يستعد الأمريكيون للاحتفال بمرور قرنين ونصف قرن على إعلان استقلال الولايات المتحدة. يسبق هذا العيد مناسبات أخرى تستحق أيضًا أن يتفرغ الرأى العام الأمريكى للاستعداد لها، وهو مرتاح نفسيًا واقتصاديًا وسياسيًا. نحن أيضًا، وأقصد جمهرة صناع الرأى، أمريكيين كنا أم أجانب، نشعر بأن واجبنا يحتم علينا أن نسهم فى هذه الاستعدادات. اخترت شخصيًا أن أستعد بعمل حصر ابتدائى بمجمل الإنجازات التى حققتها الولايات المتحدة ومجمل الإخفاقات التى وقعت نتيجة أعمال من أطراف أجنبية ومن مسئولين أمريكيين ومؤسسات داخلية.
بدأنا قبل أسابيع فى إعداد الحصر ليكتشف أحدنا ويعلن أننا فى نهاية الطريق سوف نبدو، بالحصر الذى نحن على وشك الانتهاء من إعداده، كما لو كنا تعمدنا القيام بعمل كيدى وليس ثمرة جهود بحثية موضوعية. قال الزميل: «يستحيل أن ينتهى باحث أو مسئول من قراءة قائمة الإخفاقات إلا ويعلن شكوكه فى نوايا القائمين على الحصر، أو يعلن بأعلى صوت اعتراضه على سلامة عقل المسئولين عن صنع السياسة والقرار أو قلة خبرتهم بشئون إدارة الحكم فى دولة عظمى أو حتى فى دولة صغيرة ناشئة».
• • •
لا يغيب عن بال باحث متمرس مكلف بمثل هذا العمل حقيقة أن سكان الولايات المتحدة عاشوا ويعيشون فى «محمية طبيعية»، دولة فى حجم قارة يحميها من الشرق محيط ومن الغرب محيط آخر، ومن الشمال كندا، الحليف الطبيعى أيضًا والمنطقى، ومن الجنوب قارة أخرى من دول اعتبرت نفسها من توابع الدولة الأعظم التى تفرض نفسها منذ أعلنت دول شمال القارة الجنوبية استقلالها عن النظام الإمبراطورى الأوروبى. النتيجة المنطقية لمثل هذا الموقع الجغرافى أن يميل حكامه إلى استخدام العنف ضد الدول المعادية مطمئنين إلى أن الأعداء لن يجازفوا بشن عدوان بحرى أو جوى على موقع حصين بطبيعته وبما اكتسب من منعة وقوة نتيجة هذه الحصانة.
يحسب لهذا الكيان المحصن أنه سمح لأكثر من عشرين دولة فى أمريكا الجنوبية أن تستقل وتعيش مستقلة لقرنين مستفيدة من نظام الحماية الإجبارية الذى فرضته الولايات المتحدة عليها. يحسب لقادة الولايات المتحدة أيضا أنهم بقرارهم عدم الانخراط فى النزاعات الأوروبية وتعاليهم على قادة أوروبا واستعاراتهم الغزيرة من فكر وتقاليد وأسس الحضارة الأوروبية وبخاصة ما ارتبط منها بفلسفة الحكم، استطاع هؤلاء الحكام التفرغ لبناء دولة قوية.
يحسب للولايات المتحدة أيضا أنها تدخلت مرتين لتنهى حربا عالمية ناشبة لسنوات ومتسببة فى خسائر بشرية ومادية هائلة، خرجت من الحرب العالمية الأولى وفى نية حكامها الانعزال تحت ضغوط الرأى العام، وخرجت من الحرب العالمية الثانية، وفى الواقع لم تخرج منها، إلا وقد وضعت الأساس لبناء منظومة دولية بقواعد عمل وسلوك لازمة لتحقيق السلم والأمن الدوليين والمحافظة عليهما. تحسب لها هذه الأعمال كإنجازات مهدت لانسحاب الاستعمار التقليدى من مناطق الجنوب ونشأة عشرات من الدول المستقلة والنهاية الفعلية لأدوار التوسع والسيطرة التى مارستها الإمبراطورية البريطانية ثم الفرنسية، ولها الفضل تحديدا فى إعلان نهاية العمل بهذه الأدوار بتدخل الرئيس آيزنهاور وزعماء الاتحاد السوفييتى فى حرب السويس.
أمريكا وروسيا ساهمتا معا، من وجهة نظرنا، فى تحقيق نوع من السلم العالمى خلال فترة ممارستهما أسس وقواعد نظام القطبية الثنائية، المقصود بالسلم العالمى هنا هو عدم نشوب حرب عالمية على المستوى الذى اتخذته الحربان العالمية الأولى والثانية. لا شك أن الدولتين العملاقين ارتكبتا تجاوزات بشعة فى أقاليم تابعة لهما أو قريبة منهما لكنهما، معًا، استطاعتا توفير هدوء دولى يسمح للدول حديثة النشأة بالتركيز على مشاريعها فى البناء والتعمير. حدث هذا فى أغلب بقاع العالم وليس فى كل مكان.
