نهاية مفتوحة لحياة الجنرال - ليلى إبراهيم شلبي - بوابة الشروق
الأحد 15 ديسمبر 2019 5:50 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

نهاية مفتوحة لحياة الجنرال

نشر فى : الإثنين 30 يوليه 2012 - 9:55 ص | آخر تحديث : الإثنين 30 يوليه 2012 - 9:55 ص

أعلنت المصادر الطبيعة الأمريكية أن الجنرال عمر سليمان قد توفى فى مستشفى كليفلاند من جراء إصابته بمرض نادر «النشوانى» ولم تشر إلى السبب المباشر الذى أدى لوفاته المفاجئة، المرض ليس مرضا عاديا إنما مجموعة من الأمراض فى صور مختلفة.

 

كانت أنباء متضاربة سابقة تناقلتها كل وسائل الإعلام تشير إلى أنه توفى بأزمة قلبية أثناء إجرائه فحوصا عامة فى المستشفى بعد انتقاله المفاجئ من دبى إلى كليفلاند.

 

ربما كان الموت المفاجئ إثر جلطة أو أكثر فى الشرايين التاجية أقرب إلى التصديق أما موت فجائى نتيجة إصابته بالنشوانى؟

 

جاء الخبر بلا شك صادم للجميع مثيرا للتساؤلات داعيا للحيرة التى تبدأ بمسمى المرض الذى حار فيه كثيرون منهم أطباء من ذوى العلم والخبرة ولم يسعفهم إلا نص الخبر فى المحطات الأجنبية التى بالطبع أعلنت عنه بالانجليزية والفرنسية.

 

حينما اتضح للجميع معنى «النشوانى» زادت الحيرة وتعددت التكهنات. هو إذن مرض نادر لكنه معروف. أهم ما يعرف عنه أنه لا يأتى على حياة الإنسان بغتة إنما بعد سنوات طويلة قد تمتد إلى العشرين أو الثلاثين. هل كان الجنرال يخفى مرضه فى أحد خزائنه الموصدة؟ هل كان يعرف حقيقة الداء؟

 

إذا كانت تلك حقيقة فكيف واتته الجرأة على ترشيح نفسه للرئاسة وهو يعلم أن نهايته وشيكة؟ كيف أخفى معاناة فوق احتمالات البشر وراء تلك الطلة المتعالية والهيئة الواثقة التى تعود أن يواجه بها الناس؟

 

هناك استحالة علمية فى أن يقضى «النشوانى» فى أى صورة على الإنسان دون مقدمات مرضية وأعراض تدفع أى إنسان إلى طلب المشورة الطبية: لماذا إذن اختارت المصادر الطبية لكليفلاند أن تعلن وفاته من جراء إصابته بذلك المرض المزمن العضال رغم وفاته المفاجئة التى لم يكن من الممكن إخفاء كيف كانت سريعة حاسمة وبلا مقدمات؟

 

ليس لنا هنا إلا أن ننقل صورة علمية صادقة مختصرة لطبيعة هذا المرض. أعراضه ومضاعفاته ووسائل علاجه أو مقاومته ثم ننتهى إلى أسباب وفاة الإنسان المصاب به التى تختلف اختلافا واسعا، فقد يسهم القدر من المعرفة التى تبدو كنور خافت يلوح فى نهاية نفق مظلم عبر منه الجنرال إلى العالم الآخر.

 

النشوانى: مرض معلوم النسب

 

مجهول السبب

 

مرض النشوانى Amyloidosis عنوان فضفاض لمجموعة من الأمراض تنشأ نتيجة ترسب غير طبيعى لذرات بروتين بعينه يطلق عليه Amyloid فى خلايا وأنسجة الإنسان. ترسب تلك الدقائق من البروتين داخل الخلايا دون داع فسيولوجى يحيلها إلى خلايا مختلفة تماما عن الخلايا الأصلية، الأمر الذى معه تختل وظائفها ويستحيل معه أن تواصل مهامها الطبيعية التى تضمن للحسم تواصل عمليات الهدم والبناء الحيوية اللازمة لإمداده بالطاقة أصل الحياة.

 

ترسب ذرات البروتين فى الخلايا قد يحدث بصورة موضعية ليتركز فى أحد الأماكن غير المهمة من جسم الإنسان دون أى أذى يذكر. أو يتمركز فى أحد أعضاء الجسم بصورة لا تعوق عمله إذ إنها عملية بطيئة طويلة معها قد تنتهى حياة الإنسان طال عمره أو قصر دون أن تسبب خطرا يهدده.

 

من أهم تلك الإصابات الموضعية ما يحدث فى مرض الألزهايمر الذى يتراكم فيه البروتين B.Amyloid فى خلايا المخ ليحتلها بالتدريج ليحيلها فى النهاية إلى خلايا شمعية لا قيمة لها ولا حياة فيها، الأمر الذى معه تنمحى كل الذكريات والمعارف والقدرة على التكيف مع الحياة فينتهى الإنسان قبل أن يحل أجله.

