نشر موقع 180 مقالًا للكاتب العراقى عبدالحسين شعبان، يوضح فيه كيفية توظيف القوة الناعمة (الثقافة، الفن، والإغراء) كأداة استخباراتية وسياسية فى الصراعات الدولية، إذ يرى شعبان أن فضيحة «جزيرة إبستين» ليست مجرد جريمة أخلاقية فردية، بل هى نموذج معاصر لاستخدام «الوسائل القذرة» والقوة الناعمة للإيقاع بالشخصيات المؤثرة والسيطرة على مفاصل القرار، تمامًا كما حدث خلال الحرب الباردة.. نعرض من المقال ما يلى:
أثارت فضيحة جزيرة إبستين (اسمها الأصلى «ليتل سانت جيمس»، وهى إحدى جزر العذراء الأمريكية فى البحر الكاريبى) تداعيات كثيرة بخصوص دور القوّة الناعمة فى الإطاحة بزعماء كبار، واستدراج شخصيات مشهورة، والإيقاع بجهات رسمية وغير رسمية.
كشفت الصحافة الاستقصائية العديد من الخفايا والفضائح التى تزكم الأنوف فى قضية جيفرى إبستاين. الأمر لا يتعلّق بخوارق شخصية سوبرمانية، مخابراتية شيطانية، مثل إبستين. الأمر مدعاة للتساؤل: من يقف خلفه؟ وما هى أهدافه؟ وكيف تمكّن من الوصول إلى مبتغاه؟ ولماذا لم يتم كشف أسراره إلى اليوم؟ فالرجل توفّى فى ظروف غامضة فى سجنه عام 2019. ثم ماذا يعنى نشر وتسريب هذه الوثائق فى هذا الوقت بالذات؟ ومن تخدم؟ ومن هى الجهات المتضرّرة والمستفيدة منها، سواء كانت شخصيات عامة أم جهات رسمية؟
لعلّ ما حصل من كوموتراجيديا، خلال الأسابيع المنصرمة، أعادنى إلى دور القوّة الناعمة فى الصراع الأيديولوجى بين المعسكرين الرأسمالى والاشتراكي، وخصوصًا خلال فترة الحرب الباردة (1946 ــ 1989)، وكيف استُخدمت لإسقاط منظومة أيديولوجية وأحزاب عريقة ومناضلين كبار كان يُشار إليهم بالبنان، سواء فى الدول الاشتراكية أو فى الدول النامية، من دون الدخول فى حرب عسكرية ذات أكلاف فلكية.
الصراع الأيديولوجى
كنت قد نشرت كتابًا فى عام 1985 بعنوان «الصراع الأيديولوجى فى العلاقات الدولية» (دار الحوار، اللاذقية)، تناولت فيه أساليب الدعاية السوداء ووسائلها، إضافة إلى دور المعاهد ومراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة فى التأثير على العقول وكسب القلوب، فى معركة ضارية علنية وسرية، استُخدمت فيها جميع الوسائل، من أكثرها شرعيةً إلى أشدّها لا إنسانية. وخصّصت فقرة كاملة لممارسات إسرائيل العنصرية وأجهزتها الدعائية والأمنية وحربها النفسية.
منذ قيامها عام 1947، أولت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) اهتمامًا كبيرًا بالثقافة، وعملت على جعلها وسيلة وأداة فى الدعاية والصراع الأيديولوجى، وخصّصت لها موارد ضخمة وبرامج سرية واسعة ومتنوّعة، ليس ضدّ المعسكر الآخر كجزء من أذرع الحرب الباردة فحسب، بل لاستقطاب كفاءات وشخصيات يسارية من الدول الغربية، وسعت للاستثمار فيها كرأسمال أساسى، فضلًا عن النُخب كرأسمال بشرى يمتلك طاقة هائلة للتأثير.
لذلك أصبحت الحرب الثقافية جزءًا لا يتجزّأ من الصراع الدولى، ولا تقلّ ثقلًا عن السلاح النووى أو الكيميائى، وليست أقل أهمية من الصواريخ. ووسائلها ناعمة، وأدواتها ماكرة، وأساليبها مشوّقة، ومغرياتها تبدو بريئة.
