ثمن النجاح تكرار الفشل: الديمقراطية لا تنتشر بالغزو العسكرى - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 22 أكتوبر 2021 6:28 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

ثمن النجاح تكرار الفشل: الديمقراطية لا تنتشر بالغزو العسكرى

نشر فى : الأحد 29 أغسطس 2021 - 7:15 م | آخر تحديث : الأحد 29 أغسطس 2021 - 7:15 م

تساءل الكثيرون بعد سقوط نظام الحكم الذى أقامته الولايات المتحدة فى أفغانستان فى أعقاب غزوها لهذا البلد فى ٢٠٠١، ونجاح قوات حركة طالبان فى فرض سيطرتها على معظم أفغانستان ودعوتها لنظام حكم يتفق مع تصورها للشريعة الإسلامية: لماذا يتكرر فشل مشروع الولايات المتحدة فى نشر الديمقراطية بقوة السلاح؟

وتراوحت تفسيرات الفشل ما بين فساد الحكومات التى قامت فى ظل التدخل الأمريكى، أو استنادها إلى قاعدة اجتماعية ضيقة للغاية، أو عجز النخبة التى حلت محل النظام السابق فى تسوية خلافاتها التى لجأت إلى القوة المسلحة لحسمها. ولكن أغفلت هذه التفسيرات أن الولايات المتحدة كانت تستلهم تجربة ناجحة اقترن فيها الاحتلال الأمريكى بإقامة نظم ليبرالية مستقرة، تجاوز عمرها أكثر من سبعة عقود، وتحديدا فى كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان فى أعقاب هزيمتها فى الحرب العالمية الثانية واحتلالها جميعا من جانب القوات الأمريكية منفردة أو مع قوات دول أخرى كما كان الحال فى ألمانيا.

النجاح الأمريكى فى حالة هذه الدول الثلاث نجاح مبهر. كما هو معروف حكمت هذه الدول حتى نهاية الحرب العالمية الثانية أحزاب ومؤسسات معادية للديمقراطية ولليبرالية الاقتصادية، ولجأت للتوسع العسكرى خارج حدودها، وشنت الحرب على حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين أولا بل وعلى الولايات المتحدة ذاتها كما كان حال اليابان، وانتهت الحرب بينها والولايات المتحدة إلى هزيمتها، واحتلال الولايات المتحدة لأراضيها، ومراقبتها لصياغة دساتير جديدة لها تضمن الحريات المدنية والسياسية بما فى ذلك تكوين الأحزاب وتشكيل الحكومات عن طريق الانتخاب، وإشرافها على تصفية مؤسسات الدولة التى تدير الاقتصاد، وتقديم مساعدات اقتصادية سخية مكنت الدول الثلاث من تعمير اقتصادها الذى دمرته الحرب، واستعادة عافيتها الاقتصادية مما جعلها بعد عقود قليلة منافسا قويا فى السوق العالمية لاقتصاد الولايات المتحدة ذاته.

طبعا لم تكن إقامة نظم ديمقراطية فى سائر دول العالم بعد الحرب العالمية الثانية هو الهدف الأساسى للسياسة الخارجية الأمريكية، ففى ظروف الحرب الباردة التى دخلتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتى، حرصت الحكومة الأمريكية على وجود حكومات صديقة لها فى أقاليم العالم ذات الأهمية الحيوية لها خارج المعسكر الاشتراكى، ومن ثم فإذا كانت الحكومة التى تضمن مصالح الولايات المتحدة هى ديكتاتورية عسكرية أو ذات حزب واحد أو لا تعترف أصلا لمواطنيها بأى حقوق مدنية أو سياسية لم تكن الولايات المتحدة تمانع أن تدخل معها فى علاقات وطيدة وأن تدرجها فى نظام تحالفاتها العسكرية، بل ولم تمانع فى الإطاحة بحكومات مدنية منتخبة فى انتخابات حرة وتدبير انقلابات عسكرية ضدها لوضع من تثق فى ولائهم لها وخدمتهم لمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية محلهم، كما شهدت على ذلك حالات عديدة فى الانقلاب على الحكومات المنتخبة فى إيران ١٩٥٣، وفى جواتيمالا فى ١٩٥٤، وفى البرازيل فى ١٩٦٤ وفى شيلى فى ١٩٧٣. وحتى فى الدول التى احتلتها الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وتولت القوات الأمريكية حماية حكوماتها، لم يقترن وجود الاحتلال باحترام حقوق الإنسان الأساسية لا فى فيتنام الجنوبية حتى سنة ١٩٧٥ ولا فى كوريا الجنوبية حتى ١٩٨٧.

نشر الديمقراطية بالدبابات
ولكن ظهرت فكرة نشر الديمقراطية حتى بقوة السلاح فى ظل إدارة جورج بوش الابن وفريق المحافظين الجدد الذين جاءوا معه فى سنة ٢٠٠١، وفى ظل ما أعلنته إدارته فى أعقاب هجمات سبتمبر من ذلك العام من شن ما سمى بالحرب على الإرهاب، وصرح الرئيس الأمريكى بأن الولايات المتحدة فى ظل الإدارات السابقة قد أيدت حكومات ديكتاتورية ظنا منها أن ذلك هو الذى يصون أمنها، ولكنها اكتشفت أن هذه الحكومات تشجع الإرهاب، ولذلك اعتبر أن نشر الديمقراطية هو الذى يضمن تحقيق الأمن للولايات المتحدة، وحدد ثلاثا من الدول غير الديمقراطية هى محور الشر الذى يتعين على الولايات المتحدة إقصاؤه وهى العراق وإيران وكوريا الشمالية. لم يتسن لإدارة بوش شن الحرب لا على إيران ولا على كوريا الشمالية ولكنه أقدم على غزو أفغانستان أولا التى اتهم حكومة طالبان التى كانت تحكمها بأنها تأوى تنظيم القاعدة الذى أعلن تبنيه لهجمات الحادى عشر من سبتمبر، ثم العراق فى مارس ٢٠٠٣ بدعوى أن حكومة صدام حسين كانت على صلة بتنظيمات إرهابية وأن برنامجها للأسلحة ذات الدمار الشامل يشكل خطرا على الولايات المتحدة وحلفائها. وهكذا وفى ظل الاحتلال الأمريكى لكلا البلدين سعت الحكومة الأمريكية لإقامة نظام ديمقراطى فى كل منهما، وهو ما لم يتحقق بعد عقدين من وجود القوات الأمريكية.
أين ولماذا نجح نشر الديمقراطية بقوة السلاح؟

الفشل فى إقامة حكومات ديمقراطية فى البلدين يعود إلى أن الولايات المتحدة تصورت أن الصيغة التى طبقتها فى كل من ألمانيا وإيطاليا واليابان تصلح فى سائر دول العالم التى تحكمها نظم سلطوية، ولذلك كان الهم الأول للإدارة الأمريكية فى الدول التى خضعت لاحتلالها هو تكرار ما فعلته فى تلك الدول بتصفية مؤسسات النظام السابق، وصياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات مفتوحة لكل القوى والأحزاب التى لا تنتمى لذلك النظام مع تقديم مساعدات اقتصادية سخية. ولكن تطبيق هذه الصيغة أنتج فى العراق وأفغانستان حكومات فاسدة بشهادة المؤسسات الدولية، وانتهاكات بشعة لحقوق الإنسان من جانب مؤسسات الدولة ذاتها أو تنظيمات مسلحة مساندة للنخبة الحاكمة وتبديدا هائلا للموارد جعل هذه الحكومات عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات الأساسية للمواطنين والمواطنات.

