شكسبير معاصرنا.. أيضا فى حروب الشرق الأوسط الحديثة - إبراهيم العريس - بوابة الشروق
الجمعة 13 مارس 2026 8:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

شكسبير معاصرنا.. أيضا فى حروب الشرق الأوسط الحديثة

نشر فى : الخميس 12 مارس 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الخميس 12 مارس 2026 - 7:05 م

عندما أصدر الباحث والناقد البولندى يان كوت، قبل ما يقارب القرن من الآن، كتابه الذى سيغدو على الفور واحدا من أهم المراجع فى دراسة البعد السياسى فى مسرحيات شكسبير، الرئيسية منها على الأقل، لم يكن ليحسب أن فكرته حول «حداثة» شاعر الإنجليز الأعظم سوف تتخطى، مع مرور الزمن، غايته الأساسية منها، وهى التنديد بالحكم الستالينى قبل أى شىء آخر. وبالتأكيد لم يكن ليتصور أن كل فكرة أساسية من تلك التى عبّر عنها فى كتابه الحاذق، فصلا بعد فصل، بل صفحة بعد صفحة، سوف تؤكد فكرته بالارتباط مع مجريات التاريخ، وربما حتى بالأحداث الأخيرة التى تعيشها مناطق أساسية من الشرق الأوسط، وغالبا ليس فقط عبر أحداث رهيبة ومجازر ملموسة، بل عبر شخصيات محددة وعبارات حوارية تستعيد لغة شكسبير حتى من دون أن تدرك معنى ذلك بالنسبة إلى تطور دائم وتجديد متواصل لصفحات كتاب يان كوت المعنون، كما لو بفعل الصدفة: «شكسبير معاصرنا».
فى البداية هنا، من الطبيعى القول إن الكلمات الألف المتاحة لنا فى هذا المكان من الصفحة قد لا تتيح أكثر من وضع علامات على طريق تحتاج، كى تعبّر عن الفكرة، إلى أضعاف أضعاف تلك الكلمات المحدودة. غير أن ثمة، فى مجال التعبير ولو الموجز عن الفكرة، ما يدفعنا، فى لحظات أساسية، ونحن من أهل الكنبة مسترخين على مقاعدنا فى مواجهة الشاشة التى تغدو بالنسبة إلينا بديلا للحياة، ونافذة نطل منها على عالم يستشرس كل يوم أكثر فأكثر أمام أنظارنا التى تزداد حيادية يوما بعد يوم؛ ثمة ما يجبرنا على التفكير بشكسبير. وفى حالة ثلاثة أو أربعة من «لاعبى» الأدوار الأساسية فى ما يجرى أمامنا، وكأننا، بفضل الصورة التلفزيونية، نصبح بدورنا جزءا من المشهد.
ولعل الحيز الأول يمكن إعطاؤه هنا إلى الثنائى «ماكبث وليدى ماكبث»، وتحديدا من خلال الثنائى ترامب/نتنياهو. فهنا، فى مقارنة تلحّ على الخاطر، لدينا ذلك العنف الذى قد يبدو لفظيا لدى الرئيس الأمريكى، لكنه يتحول إلى دفع حاسم إلى الفعل لدى نتنياهو. ولكن، لئن كان يمكن لأحد أن ينبهنا إلى أننا هنا لسنا أمام ثنائى حقيقى، سيمكننا أن نجيبه بأن الأدوار النسائية كانت تُلعب، زمن شكسبير، من قبل رجال متنكرين فى زى نساء. فماذا لو جعلنا من نتنياهو ليدى ماكبث معاصرة، أهم ما تفعله أنها تحضّ رجلها على العنف الدامى والقتل، مهددة متوعدة بأنها (أو بأنه) ستفعل إن لم يفعل هو؟
فى الواقع، إن اندفاع ليدى ماكبث - المتقمصة هذه المرة قناع رئيس الوزراء الإسرائيلى الذى يجد من الدوافع الشخصية والعامة ألف دافع يحركه فى هذا الاتجاه الفتاك - يعبّر عن تفضيلها أن يقوم ماكبث (تحت قناع تهريجية ساكن البيت الأبيض) بالعمل كى يصل الاثنان معا إلى السلطة فى عالم سيغدو مشدوها ومشلولا أمامهما. ولكن أيضا أمام ثالث الثلاثة فى هذه اللعبة التى تبدو، فى النهاية، من أكثر ألعاب التاريخ الحديث لؤما وسخافة فى الوقت نفسه: رئيس الجمهورية الإيرانية، الذى يمكن لنا أن نصدقه حين يقول، مرددا مكررا، إنه لا يريد أن يخوض حربا مع الدول المجاورة. وهذا بالأحرى صحيح. ولكن، أفلم نصدق فى الماضى الملك الشكسبيرى لير حين قسم مملكته بين بناته، فإذا بهن يحابينه بالعداء ويتوجهن ضده فى مجال بناء كل منهن لمملكتها؟
نحن هنا لا نقارن بين أحداث لا تحتمل أية مقارنة، بل بين شخصيتين عاجزتين على أكثر من صعيد، أولها صعيد التفاجؤ بتطور للأحداث غير متوقع. وهى أحداث توالت على السيد بزشكيان منذ اللحظة التى «اعتذر» فيها من بلدان الخليج المجاورة له، وهو يعتقد أن لديه من السلطة والقوة ما يمكنه من ذلك. لكنه اكتشف، منذ الثوانى التالية مباشرة لذلك الاعتذار، أنه لا يملك تلك السلطة. حتى مرءوسه المباشر، وزير خارجيته عراقجى، أسرع حينها بالاعتذار عن الاعتذار، ليضطر سيادة الرئيس «الإصلاحى» إلى التوغل بدوره فى الاعتذار عن الاعتذار. وهو الذى راح يفضل أن ينسى أن بلاده فعلا لم تكن تحارب جيرانها مباشرة؛ فهى اعتادت أن تحاربهم بالواسطة، فى لعبة فارسية دهماء: تفعل ذلك من خلال مجندين، مؤدلجين، تجمعهم من بائسى البلدان المجاورة، جاعلة منهم مدافعين عنها مقاتلين فى سبيل مرشدها. ودائما فى لعبة شكسبيرية مأمونة إلى حد كبير، حتى وإن كانت دائما مكشوفة إلى حد أكبر. لعبة شكسبيرية بامتياز هى الأخرى، قد تذكر هذه المرة باستعانة هاملت بفرقة مسرحية تعبّر عنه وعما يفكر به.
فى هذا الإطار، وإذ يلعب بزشكيان ازدواجية لير/هاملت، ويلعب نتنياهو دور ليدى ماكبث مقابل ماكبث البيت الأبيض، لا شك أن هذا اللعب السيئ والردىء يجعل شكسبير يتقلب فى قبره، متسائلا من جديد عما إذا لم يكن من شأن الفيلسوف الألمانى هيجل أن يبدو أكثر حذقا منه فى طواعية أفكاره ومرونتها، حين يقول إن التاريخ قد يعيد نفسه، ولكن إذ يكون فى المرة الأولى مأساة، بل تراجيديا، يتحول فى المرة الثانية إلى مهزلة كوميدية.
لكنها، للأسف، لا تضحك؛ أو لعلها من نمط المضحك المبكى. المضحك إلى درجة أن ما من أحد يهمه اليوم أن يجد نفسه مكان الرئيس الإيرانى الذى يمضى وقته محاولا أن يعثر على المزيد من كلام الاعتذار عما اقترفه حين خُيّل إليه أن استخدام كلماته «الطيبة» - كما فعل الملك لير قبل أن يكتشف المطب الذى وقع فيه، وأنه يمكنه أن يكون ذا فعل حاسم لدرء جريمة لا تُغتفر من قبل بلد اعتاد دائما أن يكلف أنصاره الذين نشرهم فى «أربعة عواصم عربية»، بحسب عدد من المسئولين الإيرانيين، بالقيام مكانه بالأعمال القذرة، فيما يقدم نفسه هو كدولة سياسية رصينة. وغالبا فى مقابل أعداء لا يهتمون أبدا بأن يبدوا قذرين، أو أقل قذارة.
ففى بدايات هذه الألفية الثالثة، التى دخلتها البشرية وقد أسفر الشيطان عن وجهه القبيح فيها غير مبالٍ بأن ينكشف هذا الوجه، وبعدما كانت الألفية الأولى للرحمن، والألفية الثانية للإنسان - بحسب ما قال كاتب هذه السطور فى مناسبة سابقة لا علاقة لها بهذه المناسبة «الجديدة» - ها هى الألفية الثالثة تصبح فى عهدة الشيطان، وبخاصة فى عهدة صور متنوعة له: سواء اتخذ صورة تاجر خردة يمضى وقته يحسب، وبالأرقام، حسابات الأرباح والخسائر، غير مبالٍ بأصوات المدافع والمسيّرات والصواريخ التى تزغرد من حوله؛ أو صورة حاكم كل ما يهمه أن يفلت من العدالة المتربصة به فى بلده، طالما أنه يجد دائما فى صفوف أعدائه وأعداء «وطنه» المصطنع من ينقذه فى اللحظات الحرجة (ولنعد التفكير هنا فى ما حدث فى السابع من أكتوبر وما أسفر عنه من ضياع للقضية الفلسطينية، بل حتى هزيمة لجزء من الشعب الإسرائيلى الذى كان على وشك إسقاط حكامه اليمينيين المتطرفين)؛ أو - وهذا أسوأ وأخطر بالتأكيد - فى صورة نظام آتٍ من القرون الوسطى ليملأ الكون إرهابا وجثثا وتخلفا، ثم، كنيرون، يقف ليقول بلسان رئيسه الإصلاحى البائس، معتذرا، إنه لا يريد شرا بجيرانه.
ترى، لو عاش شكسبير فى زمننا، وليس فقط على صفحات كتاب يان كوت، أفلم يكن من شأنه أن يتابع كتاباته من خلال شخصيات تبدو وكأنها وليدة تلك الكتابات نفسها؟

إبراهيم العريس إبراهيم العريس
التعليقات