هل العروبة بخير؟! - مصطفى الفقي - بوابة الشروق
الثلاثاء 24 فبراير 2026 11:44 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

هل العروبة بخير؟!

نشر فى : الإثنين 23 فبراير 2026 - 5:35 م | آخر تحديث : الإثنين 23 فبراير 2026 - 5:35 م

أنتمى إلى جيل تفتحت مداركه أثناء فترة المد القومى العربى الذى ساد المنطقة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية بسنوات قليلة، وظننا بتلقائية وحسن نيّة أننا بحق الجيل الذى جاء فى موعده مع القدر وأن أبواب الدنيا قد تفتحت لنا وأصبحت نوافذ المعرفة تطل علينا من كل اتجاه، وعند تأميم محمد مصدق رئيس وزراء إيران لبترول بلاده عام 1951 تفتحت مداركنا أيضًا على إمكانية استعادة الحقوق العربية ومواجهة الاستعمار الفكرى والسياسى الاقتصادى بكل الأساليب ومختلف الطرق.


وما هى إلا شهور قليلة حتى قامت ثورة الجيش فى مصر التى أحدثت تحولات ضخمة فى المنطقة وظلت الحركة العربية القومية موحدة إلى أن ظهرت بعض التغيرات فى النظامين الاجتماعى والاقتصادى فى مصر وانعكس ذلك سلبًا على وشائج العلاقات الوثيقة بين مصر والعرب فى وقتٍ تزايدت فيه سطوة إسرائيل وقدرتها على تمزيق وحدة الأمة وتقطيع أوصال النسيج القومى الواحد.


ثم كانت هزيمة يونيو 1967 التى اعتبرت بحق نكسة كبرى للمسار القومى كله بينما كانت فى الوقت ذاته عودة جديدة للوعى العربى حيث سعت دول الخليج العربى بقيادة المملكة العربية السعودية إلى دعم عبدالناصر والدولة المصرية فى مواجهة آثار النكسة مؤمنين بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وكانت القمة العربية فى الخرطوم فى نفس العام هى التعبير الواضح أن الدماء العربية واحدة أمام المحن والخطوب وأن الأمة العربية لا تتراجع أبدًا أمام النكسات والنوائب، ويومها خرج الشعب السودانى العريق يرحب بعبدالناصر رغم الهزيمة ويحيى الملك فيصل الذى وقف هو وبلاده داعمًا لمصر وعبدالناصر فى أحلك الظروف وأصعب الأوقات.


يومها قلنا إن العرب بخير وأن المصالح العربية قد التقت وكان ذلك رغم الهزيمة العسكرية والنكسة الكبرى، فالمهم بالدرجة الأولى هو عودة التضامن العربى والتمرد على روح الهزيمة ورفض الانكسار، ثم كانت حرب الاستنزاف ضد إسرائيل وعربدتها فى أجواء المنطقة حتى جاءت حرب أكتوبر 1973 بكل ما ارتبط بها من بسالة وقوة الجيش المصرى والنخوة العربية على أفضل ما تكون، وتحول يومها البترول العربى إلى سلاحٍ مؤثر فى ساحة المواجهة بين العرب فى جانب وإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وحلفائهما فى جانب آخر.


وقتها بدا المشهد رائعًا وظهرت قوة العرب كأفضل ما تكون، أتذكر ذلك كله اليوم وأبناء جيلى العربى وأجيال أخرى جاءت بعده لكى ندرك أن الصحة النفسية للأمة العربية مرتهنة بالتضامن والتماسك خصوصًا فى أحلك الظروف وأصعب الأوقات بعد اندلاع الثورة الإسلامية فى إيران عام 1979، وإذا كان تعريف العربى لغة وحقيقة ــ مبنى ومعنى ــ هو من كانت العربية لغته الأولى، فإننا نتذكر أيضًا اليوم عبارة قائد الجيش المصرى فى الربع الثانى من القرن التاسع عشر وهو يتجه نحو هضبة الأناضول عندما سئل متى تتوقف مسيرة جيشك، فقال عندما أحيى المستقبلين باللغة العربية فيكون ردهم عربى اللسان والوجدان أيضًا، أما إذا كان الرد بغير العربية فإن ذلك يعنى أن حربنا قد أدت نتائجها وبلغنا بها الحدود الفاصلة بين عروبة اللسان وغيرها من أشكال الثقافة وألوان المعرفة وانتماءات الحضارة.


وهو نفس القياس الذى نتذكره أيضًا لدور الملك الموحد عبدالعزيز آل سعود الكبير الذى جمع شتات الجزيرة العربية وأطرافها المترامية تحت رايات التوحيد إلى أن خرجت مملكته لترى النور وتصبح رديفًا للقوى العربية الصامدة منذ ميلادها عام 1932 تحت اسم المملكة العربية السعودية لتصبح مع مصر والشام ركائز ثلاثًا للروح القومية التى تدفعنا للقول إن العرب لهم صحوات مسجلة فى تاريخهم مثلما كان لهم كبوات فى مسيرتهم الطويلة.


