حول مستقبل الاقتصاد المصرى.. أين العقدة؟ - محمود الخفيف - بوابة الشروق
السبت 7 ديسمبر 2019 1:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

حول مستقبل الاقتصاد المصرى.. أين العقدة؟

نشر فى : الأحد 1 أبريل 2012 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 1 أبريل 2012 - 8:00 ص

كنت أتوقع أن يخرج علينا د.فاروق العقدة، محافظ البنك المركزى، أو مجلس إدارة البنك، ليُعلِمُنا بوضوح وبالتفاصيل لماذا تتبخر احتياطيات مصر من النقد الأجنبى بهذا المعدل الرهيب (أكثر من مليار وستمائة مليون دولار شهريا) وليشرح لنا سياسة البنك لوقف أو حتى للحد من هذا النزيف النقدى، فهذه ليست منة ولكنها واجب البنك المركزى ومحافظه وهو المؤتمن على ما تملكه مصر من نقد أجنبى. فلو استمر هذا التراجع وبهذا المعدل ستنضب الاحتياطيات بالكامل ولن تجد مصر (لا قدر الله) دولارا واحدا لاستيراد حتى 10 جرامات قمح تصلح لخبز رغيف واحد.

 

●●●

 

وفى مقال بجريدة الشروق بتاريخ 14/1/2012بعنوان «حول مستقبل الاقتصاد المصرى.. أين البوصلة؟» علق كاتبه د.محمود عبدالفضيل على مقال لى فى نفس الجريدة حول الموضوع بتاريخ 7/1/2012بعنوان «إفلاس مصر.. أين العقدة؟».  وفى حين أن د.عبدالفضيل لا يعرفنى، فأنا أعرفه من خلال كتاباته وميله للفقراء واشتراكية ووطنية تحليلاته، ولذلك حين قرأت مقاله تذكرت حوار بينى وبين زميل عمل يجمعنا قدر لا بأس به من الاحترام المتبادل ومن الاتفاق فى وجهات النظر، ولكن هذا الحوار كان يعكس اختلاف فى التحليل والرأى، فقال لى زميلى فى أحدا رسائله الالكترونية «إنك آخر شخص كنت أتمنى أن يتقاطع سيفى بسيفه». وبالفعل كنت أتمنى أن لا يتقاطع سيفى بسيف د.عبدالفضيل.

 

يعلق د.عبدالفضيل على مَقُولتى «أن اقتصاد مصر العينى والمادى (المنشآت الصناعية والمصانع والورش والقطاع الزراعى وقطاع البترول وقناة السويس.. الخ) لم ينهر»، فيأخذنا 30 عاما للوراء ليقول إن الاقتصاد العينى عانى من ضعف بنيوى وتراجع عملية التصنيع والبحث والتطوير نتيجة السياسات الاقتصادية التى طبقت... الخ». نعم هذا صحيح ولو افترضنا أن كل هذه المسائل قد عولجت لكان الاقتصاد العينى أضعاف ما هو عليه الآن وربما ما قامت ثورة 25 يناير. والحقيقة أنى كنت أقارن الاقتصاد العينى كما تركه لنا النظام الساقط فى يناير 2011 بالوضع فى يناير 2012، لأدلل على إن الثورة لم تمس اقتصادنا العينى بسؤ وإنما هنا كضرر جم نتيجة اتباع سياسات اقتصادية لا تتناسب واحتياجات وظروف الثورة، لا بل وقد تقوض قدرتنا على تلبية مطالب الثورة بعد نقل السلطة للرئيس المنتخب.

 

ويفسر د.عبدالفضيل استنزاف احتياطياتنا من النقد الأجنبى بأنها نتيجة سداد أذون الخزانة الحكومية (لكنه لم يقل إذا كانت دولارية أم بالجنيه) وسداد بعض الالتزامات لنادى باريس ولسداد غيرها من الالتزامات، ولم يفسر لنا ما هى «غيرها»؟ ولم يقل لنا إذا كان البنك المركزى متأكدا من أن الاستنزاف ليس له علاقة بفلول النظام الساقط؟ أو اذا كان مرتبطا بمضاربات البورصة وما يسمى باستثمارات الحافظة؟ ولم يقل لنا أسباب تلاشى 3 مليارات و400 مليون دولار من الاحتياطيات (أكثر من 20 فى المائة من الاحتياطيات الحالية) فى شهر واحد فقط وهو ثانى شهر بعد نجاح الثورة ـ مارس 2011؟ ولكنه يقول إن المافيات الاقتصادية قد سربت ما سرقته فى الفترة من 2005 ـ 2010، ولكن فقط بعد قيام الثورة اتخذ البنك المركزى عددا من الإجراءات الاحترازية! فلماذا لم تتخذ تلك الإجراءات قبل الثورة إذا كان مجلس إدارة البنك على علم بها، ثم إن قيادة البنك الحالية هى نفس القيادة فى الفترة التى أشار إليها الكاتب، فكيف لنا أن نثق فى أن هذه القيادة طبقت وتطبق تلك الإجراءات الاحترازية وتحافظ على ما لدينا من عملة صعبة فى وجود فلول نظام ساقط تسعى لتهريب ما نهبته للخارج.

 

ثم يقول الكاتب (د.عبدالفضيل): لعل المشكلة تكمن فى انفتاح «الحساب الرأسمالى» للبلاد. وهنا أقول إن هذا هو جوهر المشكلة فالانفتاح شبه التام للحساب الرأسمالى يعنى عدم وجود أية قيود على التحويلات إلى الخارج، وهذا ما يحدث فى مصر الآن باستثناء بعض القيود الهامشية على تحويلات الأفراد والتى تمثلت فى وضع حد أقصى لتحويلات الأفراد لا تتجاوز 100 ألف دولار. وبعد ذلك يعود الكاتب وهو عضو مجلس إدارة البنك ليقول إن هناك درجة محدودة للتحكم فى النزيف النقدى المستمر. أهذا كلام يعقل أن يجلس الطبيب أمام المريض ويراه ينزف حتى الموت ثم يقول إن هناك درجة محدودة للسيطرة على النزيف وينتظر ليرى كم سيمر من الوقت حتى يموت. فى هذه الظروف الاستثنائية يجب اتخاذ إجراءات استثنائية للتحكم فى حركة رأس المال وحماية الاحتياطيات، ولنا فيما فعلته ماليزيا فى أواخر تسعينيات القرن الماضى وقبلها البرازيل أسوة ودرس نأخذ منه ما نراه مناسبا لظروفنا.

 

وفى نهاية المقال يقول الكاتب «فكلنا أمل أنه بعد استعادة الأمن واستقرار الأوضاع السياسية بعد الانتخابات التشريعية وانتخاب رئيس جديد... يمكن للاقتصاد المصرى أن يتعافى...» أكيد أن الأمل أمر مرغوب، ولكن ماذا يفعل البنك المركزى، وما هى السياسات التى يتبعها، لتحقيق هذا الأمل؟ قد يصح لمواطن عادى ان يكتفى بانتظار الأمل والفرج، ولكن أيصح ذلك للبنك المركزى والمسئولين عن وضع السياسة النقدية لمصر؟

 

●●●

 

فى الختام يجب التأكيد على أن الموضوع أكبر منى ومن د.عبدالفضيل ود.العقدة حيث يمس مستقبل الشعب المصرى أجمعه، ولذلك أكرر تحذيرى هذه المرة لمجلس الشعب أنه لو استمر استنزاف احتياطياتنا لدى البنك المركزى على هذا المنوال فقد تخوى خزانة مصر من أى نقد أجنبى قبل انتخاب رئيس مصر الثورة فى يونيو المقبل، وقد تضطر الحكومة ويضطر الرئيس المنتخب على الاقتراض الخارجى والرضوخ والإذعان لشروط ووصاية وسياسات «توافق واشنطن» (صندوق النقد والبنك الدوليين). وعلى رغم من خطورة الموقف فلم يخرج علينا، حتى الآن، د.العقدة محافظ البنك المركزى ليقول للشعب لماذا تُستَنزف الاحتياطيات بهذه المعدلات الرهيبة وما هى سياسة البنك لوقف هذا النزيف وبناء على ذلك سنعرف هل دور البنك جزء من الحل أمْ من مشكلة مستقبل الاقتصاد المصرى؟

 

محمود الخفيف اقتصادي بالأمم المتحدة
التعليقات