 

النوع الأخطر من المرض هو ما يزحف على أعضاء الجسم الحيوية ببطء لكن بدأب واستمرارية تؤدى فى النهاية لفشل تلك الأعضاء الحيوية فى منظومة واحدة كل يتداعى للآخر. يعرف المرض فى تلك الصورة بالمرض الذى يشمل جميع أجهزة الجسم Systemic Amyliodosis.

 

أهم الأعضاء التى تتأثر بترسب البروتين فيها القلب والكلى والرئة والكبد حتى ينتهى الأمر فى النهاية إلى فشل عملها كلها بالتضامن.

 

قد يبدأ هذا المرض فجأة وبلا أى سبب واضح يقدم له فيسمى فى تلك الأحوال «أوليا» وقد يشجع على ظهوره وجود حالات مرضية أخرى فيسمى وقتها «ثانويا». من تلك المسببات الأورام، وأهمها الميلوما المتعددة Multiple myeloma أو عدوى مزمنة كالسل الرئوى على سبيل المثال أو التهابات العظام الصديدية وإصابات المفاصل. يصيب هذا المرض أى إنسان، رجلا كان أو امرأة وتقد يجرى فى العائلات فيشار إليه بالوراثى.

 

قد يعرف السبب لكن العجب يبقى!

 

قد يكون رصد ترسب بروتين البيتا أميلويد فى الخلايا قد أزاح ستارا كان يخفى لفترة طويلة السبب الرئيسى لأعراض المرض المتباينة لكنه فى الواقع تبقى الكثير من صورة العجب التى يفرضها اختلاف أنواعه Amyloidosis.

 

1 ـ النشوانى الأولى: Primary

 

النشوانى الأولى أو AL يبدأ حينما تبدأ خلية خاصة من خلايا النخاع الشوكى فى إنتاج كم مريب من البروتين Plasma cell فى إحدى خلايا الأجسام المضادة Antibody تسمى السلسلة الخفيفة Light Chain لذا يرمز لهذا البروتين بالرمز AL.

 

يعد النشوانى الأولى مرضا قائما بذاته ينتج عن أورام تعرف باسم Multiple Myeloma تعالج تلك الأورام ببروتوكولات العلاج الكيماوى. تجرى حاليا تجارب حققت خطوات مهمة للعلاج بالخلايا الجذعية.

 

2 ـ النشوانى الثانوى: Secondry

 

يسمى بالثانوى نتيجة حدوثه إثر الإصابة بمرض آخر يحفز بداياته. مثل العدوى بمرض مزمن مثل السل الرئوى أو التهاب العظام الصديدى. أو الإصابة بالتهاب مزمن مثل مرض روماتويد المفاصل.

 

يرمز للبروتين فى تلك الأحوال بالرمز AA. وعلاجه يعتمد على علاج السبب الأساسى ودعم العضو المصاب كالكلى أو القلب على سبيل المثال فى مواجهة الفشل الكلوى المزمن أو فشل عضلة القلب أو إصابة غشاء التامور الذى يغلفها بالالتهاب الذى ينجم عنه تراكم السوائل بين الغشاء الذى يغلق القلب كالكيس والقلب نفسه الأمر الذى يعد خطرا داهما يستهدف القلب.

 

3 ـ النشوانى المتوارث عائليا: Familial Amyloidosis

 

ينتج هذا البروتين فى الكبد TTR: Protein Trans Thyretin يتوارث هذا المرض بصورة غير سائدة وراثيا Autosomal أى أنه إذا أصيب به أب «كان حاملا لذلك الموروث الجينى» جاءت نسبة إصابة أولاده 50٪ إذا كان له أربعة أولاد كان احتمال إصابة اثنان منهما قائما.

 

4 ـ النشوانى بيتا ميكروجلوبيولن Beta z microglobulin Amyloidosis

 

هو نوع من النشوانى يرتبط بتكرار عمليات غسيل الكلى نتيجة الإصابة بالفشل الكلوى المزمن الذى يقتضى أن يظل المريض معتمدا على ماكينة غسل الكلى إلى أن يقضى الله أمرا كان مفعولا. فى تلك الحالة يترسب بروتين البيتا أوميلويد حول المفاصل غالبا.

 

5 ـ النشوانى: حينما يترسب البروتين فى أماكن بعينها Local Amyloidosis

 

بينما يمكن لبروتين الأميلويد أن يترسب فى كل أنسجة الجسم بلا تفرقة فيما يعرف بالنشوانى الذى يصيب كل أعضاء الجسم يتركز المحلى منه غالبا فى مكان واحد. إذا اختار أن يترسب فى أنسجة المخ فإنه يدمر الخلايا ببطء ويحل بروتين الأميلويد مكان محتوى الخلايا النشط الحيوى ليحيلها إلى خلايا معبأة بمادة خاملة كالشمع فيما يعرف بالألزهايمر أو طاعون هذا العصر البارد.