ولقد خيمت القضية الفلسطينية على الساحة القومية واستأثرت بالنصيب الأكبر من الجهد العربى المشترك وخاض العرب جميعًا والفلسطينيون خصوصًا معارك ضارية لمواجهة جرائم إسرائيل العنصرية التوسعية وعدوانها الدائم على الأرض العربية واستهانتها بالمقدسات الدينية، وكانت قمة المأساة فى العدوان الإجرامى لما يقرب من ثلاث سنوات على الفلسطينيين وأطفالهم ونسائهم بتلك المذبحة المتواصلة على أرض غزة الصامدة والتى لا نكاد نعرف لها مثيلاً فى التاريخ الحديث حيث دفع الشعب الفلسطينى أغلى فاتورة من دمائه وأشلاء أطفاله والعالم يرقب ذلك ويشاهده بتعاطف شكلى مع غياب تام للشرعية الدولية وتحول الكوكب كله إلى غابة من الوحوش يلتهم فيها القوى من هو أضعف منه وكأننا نعيش فى عالم آخر لا توجد فيه قوانين دولية ولا قواعد حاكمة.


والملفت للأمر فى هذا السياق أن الشعب العربى الذى اكتفى بتقديم المعونات الطبية والغذائية بالقدر الذى سمحت به إسرائيل لم يحرك ساكنًا بل ظهر الرأى العام العربى فى هذه المأساة فى أضعف أحواله، وذلك رغم اعترافنا بالتعاطف النظرى لدى الجميع تجاه مأساة الأشقاء، بل قد رأينا أيضًا غياب الشارع العربى الحقيقى، فقد كانت المظاهرات المناصرة لغزة فى العواصم والمدن الغربية أضعاف أضعاف مثيلاتها فى الدول العربية، رغم أن الجرح كان غائرًا والدماء غالية، ونحن نرى الآن أنه لابد من الوصول إلى تسوية نهائية تغلق الملف الفلسطينى وذلك باستعادة شعبه لأرضه وعاصمته القدس الشريف واحترام مقدساته الدينية هو والعالم الإسلامى كله بدءًا من القدس وحرمه المقدسى مرورًا بالحرم الإبراهيمى وصولاً إلى كل الحقوق المسلوبة من ذلك الشعب المناضل الصبور، وأود أن أسجل هنا ملاحظتين لهما أهمية كبيرة فيما نتحدث عنه:


الأولى: إن ما جرى فى فلسطين المحتلة هو سابقة دولية خطيرة ونقطة تحول مؤلمة فى العلاقات الدولية المعاصرة، كما أنها تكشف العوار الواضح فى النظام الدولى والسيطرة الأمريكية على السياسات الدولية واختلافها الواضح حتى مع حلفائها فى أوروبا الغربية، كما أننا نسجل حاليًا حجم المناورات والألاعيب التى تدار على حقوق الشعب الفلسطينى بل وتتجاوزه إلى العبث بأمن الشرق الأوسط كله والسلم والأمن الدوليين لدى شعوبه. والذى يعنينا هنا هو ما يتصل بأحوال العالم العربى حاليًا والحساسيات الناجمة عن تكرار العدوان الإجرامى الإسرائيلى على أرضه.


الثانية: إننا لا ننكر رغم سوء الأوضاع والتردى الواضح فى مواقف بعض الدول العربية أن هناك دولاً قادرة على التحرك وسط ضباب المجتمع الدولى الحالى فى ظل المأزق التاريخى الذى تصنعه إسرائيل بالمواجهة مع إيران بدعوى أن القضية الفلسطينية هى سبب الصراع وبيئته الحاضنة، وقد يكون ذلك صحيحًا ولكن الأمر الذى لا جدال فيه هو أن إسرائيل هى التى صنعت الدمار الذى نراه ووقفت دومًا وراء كل مآسى هذه المنطقة ومحاولة تمزيق النسيج العربى الإسلامى أيضًا، وإذا نظرنا إلى الفضاء العربى الحالى لوجدناه يعتمد على بعض الأعمدة القائمة برغم سوء الظروف وتدهور الأحوال، فمصر والمملكة العربية السعودية وبعض دول الخليج الأخرى يتحملون عبئًا تاريخيًا فى ذلك الصراع الدائر الذى تشهده المنطقة، وهو صراع استمر لما يقترب من قرن كامل سيطرت فيه القضية الفلسطينية بمركزيتها وأهميتها على المناخ العام وأحالت معظم قضاياه الأخرى إلى الصف الثانى باعتبارها قضية العرب أجمعين، بل ربما قضية الأحرار فى العالم كله.


بعد ذلك يمكننا أن نتساءل هل العروبة بخير أم لا؟ فالعروبة الثقافية بخير فى مجملها، ولكن العروبة سياسيًا مضطربة إلى حد كبير بحكم هذه الأنواء والأعاصير وسياسات شد الحبال التى تعصف بها من كل اتجاه، ولكن ذلك هو قدر الأمة وسر بقائها واستمرار عطائها وقوة تأثيرها.


نقلا عن إندبندنت عربية

التعليقات