى، فمن حيث الممارسة، أدى قانون لبنان الجديد إلى المزيد من تجذر السياسة الطائفية.

فيرى الباحث أن قانون الانتخابات الجديد عزز من الطائفية. فالدوائر الكبرى رُسمت وبكل وضوح بناء على التقسيمات السكانية للطوائف. فعلى سبيل المثال، أصبحت بيروت مكونة من دائرتين انتخابيتين بدلا من الدوائر الثلاث، وهو ما يعنى تقسيم العاصمة إلى شرق بيروت المسيحية وغرب بيروت المسلمة.

مقاومة النظام تشتد: عودة العمل الجماعى

حاولت مجموعات عديدة الحشد ضد النخب ونظامها الزبائنى على مدى السنوات. ففى مطلع فترة ما بعد الحرب (التسعينيات) قاد هذا الحشد بالأساس الحركة النقابية العمالية، واستمر فى جملة عريضة من الأنشطة الجماعية التى قادتها مجموعات اجتماعية متباينة. إننا قد نرى بذور هذا الشكل الجديد من الحشد فى العمل الجماعى الذى جرى تنظيمه فى 2006، مع قيام «صامدون» التى عملت عبر مختلف الخطوط الطائفية، وكانت بمثابة شبكة من النشطاء القادمين من مجموعات سياسية تقدمية مختلفة. ومع حلول عام 2011 ـــ لدى اندلاع الثورات العربية ــ خرج آلاف المواطنين إلى الشوارع للمطالبة بالتخلص من النظام الطائفى. وعلى الرغم من أن الحركة لم تعش طويلا، فقد بثت الحياة والنشاط فى المجتمع المدنى اللبنانى. وفى صيف 2015 خرجت الاحتجاجات ضد الحكومة جراء إخفاقها فى حل مشكلة القمامة، وهو ما أدى إلى تحرك نحو 100 ألف شخص. هذا «الحراك» اتهم النظام بشكل صريح بإخفاقاته فى تقديم الخدمات العامة للمواطنين وطالب المتظاهرون بإصلاحات سياسية وبانتخابات وبالمحاسبة والعدالة الاجتماعية. على أن الحركة سريعا ما خَفَتَ صوتها. لكن ما ميز هذه الأشكال الجديدة من الحشد هو كونها عابرة للطوائف مع رفض لجميع النخب السياسية.

استمر بعض من هذه الطاقة الجديدة فى حملة «بيروت مدينتى» للانتخابات البلدية فى عام 2016، وهى الحملة ــ على الرغم من عدم نجاحها ــ التى أعادت الأمل فى التغيير، مع اقتراب منظمى الحملة من هزيمة قائمة مرشحين مدعومة من قبل بعض أقوى الأحزاب السياسية بلبنان. مثلت الحملة سابقة مهمة للمجموعات المعارضة للطائفية، وشجعت على تكون مجموعات جديدة شاركت فى انتخابات 2018 البرلمانية. وللمرة الأولى فى تاريخ لبنان الحديث، ظهر تحالف انتخابى وطنى اسمه «كلنا وطنى» تشكل لتحدى هيمنة الأحزاب والقيادات السياسية التقليدية، وفى حين أعاد التحالف قدرا من الأمل إلا أنه لم يحصد سوى مقعد واحد. الفائزون الحقيقيون كانوا هم عناصر الأحزاب التقليدية.

حملات الأحزاب الطائفية التقليدية

ويضيف الباحث أن النخب السياسية سحقت أى محاولات للحراك على مدى السنوات. كما لجأت إلى جملة من الممارسات القمعية لضمان ألا «ينسى» المواطن ولاءه أثناء الانتخابات من خلال عضو نافذ من حزب سياسى يتواصل مع العائلات ويذكرهم بالخدمات التى حصلوا عليها أو يوزع أموالا أو خدمات للمؤيدين، مع كتابة أسماء المنشقين أو المعارضين.

وقد توصلت النخب السياسية إلى سبل جديدة للتعرف على المنشقين من الناخبين. على سبيل المثال، يقوم ممثلو الحزب بتعقب ترتيب دخول العائلات إلى مراكز الاقتراع، وهو ما يساعدهم فى التعرف على العائلات المنشقة أثناء فرز الأصوات، ما يؤدى بالعديد من الناخبين إلى الخوف من التبعات الاجتماعية والمادية إذا لم يظهروا ولاءهم عبر التصويت.

وكانت الأحزاب التقليدية تعتمد أيضا على باقة من الأساليب لزرع الخوف بالناخبين. إذ زعموا أن مرشحى «لبلدى» ــ وهى مجوعة من «كلنا وطنى» كان لها مرشحون بدائرة بيروت الأولى ــ لن يتمكنوا من الدفاع عن «المصالح المسيحية». تحدث مرشح أجرى الباحث معه مقابلة عن كيف أن الكنيسة الأرثوذكسية ــ بالتعاون مع فاعلين مسيحيين آخرين بالمنطقة ــ وصمته بأنه «يسارى»، وهو ما له تداعيات معينة وظلال معانٍ تاريخية بالنسبة للجزء الذى به أغلبية مسيحية من المدينة. «اليسارى» تعنى هناك عضو الحركة القومية اللبنانية، وهى جبهة كانت مكونة من عدد من اليساريين القوميين الذين تحالفوا مع منظمة التحرير الفلسطينية ضد الفصائل المسيحية اليمينية فى الحرب الأهلية. أى أنه إذا وصم شخص بكونه «يساريا» فهذا لا يعنى كونه يساريا من منطلق اقتصادى أو سياسى، إنما يعنى كونه ضد المسيحيين.