العجيب حقا أن الولايات المتحدة على كثرة مؤسساتها الأكاديمية ومراكزها البحثية والعدد الهائل من الخبراء العاملين معها والقدر الواسع من المعلومات المتوافرة لأجهزتها الاستخبارية لم تهتد إلى أن ما كان صالحا فى حالات الدول الثلاث المهزومة فى الحرب العالمية الثانية لا يصلح خارجها وذلك للأسباب التالية:
أولا من الناحية الاقتصادية كانت هذه الدول اقتصاديات صناعية متقدمة تتنافس مع الدول الصناعية الكبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة قبل الحرب، وكان كل ما تحتاجه هو قدر من المساعدات يمكنها من أن تستعيد بنيتها الإنتاجية ومن ثم يتوقف اعتمادها على المعونة الخارجية، وهو ما تم بالفعل، وبالتالى يمكن القول أن استثمار الولايات المتحدة فى اقتصاد هذه الدول كان استثمارا ناجحا، ليس فقط لانتفاء حاجة الولايات المتحدة لضخ موارد جديدة فيها، ولكن لأن هذه الدول أصبحت أيضا أسواقا مهمة وشركاء تجاريين للولايات المتحدة. ومن الناحية الاجتماعية ثانيا امتلكت هذه الدول طبقات رأسمالية ووسطى كبيرة وطبقة عاملة ماهرة ومستوى رفيعا من التعليم، وتلك من الشروط الأساسية التى يسوقها علماء السياسة لإقامة واستقرار النظام الديمقراطى، ومن حيث التركيب الاثنى للسكان تميزت هذه البلدان الثلاث بتجانس كبير، فلا توجد فيها أقليات عرقية تطالب بالاستقلال. طبعا يوجد كاثوليك وبروتستانت ولا دينيين فى ألمانيا، ومن يعتبرون من الأقليات فى عرف النظام النازى السابق كانوا اليهود والروما وأعدادهم قليلة، وقد توقفت الممارسات التمييزية ضدهم بعد سقوط النظام النازى. وفى إيطاليا توجد فوارق اقتصادية واجتماعية بل وثقافية بين شمال إيطاليا وجنوبها، ولكن دعاوى الاستقلال الإقليمى لم تعرفها إيطاليا إلا فى العقود الأخيرة، وهى دعوات تنحصر قيمتها فى جذب أصوات الناخبين فى الشمال، وتتسم اليابان بتجانس ثقافى هائل. ولذلك لم تكن فى الدول الثلاث انقسامات على أساس الملل والنحل والأعراق تحول دون استقرار نظامها السياسى. ومن الناحية الثقافية ثالثا صحيح أن كتب العلوم السياسية كانت تصف ثقافة الدول الثلاث أنها ثقافة غير مدنية لا تشجع على التطور الديمقراطى، ولكن الاستقرار السياسى وارتفاع مستويات المعيشة واحترام حكوماتها لحقوق الإنسان الأساسية فى الحياة والكرامة والمساواة أمام القانون جعل قيم الحرص على البقاء وإشباع الحاجات الأساسية تتوارى أمام قيم الحريات عموما بما فى ذلك الحريات السياسية. وهو ما وفر للنظام الديمقراطى قاعدة ثقافية مواكبة.

مثل هذه السمات جعلت هذه الدول مؤهلة للتحول إلى الديمقراطية، ولكنها لم تتوافر كلها فى الدول التى سعت إدارات أمريكية إلى نشر الديمقراطية فيها بقوة السلاح، فلا تمتلك اقتصادات قادرة بعد فترة من المساعدة على توفير الحاجات الأساسية لمواطنيها ومواطناتها ولا الطبقة الوسطى الواسعة ولا التجانس الاثنى ولا إطار القيم المساندة للديمقراطية، ولذلك فما كان ناجحا فى الدول التى هزمتها الولايات المتحدة فى نهاية الحرب العالمية الثانية لم يصلح فى هذه الدول. والحالة الوحيدة الأخرى التى انتقلت بعد عقود من الاحتلال الأمريكى إلى أوضاع ديمقراطية تؤكد صحة هذا التحليل هى كوريا الجنوبية التى أصبحت تتمتع منذ تسعينيات القرن الماضى بحكومات مدنية منتخبة وبتداول سلمى للسلطة وذلك بعد ثلاثة عقود من الحكم العسكرى، وذلك تم بعد ثورة اقتصادية نقلت كوريا الجنوبية إلى مصاف الدول الصناعية المتقدمة وبعد توسع الطبقات الرأسمالية والوسطى والطبقة العاملة وبعد انتشار التعليم وفى مجتمع يتسم بالتجانس الاثنى إلى حد بعيد ومع انتشار القيم الديمقراطية.
هذه الحقائق ليست غائبة عن المجتمع الأكاديمى فى الولايات المتحدة، ولكن إدارة جورج بوش الذى جعل نشر الديمقراطية عنصرا فيما أسماه بالحرب على الإرهاب لم تكن تستمع إلا لنصائح المحافظين الجدد ومراكزهم الفكرية والخبراء الذين يجارون تصوراتهم عن العالم.

ولكن هل يعنى هذا التحليل أن إدارة بايدن سوف تتخلى عن مناصرة الدعوة للديمقراطية؟ وهل يعنى هذا التحليل أن الشعوب التى ترزح تحت نظم حكم ديكتاتورية هى أفضل حالا فى ظل هذه النظم؟ الإجابة على السؤال الأول يطرحها بالفعل بعض الخبراء الأمريكيين الذين يدعون بايدن للإصرار على الدعوة للنموذج الديمقراطى فى إطار المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الزعامة العالمية، والإجابة على السؤال الثانى تقتضى مقالا آخر.
أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات