عيناها بلون النعناع - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الإثنين 8 مارس 2021 12:21 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

عيناها بلون النعناع

نشر فى : الخميس 31 ديسمبر 2020 - 10:55 م | آخر تحديث : الخميس 31 ديسمبر 2020 - 10:55 م

عندما احتضنتها أمها أول حضن وتبادلتا أول نظرة بعد الولادة، نست الأم كل متاعبها.. الحمل المتعثر والولادة القيصرية وافتعال حماتها الفرحة بعد اكتشاف أن المولودة بنت... نست ذلك كله وغرقت في خضرة عينّي ابنتها سناء. نحن المصريين نحب البياض والعيون الملونة مهما غنّى عبد الحليم حافظ بالفصحي "سمراء يا حلم الطفولة" أو شدا محمد عبد المطلب بالعامية "يا أبو العيون السود ياللي جمالك زين"، هي نفسها كثيراً ما اخترقت أذنيها جملة قالها عنها القُرب والغُرب ووخزتها في البداية ثم اعتادت عليها بعد ذلك "حلوة بس سمرا" وألف آه من "بس" هذه. لذلك طارت الأم بعينّي ابنتها الملونتين بلون النعناع، والآن سيتأكد كل من كانوا يشككون في أن لها أصولاً تركية من أنها فعلاً تنحدر من تلك الأصول، هي نفسها كانت تحتاج إلى علامة أو كرامة تؤكد لها هذه المعلومة غير الموثقة وها قد جاءتها البشارة .
***
علي هذا النحو نشأت سناء وفِي داخلها شعور بالتميز فعيناها بلون النعناع، في فصلها كانت هي الوحيدة ذات العينين الخضراوين وإن كانت طالبة أخرى في فصل ثانية (أ) لها عينان تميلان إلى الخضرة.. تميلان فقط تميلان.. أما عيناها هي فخضرتهما صريحة لا تحتمل التأويل، صريحة إلى الحد الذي كانت تُنادَى بعينيها عندما ينسى المدرس أحياناً اسمها فيقول: البنت أم عينين خضرا وكانت تُسَر. كبرت سناء وكبرت معها مشاعر واهتمامات وفتُرَت أخرى، تكونت في حياتها صداقات فاستمر بعضها واختفى بعضها الآخر، لكنها لم تفقد شعورها بالاختلاف وارتبطت مع النعناع بعلاقة من نوع خاص. عموماً ليست هي وحدها التي كانت لها علاقة خاصة مع النعناع، فبعض كبار المبدعين حالهم من حالها وبالتأكيد لهم أسبابهم المختلفة، خذ مثلاً الأديب حسين عبد العليم الذي اختار لواحدة من أشهر رواياته عنواناً جذابًا هو "رائحة النعناع"، أما الأغنية التي كسرت الدنيا ومازالت عن النعناع المنعنع فحدّث عنها ولا حرج. لاحقاً عندما أحبت زميلها في الجامعة وارتبطت به كان يصبّح عليها صباحين، صباح الخير أمام الناس جميعاً، وصباح النعناع بينه وبينها وكانت تفضل الصباح الأخير لأنه مصنوع مخصوص لأجلها. كانت تختلس معه لحظات يجلسان فيها على العشب فتشعر أنها امتداد طبيعي لهذه السجادة الربانية المفروشة بامتداد أحواض الزهور داخل الجامعة، يتحكم خَضار مقلتيها في لون ثيابها وربما حتى في لون بعض إكسسواراتها ويفرض على أشيائها التلاؤم معه لأنه الأصل والأساس. أحياناً فقط لم يكن الأمر يسلم من تطفل بعض الفضوليين يقطعون عليها خلوتها مع خطيبها بالسخافات المعتادة.. يا سِم، كانت ترد عليهم ثم لا تعود تبالي .
***
عندما قالوا إن حاسة الشم هي أكبر دليل على عدم الإصابة بكورونا اللعينة لم تفكر سناء مرتين في اختبار هذه الحاسة برائحة النعناع. كل كم يوم كانت تشتري حزمة نعناع طازجة وتعلق عوداً منها أو عودين فوق عامود سريرها النحاسي، وكانت تطمئن على نفسها وعلى إياد كل صباح إذا ما تسللت رائحة النعناع الزكية إلى أنفيهما فأشاعت شعورا محبباً بالاطمئنان إلى يوم جديد بلا مشاكل. كان هذا في فصل الشتاء ثم دخل الصيف وبدأت تتغير كالمعتاد رائحة النعناع فلم تعد بنفس حلاوتها لا فوق عامود السرير ولا وهي تختلط بشاي العصاري مع إياد، ومع ذلك لم تستبدل سناء النعناع بأي نباتات أخرى، إنها لا تجرؤ على التبديل.. فهي النعناع والنعناع هي. نلاحظ أيضاً أنها عندما اختارت النعناع لاختبار قابليتها هي وزوجها للشم فإنها كانت تعبر عن إيمانها بأن النعناع يرمز للبقاء على وش الدنيا، ثم جاء يوم .
***
استيقظ إياد وليس له مزاج.. عادي جداً فما أكثر ما يعكّر المزاج في هذه الأيام، لكن مهلاً فإن إياد لم تلفح أنفه رائحة النعناع كالمعتاد، قال لعل العود يبس.. لكن العود في الحقيقة لم ييبس، قال لعلني أعاني من بداية دور برد.. لكنه في الحقيقة لم يكن برداً. دون أن يزعج سناء بهواجسه اقترب أكثر من عود النعناع فلم يجد له رائحة، وبالتدريج تحول استغرابه إلى قلق وقلقه إلى خوف.. ولأول مرة منذ أحب سناء يشعر بالخوف من عينيها. هذا الڤيروس اللعين آثاره تتعدى حدود المنظور والمعروف إلى ما لا يخطر على قلب بشر، من كان يظن يوماً أن الخُضرَة يمكن لها أن تفزع؟ حدث هذا. أما هي فاجتاحها ارتباك عظيم، تريد أن تهدهده كطفل صغير وتدفن رأسه في صدرها كما يحدث في لحظات ضعفه لكنها لا تقدر، تحتاج أن تبتعد عنه لتقترب به من شط الأمان، وتحتاج أن تعيد له الثقة في عينيها. أيام كأنها الدهر وهي تدخل عليه الغرفة بهيئة رواد الفضاء فتجدد الهواء وتتمم على التعقيم وتُثبّت عود النعناع في عامود السرير وتنتظر التغيير، يتحسن إياد ويسوء ويتقدم وينتكس فتضطرب دقات قلبها أو تنتظم على حسب الحال، تتلقى رسائل بلا عدد من أصدقائه وأصدقائها يريدون أن يطمئنوا عليه وأيضاً على أنفسهم فلا ترد.. هو فقد حاسة الشم وهي فقدت حاسة النطق وفقدت أيضاً الرغبة في الاهتمام، تطهو له الشوربة الخفيفة التي يفضّلها لكنه لا يقربها ومع ذلك لا تيأس وتعيد المحاولة، يأتيها سعاله ويأتيه حبها، يصلها لهاثه ويصله صبرها، وأخيراً.. أخيراً جداً يجئ الفرج. من ظنَ أن سناء تعرف بالضبط كم دامت هذه المحنة القاسية هو واهم بالتأكيد لأنها فعلاً لا تعرف، تداخلت الأيام مع شعورها الفظيع بوطأتها فصنعا تقويماً لا يخص أحداً سواها.
***
مازال إياد لا يشم، ومازال ضعيفاً شاحباً وليس له مزاج، لكن أنفاسه تبدو أهدأ وطاقته كما لو كانت أفضل قليلاً، وحين داعبته يوماً بجملة صباح النعناع حرك شفتيه بالرد فاستبشرت.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات