تضع حرب إيران الشرق الأوسط والعالم أمام تحولات دراماتيكية. فحقائق الحرب تعيد تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، وتختبر متانة التحالفات الراسخة منذ عقود. وهى تكشف كذلك حدود الأمن والاستقرار فى الخليج والشرق الأوسط الأوسع فى غياب بنية إقليمية جامعة، كما تكشف حدود التفوق العسكرى ذاته فى إحداث التغيير السياسى المنشود. وتتحول حرب إيران تدريجيا إلى واحدة من اللحظات المفصلية فى التاريخ الدولى، تلك التى لا تُقاس فقط بنتائج المعارك العسكرية، بل بالأثر العميق الذى تتركه على المكانة السياسية والرمزية للقوى الكبرى، وعلى تصوراتها لذاتها وقدرتها على تشكيل العالم وفقا لإرادتها. واليوم، ومع استمرار الحرب فى إيران، تواجه الولايات المتحدة لحظة فارقة من هذا النوع: هل تستطيع التكيف مع عالم لم يعد ممكنا فيه الاتكال على الهيمنة الأحادية، ومع واقع تتكشف فيه يوما بعد يوم حدود التفوق العسكرى.
التحدى الذى يواجه الولايات المتحدة اليوم ذو شقين: الأول هو التكيف مع التحولات العالمية الجارية دون الحاجة إلى صدمة كبرى، والثانى هو التعافى من الضربة التى وجهتها حرب إيران إلى شرعيتها كقائد عالمى. ومن المرجح أن تخضع قدرتها على مواجهة هذين التحديين لاختبار متواصل خلال السنوات المقبلة.
وإذا كانت الولايات المتحدة تأمل فى التكيف، فإن بوسعها أن تستلهم دروسا من لحظات تاريخية سابقة اختُبرت فيها قوى كبرى. ومن أبرز هذه اللحظات أزمة السويس عام 1956، التى مثلت نقطة تحول حاسمة فى مسار الإمبراطورية البريطانية. فقد كشفت الأزمة حدود القوة الإمبراطورية البريطانية ومهدت لبداية أفولها، وفى الوقت ذاته رفعت مكانة الرئيس المصرى الراحل جمال عبدالناصر رمزا للتحرر الوطنى فى العالمين العربى والنامى. فى عام 1956 مارس عبدالناصر حقا سياديا بتأميم قناة السويس، وهو القرار الذى اعتبرته بريطانيا وفرنسا تهديدا مباشرا لمصالحهما الاستراتيجية والاقتصادية، بل ولمكانتهما الإمبراطورية ذاتها. وجاء الرد سريعا عبر تحالف عسكرى ضم لندن وباريس وتل أبيب، هدفه إسقاط النظام المصرى واستعادة السيطرة على القناة وإعادة فرض قواعد النفوذ التقليدية. إلا أن الحملة انتهت، رغم التفوق العسكرى الواضح للمعتدين، إلى فشل سياسى ذريع تحت ضغط دولى كثيف، خاصة من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى اللذين رأيا فى التصعيد تهديدا لتوازنات الحرب الباردة ولمصالحهما الأوسع.
لم يكن هذا الفشل مجرد انتكاسة تكتيكية أو إخفاق فى إدارة معركة بعينها، بل كان ضربة قاصمة لصورة بريطانيا كقوة قادرة على فرض إرادتها، ومؤشرا فعليا على بداية نهاية دورها كقوة عالمية قائدة. وتكتسب لحظة السويس أهميتها لأنها تكشف الانفصال البنيوى بين القدرة العسكرية والقوة السياسية. فقد نجحت بريطانيا وفرنسا عسكريا فى احتلال أجزاء من الأراضى المصرية وإلحاق أضرار مادية بمصر، لكنهما فشلتا فى تحويل هذه المكاسب إلى مزايا سياسية مستدامة، إذ لم يسقط النظام المصرى ولم يتخل عن السيطرة على القناة. بل إن العملية أدت إلى عزلة دولية وتآكل فى الشرعية الأخلاقية والسياسية وتسارع تفكك الإمبراطوريات الاستعمارية. فى المقابل، نجح عبدالناصر فى توظيف الأزمة لتعزيز شرعيته داخليا ودوليا، محولا العدوان العسكرى إلى رصيد سياسى ورمزى جعل من مصر منارة لمناهضة الاستعمار ومنه شخصيا بطلا للاستقلال الوطنى. وهنا يتضح أن نتائج الحروب لا تُقاس فقط بما يجرى فى ساحات القتال، بل أيضا بكيفية تفسير تلك الوقائع سياسيا وعلى موائد التفاوض وفى المجال الدبلوماسى.