المشكلات الداخلية: مجموعات قليلة وهياكل غير منظمة

على الرغم من المعوقات الهيكلية، والممارسات القمعية، وسلوكيات التزوير والخداع، فإن جميع النشطاء السياسيين يؤمنون بأن التغيير السياسى لا يزال ممكنا عن طريق الانتخابات. لقد أقروا بأن أساليب النخبة السياسية عائق كبير، لكن أحسوا بأن نتائج الانتخابات السلبية هى أيضا بسبب مشكلات داخلية وإخفاقات فى التنظيم والحشد بشكل استراتيجى. وأشاروا إلى كيف تم تضييع الوقت فى الجدل حول التحالفات وتكوين القوائم، بدلا من التركيز على إعداد أجندة مشتركة أو على تنظيم الحملة الانتخابية محليا. طبقا للبعض، فإن المجموعات المستقلة «سقطت فى فخ الرغبة فى توحيد المجتمع المدنى» وهو ما أدى إلى فقدان التحالف لهوية واضحة ولرؤية سياسية، مع غياب كبير لمشتركات بين المرشحين. هناك شخص آخر تمت مقابلته أشار إلى ما وصفه بـ«كارثتين استراتيجيتين كبيرتين» فى تجربة التحالف: الأولى هى عدم القدرة على تكوين القوائم القادرة على تحدى هيمنة حزب الله وحركة أمل فى معاقلهما، والثانية هى الأولويات الذاتية الضيقة لبعض المرشحين، وهو ما أدى إلى انقسامات فى التحالف وإلى خسارة ما حسبوه مقعدا شبه مضمون للمستقلين فى دائرة جبل لبنان الرابعة.

هناك مشكلة داخلية رئيسية ذكرتها أغلب المجموعات الاجتماعية تتمثل فى عدم فاعلية الحملات على المستوى الشعبى. فكما أوضح أحد الأعضاء: «حاولنا توحيد المجتمع المدنى، وكان الأمر فوضويا إذ تبين أنه لا توجد أى مشتركات بين المرشحين. بل حتى فرضنا مرشحين لا يتمتعون بالشعبية على بعض الدوائر».

الدروس المستفادة: إعادة التنظيم من أجل المعارك الجديدة

فى حين كانت نتائج الانتخابات قطعا مخيبة للآمال، لكن يبدو أن الانتخابات قدمت دروسا قيمة للمجموعات المعارضة المناهضة للطائفية، تصب فى صالح تضامنها. قال البعض من اليسار الراديكالى إن التغيير الحقيقى لن يحدث أبدا من داخل النظام، نظرا لهياكل الحكم المعيبة تماما، وأن المشاركة فى الانتخابات مسألة لا نفع منها. واختلف البعض مع هذا الرأى، واعتبروا أن التفكير فى إطار هذه الثنائية مسألة خطرة، مع الإشارة إلى أن المواطنين جزء من النظام، سواء أعجبهم هذا أم لا. وآخرون يرون أنه بغض النظر عن الساحة التى تُشن فيها المعارك ضد النظام (الانتخابات أم الشوارع)، فالهدف النهائى هو العدالة الاجتماعية.

يرى البعض أن العائق الرئيس الذى يعترض تطوير سياسة المعارضة الناجحة هو اعتمادية الناس المادية على النخب فى تحصيل الخدمات الأساسية وفرص العمل. فمع وجود 1.5 مليون لبنانى يعيشون تحت خط الفقر، إضافة إلى عدم كفاءة الخدمات العامة، يصبح الاعتماد على النخب السياسية النافذة بالغ الأهمية. يقول البعض بأن من تحملوا التصويت لـ«كلنا وطنى» كانوا مستقلين ماليا، ولم يواجهوا خطر الإقصاء أو التهديد من قبل مجتمعاتهم، ولم يكونوا منخرطين فى شبكات الأعمال الخاصة بالنخب.

وهناك طريقة أخرى لمناوأة أو تقليل آثار الشبكات الزبائنية، هى أن تركز مجموعات المعارضة على تهيئة شبكات التضامن على المستوى الشعبى، بحيث تكون قادرة على تقديم بدائل للخدمات التقليدية التى توزعها الأحزاب الطائفية. وهناك نقطة أخرى تستحق الاستكشاف، هى إمكانية تطوير استراتيجية مناوئة لسرديات التخويف الطائفية التى تبثها النخب الطائفية. ويمكن تحقيق الحشد السياسى الفعال من خلال التربيط بين المصالح والقضايا المشتركة، مثل العدالة التوزيعية ومكافحة الفساد.

ويمثل شح الموارد، المالية والبشرية، عائقا للتنظيم. فتحدى هيمنة المجموعات السياسية الطائفية يتطلب إنشاء شبكات طويلة الأجل قادرة على تحدى تلك المجموعات الطائفية، ما يعنى ضرورة وجود موارد كبيرة لا تتوافر حاليا لأى من المجموعات المستقلة. إن لدى الكثير من النشطاء وأغلب المرشحين وظائف بدوام كامل، ولا يمكنهم تحمل أن يتحولوا إلى فاعلين سياسيين بدوام كامل قادرين على استثمار وقتهم وجهودهم بالقدر الكافى لتطوير شبكات التضامن الشعبية اللازمة. بينما دأبت الأحزاب الطائفية على الاستفادة بشكل تطفلى من موارد الدولة و/أو استخلاص رأس المال عبر مختلف الموارد المحلية والخارجية، فإن المجموعات المناهضة للطائفية تُكافح لتلبية احتياجاتها.

النص الأصلي

http://bit.ly/32WGLgi

التعليقات