سؤال مستعاد
ثمة سؤال قديم بقيت أستعيده بين الحين والآخر، وهو ما ورد على لسان الشاعر الأمريكى كارل ساندبيرج فى ستينيات القرن المنصرم: أيهما أكثر تأثيرًا فى سياسة الولايات المتحدة، جامعة هارفارد أم سينما هوليوود؟ وكان جوابه مثيرًا: «هارفارد أنظف من هوليوود، لكن هوليوود أكثر تأثيرًا من هارفارد فى الوصول إلى أمد بعيد». وفى ذلك أكثر من مغزى ودليل على دور القوّة الثقافية الناعمة وأدواتها المختلفة فى نشر القيم وطريقة الحياة والتأثير على الآخر.
وإذا كانت جامعة هارفارد صرحًا علميًا كبيرًا ومؤثرًا بلا أدنى شك، إلّا أنها أقل تأثيرًا من هوليوود فى نشر القيم الأمريكية، وذلك يعود إلى أن إنتاجها يصل إلى جمهرة واسعة وعريضة من البشر، خصوصًا وأن ما يحدثه الفن السابع يكاد يهيمن على القلوب والعقول معًا، فى حين أن المنتج الأكاديمى يبقى محصورًا بنخبة محدودة وخاصة. لذلك سعى جهاز الاستخبارات الأمريكى إلى استخدام الفنون والآداب فى صراعه الأيديولوجى ودعايته.
مؤتمر بحمدون
كان «مؤتمر حرية الثقافة» الأمريكى إحدى واجهات العمليات الثقافية، يموّل مجلات أدبية وفكرية، ويقيم معارض فنية وفعاليات موسيقية ومؤتمرات ثقافية تحت زعم الحرية والإبداع فى مواجهة ما يُطلق عليه «الواقعية الاشتراكية»، التى كانت اللافتة المرفوعة من جانب المدرسة السوفياتية فيما يتعلّق بالأدب.
ليس هذا فحسب، بل إن وسائل الدعاية والتضليل امتدّت إلى الدين وإلى العاملين فى الحقل الدينى أيضًا لما فيه من تأثير. ففى عام 1954 انعقد فى مصيف بحمدون (لبنان) مؤتمر بدعوة من «جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية»، وبتنظيم غير مباشر من الـCIA وتمويلها، كما اتّضح لاحقًا، تحت عنوان «مكافحة الأفكار المادية الإلحادية»، وشارك فيه رجال دين من مختلف الطوائف والأديان. وإن كانت ثمة ارتيابات، فقد جاء بعضها على لسان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذى كتب ردًّا على دعوته لحضور المؤتمر بعنوان «المُثل العُليا فى الإسلام لا فى بحمدون»، وقام الحزب الشيوعى العراقى حينها بطبع مداخلته وتوزيعها ضمن أدبياته السرية لفضح توجّه الأجهزة الثقافية الأمريكية المموّلة من جهاز المخابرات المركزية.
لكن، للأسف، أخذت الحدود تُمحى، والممانعات تُلغى، والتحفّظات تتبخّر، بل ثمة سباقات وهرولات نحو المعسكر الرابح بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، بغضّ النظر عن أخطاء وخطايا المعسكر الخاسر.
وقد انكشفت بعض تأثيرات وسائل الصراع الناعمة لاحقًا لشراء ذمم مثقفين وكتّاب وإعلاميين، تلك التى اتّخذت فى وقت لاحق شكل توقيع عقود مع البنتاجون ومؤسسات وأجهزة أمريكية بصفة خبراء أو استشاريين، وذلك عشية احتلال العراق وتدمير الدولة العراقية (2003). وعلى هذا المنوال سار عدد من المثقفين من بلدان عربية وأفريقية وأمريكية لاتينية.