• • •
هذا الدرس، الذى يبدو بديهيا اليوم، لم يكن دائما حاضرا فى حسابات القوى الكبرى. بل جرى تجاهله مرارا فى نزاعات لاحقة، وتعد الحرب الأمريكية فى فيتنام المثال الأبرز على ذلك. فقد دخلت الولايات المتحدة الحرب وهى تمتلك تفوقا ساحقا فى التكنولوجيا العسكرية والقدرات التدميرية، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن تحقيق نصر حاسم. كانت فيتنام أضعف ماديا، لكنها امتلكت قدرة أكبر على توظيف عناصر أخرى مثل الشرعية الوطنية، والمعرفة المحلية، وقيادة مستعدة لتحمل كلفة بشرية طويلة الأمد. ولم تكن طبيعة الصراع تقليدية، كما أن الطرف المقابل لم يكن يسعى إلى انتصار عسكرى مباشر بقدر ما كان يراهن على استنزاف إرادة الإدارات الأمريكية المتعاقبة. ومع تصاعد الخسائر البشرية، تنامت المعارضة داخل المجتمع الأمريكى، وتراجعت المساندة الدولية، إلى درجة أصبحت معها مواصلة الحرب عبئا سياسيا يفوق جدواها العسكرية. وهكذا انتهت الحرب بانسحاب أمريكى جسّد عجز قوة عظمى عن فرض إرادتها حتى على دولة أصغر بكثير، فى غياب الشروط السياسية اللازمة. وفى النهاية، لم تُهزم الولايات المتحدة على يد خصم عسكرى بقدر ما هُزمت أمام رأيها العام الداخلى. وفى فيتنام اصطدمت القوة العسكرية الأمريكية بثلاث حقائق أساسية: أن السيطرة على الأرض لا تعنى السيطرة على المجتمع، وأن التفوق التكنولوجى لا يعوض غياب الفهم السياسى والثقافى للسياق المحلى، وأن الزمن ذاته يمكن أن يتحول إلى سلاح بيد الطرف الأضعف.
وتكرر المشهد، وإن بصيغة مختلفة، فى حرب العراق عام 2003، حين نجحت الولايات المتحدة بسرعة فى إسقاط نظام صدام حسين فى عملية بدت، للوهلة الأولى، نموذجا للحسم العسكرى السريع. غير أن هذا «الانتصار» تحول سريعا إلى بداية أزمة معقدة وطويلة الأمد. فغياب التخطيط لما بعد الحرب، وحل مؤسسات الدولة، وتفكيك الأجهزة الأمنية، كلها عوامل خلقت فراغا سياسيا وأمنيا استغلته قوى داخلية وخارجية، ما أدى إلى تصاعد العنف الطائفى والإرهاب وإلى وجود عسكرى أمريكى طويل لم ينجح فى تحقيق استقرار حقيقى.
