في ديسمبر الماضي أصدرت وزارة العمل مجموعة من القرارات التنفيذية لقانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، انصب بعضها على تنظيم فترات التشغيل والراحة والمهن ذات الطبيعة الخاصة على ضوء المادة 117 التي تحظر التشغيل في الأحوال العادية لأكثر من 8 ساعات يوميًا و48 ساعة أسبوعيًا.
وبالتزامن؛ أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء نشرته السنوية عن التوظيف والأجور وساعات العمل عن عام 2024، وهي تقريبًا النشرة الوحيدة التي يمكن الاعتداد بمعلوماتها عن بيئة التشغيل في مصر لكونها صادرة من الجهة الرسمية للإحصاء والمتمتع بإمكانات فنية وعلمية غير متاحة لجهات أخرى، فضلًا عن عدم إصدار المنظمات النقابية العمالية والمهنية ومنظمات أصحاب الأعمال أي بيانات متماسكة عن هذا الملف الحساس، وصعوبة استنباط معلومات دقيقة من المنازعات القضائية العمالية بشكل عام وخصوصًا بشأن العمل الإضافي، لأنها غير شاملة بالضرورة لجميع الأنشطة والحالات، وتكتظ بالادعاءات والمبالغات من طرفي العلاقة التعاقدية.
تتناول نشرة الجهاز المركزي ساعات العمل على ضوء توجيهات وتعريفات منظمة العمل الدولية، حيث يُستثنى منها العمل الإضافي غير مدفوع الأجر، أي الذي قد يؤدي فيه العامل نشاطًا فعليًا مرتبطًا بالعمل لكن لا يتقاضى عليه أجرًا أو بدلًأ، أي أن بيانات الجهاز تفترض مبدئيًا أن ساعات العمل المحسوبة هي الساعات المدفوعة الأجر في وظيفة مدفوعة الأجر.
وهذا يعني أن عدد ساعات العمل "الفعلية" قد تجاوز –على أرض الواقع- المتوسطات التي يحتسبها الجهاز، نتيجة انتشار ظاهرة تشغيل العمالة وقتًا أطول دون مقابل في العديد من القطاعات والوظائف، ما ينعكس في ضخامة عدد المنازعات حول ساعات العمل الإضافي بدون أجر أو بمقابل هزيل مخالف للنصوص القانونية والقرارات الوزارية.
تخبرنا نشرة عام 2024 أن متوسط عدد ساعات العمل الشهرية على المستوى القومي للعاملين بجميع القطاعات 219 ساعة، أي 54.8 ساعة أسبوعيًا. وبتحليل هذا المتوسط على أساس 22 يوم عمل شهريًا (عدد أيام العمل في معظم القطاعات) نجد أن العامل المصري يعمل حوالي 10 ساعات يوميًا. وإذا راعينا صعوبة تحقق ذلك في غالبية وظائف القطاع العام وقطاع الأعمال العام، فهذا يعني أننا أمام ارتفاع كبير في فترات التشغيل بالقطاع الخاص وبعض الأنشطة الاقتصادية بعينها.
وتدعم بيانات النشرة هذا الاستنتاج. حيث يبلغ متوسط عدد ساعات العمل الشهرية بالقطاع الخاص وحده 221 مقابل 187 في القطاع العام وقطاع الأعمال العام. بينما تصل في أنشطة مثل الزراعة والصيد إلى 320 ساعة شهريًا، مقابل 255 في خدمات الغذاء والإقامة (السياحة والمطاعم)، ومثلها في أنشطة الفنون والإبداع، وتنخفض قليلًا إلى 231 في أنشطة النقل والتخزين، و225 في تجارة البضائع بالجملة والتجزئة، بينما تسجل في الصناعات التحويلية 205 ساعة أي 9.3 ساعة يوميًا على أساس 22 يوم عمل شهريًا.
يتناقض هذا الواقع ببساطة مع فلسفة التشغيل الإضافي، التي تقتضي على ضوء المادة 121 من القانون، ووفق نص قرار وزير العمل رقم 291 لسنة 2025 أن يكون "في أضيق الحدود وبما لا يؤثر على صحة العمال وحقوقهم". كما يرتب أعباء كبيرة على مديريات العمل المختصة التي يجب أن تكون أكثر جدية في أعمال الرقابة والضغط للامتثال.
فمن غير المتصوّر تحقيق التزام تلقائي واسع من أصحاب المنشآت بالإجراءات المطلوبة، مثل الإبلاغ خلال 7 أيام من وقوع ظروف العمل غير العادية أو الاستثنائية التي استدعت التشغيل الإضافي -لاسيما في القطاعات التي تحول فيها الأمر من استثناء إلى قاعدة واقعية- بالإضافة إلى إمساك سجل لقيد ساعات العمل الأصلية والإضافية ومبرراته والأجر المستحق لكل عامل وما يفيد حصوله عليه.
ينص القرار 291 على وضع حد أقصى لساعات التشغيل الإضافي السنوي، لجميع الأنشطة والقطاعات، بواسطة المجلس الأعلى للتشاور الاجتماعي بوزارة العمل، بعد مشاورة منظمات العمال وأصحاب الأعمال. وأعتقد أن الرقابة الجادة تتطلب تحديد الساعات الإضافية على أساس شهري وليس سنويًا، وأن يعتني المجلس الأعلى بدراسة أرقام "التعبئة والإحصاء" وأوضاع القطاعات التي تزيد فيها المنازعات العمالية حول الساعات الإضافية، فضلًا عن تقارير منظمتي الصحة العالمية والعمل الدولية عن الآثار الصحية والاجتماعية الجسيمة الناجمة عن العمل أسبوعيًا 55 ساعة فأكثر.