وحتى قبل انهيار أنظمة أوروبا الشرقية التوتاليتارية، انخرط فى هذه الأنشطة مثقفون كبار، بعضهم على علم ودراية بمن يقف خلفها ومن يموّلها، والبعض الآخر برّر مشاركته لأنه يريد نشر وجهات نظره المخالفة طالما توفّرت الفرصة للتعبير عنها ضدّ ما هو سائد من تيار اشتراكى وشيوعى رسمى، وهو ما شجّعت عليه السياسة الخارجية الأمريكية تحت عناوين برّاقة مثل «الحرية الأكاديمية» و«حرية التعبير». وهو ما يرد تفصيلاته فى كتاب ف. س. سوندرز «من يدفع للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية» (ترجمة طلعت الشايب وتقديم عاصم الدسوقى، القاهرة، 2009).
واستُخدمت فى الحرب الثقافية مؤسسات خيرية أمريكية وأوروبية، بعضها ما زال عاملًا نشيطًا، وخصوصًا منذ مطلع التسعينيات وحتى مع بدايات ما أُطلق عليه «الربيع العربى» (2011)، لتمويل عدد من منظمات المجتمع المدنى ومنظمات حقوق الإنسان، بزعم أن مصادر تمويل هذه الجهات معفيّة من الضرائب.
وبعض هذه المنظمات تعيش إلى الآن على فتات دعم المؤسسات الدولية، ولو توقّفت هذه عن تقديم التمويل السنوى لها لتوقّفت هى الأخرى عن العمل، كما حصل مع العديد من المنظمات، لاسيّما بعد أن استنفدت أغراضها.
سؤال الأخلاق
وتطرح مؤلفة الكتاب، سوندرز، سؤال الأخلاق، وهو سؤال شكّ لا سؤال يقين، وسؤال قلق لا سؤال طمأنينة: كيف يمكن أن يكون المثقّف حرًّا إذا كان من يموّله جهاز استخبارات أجنبية لأجندات سياسية؟ وهو سؤال ما يزال مطروحًا، فقد اعتمدت العديد من المنظمات ومراكز الأبحاث على تمويلات غامضة من جهات غريبة، بل إن بعضها تمّ تأسيسه لهذا الغرض، وظلّ يعلّق لافتة اليسار فوق رأسه، وإن كانت روحه مطفأة ورؤيته قاتمة، وحتى وإن فقد دوره وموقعه وقيمته الفكرية، لكنه استُبقى كجزء من الجنود فى المعركة.
يقول بول بريمر فى كتابه «عام قضيته فى العراق» الصادر عن دار الكتاب العربى فى بيروت عام 2006، إنه أنفق 880 مليون دولار على مؤسسات وشخصيات صحافية ومدنية وحقوقية فى العراق خلال العام الذى تولّى فيه إدارة الحكم (13 مايو 2003 ــ 28 يونيو 2004).
كانت الفكرة التى اعتمدتها الولايات المتحدة فى الصراع الأيديولوجى ضدّ العدو الاشتراكى أن العالم بحاجة إلى عصر تنوير جديد وسلام أمريكى وقرن أمريكى. وحسب هنرى كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكى الأسبق، فإن الهدف هو تحصين العالم ضدّ وباء الشيوعية وتمهيد الطريق أمام مصالح الولايات المتحدة. وبعد سقوط جدار برلين (9 نوفمبر 1989)، انكشفت هشاشة أنظمة أوروبا الشرقية، بالرغم من أنها كانت تبدو حصونًا منيعة عالية من الخارج لا يمكن اقتحامها، لكنها كانت خاوية ورخوة من الداخل، حسب المفكّر الفرنسى جان بول سارتر، بفعل الدعاية الطويلة الأمد ووسائلها المؤثّرة وقواها الناعمة، كما انكشف معها جوانب من الفساد والبيروقراطية والتسلّط والاستبداد، فضلًا عن الاختراقات الأمنية والثقافية الكبيرة.
وإذا كان فى موت الضمير إجابة على سؤال الأخلاق والقيم الإنسانية، فإن ما هو خافٍ حتى الآن هو: كيف تمكّن شخص واحد (بدأ حياته العملية مدرسًا عام 1976) من امتلاك إمكانات غير محدودة وحصانات متعدّدة، وحصل على الدعم الخفى والعلنى، وتصرّف دون حسيب أو رقيب، فأوقع فى فخاخه المئات من الشخصيات المعروفة وكبار المسئولين، إن لم يكن قد حصل على دعم أصحاب السلطة والنفوذ والمال والأجهزة الأمنية؟
موقع 180