• • •
عند الانتقال إلى اللحظة الراهنة فى عام 2026، نجد أن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران يعيد طرح الإشكاليات ذاتها ولكن فى سياق أكثر تعقيدا. فعلى الرغم من الفارق الهائل فى القدرات العسكرية، لا تواجه إيران الولايات المتحدة عبر حرب تقليدية مباشرة، بل تعتمد على مزيج من الأدوات غير المتكافئة، من بينها الشبكات الإقليمية والميليشيات المسلحة والقدرات الصاروخية. وهذا النمط من الصراع يجعل تحقيق نصر حاسم أمرا بالغ الصعوبة، لأنه يفتت ساحات المواجهة ويطيل أمد الحرب محولا إليها إلى حرب استنزاف ويرفع كلفتها السياسية والاقتصادية.
فى هذا السياق، تلعب طبيعة النظام الدولى الراهن دورا حاسما. فالعالم لم يعد ثنائيا كما كان خلال الحرب الباردة، ولا أحاديا كما بدا فى تسعينيات القرن الماضى، بل يتجه نحو تعددية قطبية معقدة تتداخل فيها أدوار القوى الكبرى مع أدوار القوى الإقليمية والفاعلين غير الدولتيين. وهذه التعددية تجعل من الصعب على أى قوة، مهما بلغت قوتها، أن تفرض إرادتها منفردة، وتزيد من أهمية بناء التوافقات والتحالفات. كما أن طبيعة الحروب نفسها قد تغيرت. فلم تعد الحروب تُخاض فقط بالجيوش النظامية وعلى جبهات واضحة، بل باتت تشمل أبعادا اقتصادية ومعلوماتية وسيبرانية وسياسية. وأصبحت الأطراف الأضعف أكثر قدرة على استغلال هذه الأبعاد لتعويض ضعفها العسكرى، ما يصعب على القوى الكبرى تحقيق تفوق حاسم عسكريا وسياسيا. وفى هذا الإطار تتحول الحرب إلى عملية إدارة لصراع طويل وغير متكافئ ومعقد، لا إلى معركة تنتهى بنتيجة قاطعة. فالقوة العسكرية، رغم أهميتها البالغة، لم تعد كافية لتحقيق نتائج حاسمة فى الصراعات الدولية، حتى عندما تكون المواجهة بين قوة عظمى ودولة أصغر بكثير.
• • •
عند إعادة النظر فى المقارنة بين عامى 1956 و2026، يتضح أن أوجه الشبه لا تكمن فقط فى حدود القوة العسكرية، بل فى التحدى الأوسع المتعلق بقدرة القوى الكبرى على تحويل القوة إلى نفوذ سياسى مستدام. فقد اكتشفت بريطانيا عبر أزمة السويس، وإن متأخرة، أن زمن الإمبراطوريات التى تفرض إرادتها بالقوة قد ولى، وأن الشرعية الدولية أصبحت عنصرا لا غنى عنه. واليوم تواجه الولايات المتحدة تحديا مشابها، وإن فى سياق مختلف، يتمثل فى ضرورة التكيف مع عالم لم تعد الهيمنة الأحادية فيه ممكنة بالوسائل التقليدية.
مع ذلك، تبقى الفوارق مهمة. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقا عسكريا واقتصاديا وتكنولوجيا هائلا، إلى جانب شبكة واسعة من التحالفات ومؤسسات قادرة على التكيف. كما أن التحديات التى تواجهها ليست نتيجة هزيمة واحدة فاصلة، بل حصيلة تراكم أزمات وتجارب متعاقبة كشفت حدود الهيمنة الأحادية والقوة العسكرية.
وهذا يعنى أن ما نشهده اليوم قد لا يكون «لحظة سويس» مكتملة، بقدر ما يمثل، على نحو شبيه بما واجهته بريطانيا فى 1956، نافذة تكشف واقع موازين القوى المعاصرة. وهى نافذة توضح مسارا تدريجيا يعيد تشكيل موقع الولايات المتحدة فى النظام الدولى وصورة سياستها الخارجية، وربما يترك أثره الدائم على شرعيتها كقوة قائدة بعد الضربة التى تلقتها فى حرب إيران.
أستاذ العلوم السياسية ومدير برنامج الشرق الأوسط فى مؤسسة كارنيجى للسلام الدولى