مثلًا يحسب على الولايات المتحدة أنها تدخلت عسكريًا دون مبرر معقول فى دول عربية وإسلامية متسببة فى إطلاق مرحلة من عدم الاستقرار مستمرة إلى يومنا هذا، ولا يوجد مؤشر واحد يشير إلى أن أمريكا تفكر فى تعويض هذه الدول عما فقدت أو مساعدتها فى استعادة ما هدمت بقنابلها ووحشية بعض جنودها. كثير من الأعمال العنيفة التى شهدتها المنطقة العربية خلال الأعوام السبعين الماضية تتحمل أمريكا جانبًا كبيرًا من المسئولية لكونها الدولة الأعظم التى قدمت لإسرائيل منذ نشأتها السلاح والخبرة والحماية الدولية.
• • •
إلا أننا، فى مقالنا هذا كما فى مقالات أخرى، نحاول فهم ما تغير فى السياسة الأمريكية بحيث صارت كما هى الآن تعبيرًا دقيقًا عن حالة غريبة من التسيب لا أظن أننا قابلنا مثيلًا لها فى الدراسات الأمريكية وغير الأمريكية عن أمريكا الراهنة. نستطيع التأكيد على حقيقة أن معظم ما تغير، وبخاصة خلال العام الأخير، يتحمل الجانب الأكبر من مسئوليته الرئيس ترامب آخذين فى الاعتبار أن فى قراءة التطورات الدولية يجب الافتراض أن للأحداث جذورًا وبذورًا فى مراحل سابقة.
نستطيع مثلًا أن نقرر أن أمريكا، فى عهد الرئيس ترامب، دمرت حلف الأطلسى وأساءت أيما إساءة إلى الحلف الغربى عامة. لن نغفل عن حقيقة مهمة وهى أن الغرب عموما يشهد منذ فترة ليست بالوجيزة انحدار الغرب كجماعة حضارية، ربما لأسباب اقتصادية وربما كحالة نسبية تتعلق ببعث جديد للحضارة الآسيوية، البعث الذى يعيد إلى الأذهان النظريات التى ناقشت مسألة تطور الحضارات اشتقاقًا من نظرية تطور الجنس البشرى.
نستطيع أن نقول أيضا إن أمريكا فى العهد نفسه تشوهت سمعتها وساءت مكانتها بسبب الفساد العارم والمكشوف الذى تمارسه النخبة الحاكمة فى الإدارة الراهنة، كذلك بسبب ميلها للتسلط. أهملت فقراء أمريكا على مرأى من جميع فقراء العالم وأمام أستار من صمت أغنياء يزدادون غنى بتوحش وجشع. حولت شرطتها وحراس أمنها الشرعيين إلى أشباه وحوش يقمعون ويعذبون ويقتلون. راحت السلطة، بتعليمات وابتزاز من جانب إسرائيل وجماعات ضغطها والممولين الصهاينة الكبار، تسىء معاملة الطلبة الأجانب، مع العلم بأنها جماعة مهاجرة أو ساعية للعلم تفيد فى تعزيز وتقدم البحوث التى جعلت من أمريكا منارة البحث العالمى، هى أيضا جماعة تدر دخلا للخزانة الأمريكية، وتضيف سمعة إيجابية لمختلف الجامعات التى يدرسون فيها.
عادت أمريكا، فى ظل الإدارة الجمهورية الراهنة، تبذر بذور الغضب فى مختلف دول أمريكا الجنوبية، أهانت حكامها وشعوبها عندما شنت حملة طرد المغتربين من المتحدثين بالأسبانية، وتكرار استخدام الرئيس ترامب صفة المجرمين وتجار المخدرات لوصف المهاجرين من دول أمريكا الجنوبية، أضف إلى ما سبق حملته البحرية لاحتلال فنزويلا دون استشارة منظمة الدول الأمريكية واختطاف رئيسها وإعلان نفسه رئيسا محله قبل أن يعود فيعين نائبة مادورو رئيسة بدون صلاحيات وبعد ترتيب الاستيلاء بأساليب استعمارية على كل إنتاج فنزويلا من النفط الخام.
فى حربه الكلامية ضد إيران استخدم عبارات شديدة التأثير وعنيفة من نوع «محو إيران» أو «تدمير الحضارة الفارسية» أو «قصف جميع مصادر الطاقة والمياه». لا يهم الآن القول بأنه أساء إلى نفسه وإلى بلده وإلى الحضارة الغربية التى يتحدث باسمها ويحاول الزج باسمه ملكًا عليها أو نبيًا، الأهم أنه عرض بلاده لاتهامات أخطرها أنه بهذه الصفات استحقت أمريكا اتهامها بارتكاب جرائم حرب.
تسببت حكومة أمريكا بأزمة اقتصادية عالمية وبخاصة فى مجالات الطاقة والأسمدة والكيماويات، كادت تتحول لتصير مدخلًا إلى حرب عالمية ثالثة، الحرب التى سعت أمريكا وروسيا إلى تجنيب البشرية ويلاتها خلال القرن الفائت.
أعترف بأننى أتطلع لقراءة، ولا أقول الاستماع إلى، خطاب الرئيس ترامب يوم الاحتفال بعيد استقلال أمريكا فى اليوم الرابع عشر من يوليو، أتطلع لما سيقوله فيدينه.