 

ما هى أعراضه؟

 

تختلف أعراضه باختلاف مواضع الإصابة به ومدى انتشارها. خلل وظائف عضو ما فى الجسم بلا مبرر واضح قد يعطى انطباعا بأن العطب يأتيها من داخلها إثر الإصابة بالنشوانى. نظرا لتعدد الإصابات فى الأعضاء المهمة الحيوية مثل القلب، الكلى، الرئة، الكبد، الأمعاء والمفاصل فى آن واحد تبدو الأعراض مبهمة مختلطة ومحيرة للمريض والطبيب معا. فتور الهمة والتعب لأدنى مجهود. ضيق النفس، نقص الوزن دون مبرر، العزوف عن الطعام وفقدان الشهية، الضعف العام، تضخم اللسان. كلها أعراض قد تمر على الإنسان فلا تدق أجراس خطر داهم. أما فى حالة إصابة الكلى إصابة مباشرة ففقدان البروتين فى البول ينبه إلى الخطر الذى يبدأ بتورم القدمين بصورة واضحة.

 

كيف يمكن تشخيصه؟

 

عينة من أى من الأعضاء المصابة مثل اللسان، المستقيم، الكلى، الكبد، القلب يمكنها أن تؤكد تشخيص الإصابة بمرض النشوانى. صباغة العينة لدراستها تحت الميكروسوب بصبغة خاصة تسمى كونجوريد Congo Red Stain يعرفها كل فنى المعامل تكفى تماما لتشخيص حالة إصابة بالبروتين الدخيل.

 

هل من علاج؟

 

أكثر أسباب الوفاة شيوعا لمرضى النشوانى هو الفشل الكلوى بينما تختلف بقية الأسباب وفقا لنوع الإصابة. علاج المرض يعتمد مبدئيا على دعم عمل العضو المصاب إذ إن أغلب الحالات تكتشف فى وقت متأخر حينما يبدأ العضو المصاب فى المعاناة من الفشل الوظيفى فى أداء مهامه.

 

هناك محاولات حديثة لعلاج النشوانى الأولى باستخدام العلاج الكيماوى مع تقنية الخلايا الجذعية لكنها مازالت محاولات وإن سجلت نجاحا يعزى بالاستمرار فى التجارب.

 

رحل الجنرال أو ظن صندوق الأسرار الأسود قد دفن إلى جواره ومعه ترحل أسرار أحد أهم مراحل التاريخ التى عاشها الوطن فهل يكترث أحدا لموت الجنرال أو يهتم بأسراره؟ سؤال بلا شك لا ننتظر له إجابة!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النشوانى• خلل فى وظائف الجسم ينشأ عن ترسب نوع من البروتين فى الخلايا الأمر الذى يخل بوظيفتها الأساسية

 

•  النشوانى: قد يحدث كمرض مستقل بذاته أو نتيجة لعلة أخرى تصيب الجسم مثل السل الرئوى أو التهاب المفاصل والأورام

 

• الأعراض تعتمد على العضو المصاب فى الجسم وطبيعة عمله

 

• التشخيص يتم بفحص عينة من الأعضاء المصابة

 

• العلاج يعتمد على نوع النشوانى بعد تشخيصه الأمر الذى ينتهى بدعم العضو المصاب فى مقابلة فشله فى أداء وظيفته أو علاج السبب الأساسى إذا وجد

 

• النشوانى يصيب مرضى حمى البحر الأبيض المتوسط من سكان سواحل المتوسط خاصة اليهود السفرديم والأتراك لكنه يغفل الإشكناز والأرمن فيعد مرضا وراثيا بينهم.

 

 

 

 

 

 

 

علاقة المرض بسكان

 

البحر الأبيض المتوسط

 

من المفارقات الغريبة التى تعرف عن مرض النشوانى أنه قد ينشأ من الإصابة بحمى البحر الأبيض المتوسط «التسمية نسبة لسكان المدن الواقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط». تعرف تلك الحمى بنوبات من آلام الأمعاء القاسية التى تهاجم المريض بضراوة وبلا أى مقدمات. يصيبه بنوبات من الإسهال والإمساك المتعاقبة التى يعانى منها ومن تبعاتها وحينما تنتهى تبدو كالزوبعة التى تبدأ فجأة ليتلبد الجو بالغيوم والعواصف ثم تنتهى فجأة بلا أى مقدمات تعلن عن مرورها.

 

علاج حمى البحر الأبيض علاج للأعراض وقتى أما العلاج الوحيد الأساسى فيعرف بالكولشسين.

 

النشوانى يصاحب حمى البحر الأبيض المتوسط إذا ما هاجمت يهود السفرديم والأتراك لكنه يغيب إذا ما أصابت يهود الاشكيناز والأرمن وتعد فى تلك الحالة وراثية إذ إن هناك عنصرا وراثيا وراء الإصابة بحمى البحر الأبيض المتوسط.

 

 

 

 

التعليقات